تقدمت أولويات تمويل الحروب وزيادة الإنفاق العسكري على احتياجات التنمية في العالم كله تقريبا باستثناء مالطة. وزاد معدل نمو الإنفاق العسكري إلى ما يتراوح بين ثلاثة إلى خمسة أمثال معدل النمو الاقتصادي في العالم، ما يحرم التنمية من التمويل الكافي، ويعيد تخصيص الموارد المتاحة لصالح التسلح والحرب. أكثر المناطق التهابا في العالم، الشرق الأوسط، وأوكرانيا وتايوان، سجلت معدلات تاريخية في نمو الإنفاق العسكري على حساب التنمية. في الشرق الأوسط بلغ معدل نمو الإنفاق العسكري في العام الماضي 15 في المئة، أي ما يقرب من خمسة أمثال معدل النمو الاقتصادي للمنطقة، محققا 243 مليار دولار أمريكي. واستحوذت إسرائيل وحدها على ما يقرب من خُمس هذا المبلغ، بقيمة 46.5 مليار دولار، بنسبة زيادة تعادل 65 في المئة، وهي أعلى نسبة زيادة للإنفاق العسكري في العالم العام الماضي، وأعلى نسبة زيادة في الإنفاق العسكري الإسرائيلي منذ حرب حزيران/يونيو 1967. وتضاعفت حصة الإنفاق العسكري من إجمالي الناتج المحلي لتصل إلى 8.8 في المئة، وهو ثاني أعلى معدل في العالم، بعد أوكرانيا، حيث يستحوذ الإنفاق العسكري على 34 في المئة من الناتج المحلي.
ومع ذلك، ورغم حروبها المتعددة الجبهات فإن إسرائيل ليست أكبر دول الشرق الأوسط من حيث قيمة الإنفاق العسكري، وإنما جاءت السعودية في العام الماضي على رأس دول المنطقة بقيمة إنفاق عسكري بلغت 80 مليار دولار تعادل ثلث إجمالي الإنفاق العسكري الكلي لدول المنطقة تقريبا (بنسبة 32.9 في المئة). ومن الملاحظ وجود علاقة ارتباط موجبة بين دخل السعودية من البترول وبين إنفاقها العسكري، كما أن تورط السعودية في حرب اليمن أدى أيضا إلى زيادات قياسية في الإنفاق العسكري منذ عام 2015. ومن المثير للتساؤل أن الإنفاق العسكري للجزائر ارتفع إلى ما يعادل 8 في المئة من الناتج، ما يشير إلى استعدادات عسكرية غير مسبوقة، وأن السعودية تنفق على التسلح النسبة نفسها التي تنفقها روسيا، بما يعادل 7.1 في المئة من الناتج المحلي. ومن التطورات الجديدة في الشرق الأوسط ارتفاع قيمة الإنفاق العسكري في لبنان بنسبة 58 في المئة في العام الماضي ليصل إلى 635 مليون دولار أمريكي، بعد عدة سنوات من الانخفاض بسبب الأزمة الاقتصادية والاضطرابات السياسية. وبالمقارنة مع إسرائيل فإن لبنان ينفق على الدفاع أقل من 1.4 في المئة مما تنفقه إسرائيل على الحرب.
وقالت زبيدة كريم، الباحثة في برنامج الإنفاق العسكري وإنتاج الأسلحة في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري»: «على الرغم من التوقعات السائدة بأن العديد من دول الشرق الأوسط كانت ستزيد إنفاقها العسكري في عام 2024، إلا أن الزيادات الكبيرة اقتصرت على إسرائيل ولبنان». وأضافت: «في أماكن أخرى، لم تُزد الدول إنفاقها بشكل ملحوظ استجابةً للحرب في غزة، أو حالت القيود الاقتصادية دون ذلك». وتظهر بيانات المعهد أن الإنفاق العسكري لإيران انخفض بنسبة 10 في المئة بالقيمة الحقيقية ليصل إلى 7.9 مليار دولار في عام 2024، ما يعادل 10 في المئة مقارنة بالمملكة السعودية، على الرغم من تورطها في صراعات إقليمية ودعمها لوكلاء إقليميين. ويفسر المعهد انخفاض قيمة الإنفاق العسكري الإيراني بتأثير العقوبات المفروضة على إيران. ويعتقد الخبراء هناك أن هذه العقوبات قد حدت إلى درجة كبيرة من قدرة إيران على زيادة الإنفاق العسكري، وهو تفسير يحتاج لمراجعة جوهرية، لأن إيران تنفق النسبة الأعظم من ميزانيتها العسكرية على الإنتاج المحلي وليس على شراء أسلحة جاهزة. وتتركز الواردات في شراء مستلزمات الإنتاج. هذا الأسلوب أرخص كثيرا ولا يحمل الميزانية المالية أعباء كثيرة مقارنة باستيراد الأسلحة الجاهزة.
وفي منطقة شمال أفريقيا بلغت قيمة الإنفاق العسكري 30.2 مليار دولار أمريكي في عام 2024، بزيادة قدرها 8.8 في المئة عن عام 2023 و43 في المئة عن عام 2015. ومن الملاحظ أن الجزائر وحدها استحوذت على ما يقرب من ثلاثة أرباع الإنفاق العسكري لدول شمال أفريقيا (72.2 في المئة) بقيمة 21.8 مليار دولار، بزيادة 12 في المئة عن عام 2023، لتحافظ على مكانتها كأكبر الدول الأفريقية من حيث الإنفاق العسكري. وشكّلت ميزانية الجزائر العسكرية الحصة الأكبر من إجمالي الإنفاق الحكومي (21 في المئة). أما المملكة المغربية، فإنها بعد انخفاضين سنويين متتاليين، زادت إنفاقها العسكري بنسبة 2.6 في المئة في عام 2024، ليصل إلى 5.5 مليار دولار أمريكي. ويُعزى هذا الارتفاع بشكل رئيسي إلى ارتفاع نفقات الأفراد.
قفزة الإنفاق العسكري للعالم
بلغت قيمة الإنفاق العسكري للعالم بنهاية العام الماضي 2.7 تريليون دولار، طبقا لتقرير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام «سيبري»، مع زيادات كبيرة بشكل خاص في أوروبا والشرق الأوسط. وبلغ المعدل السنوي لزيادة الإنفاق العسكري 9.4 في المئة عن العام السابق، وهي أكبر زيادة في العقود الثلاثة الأخيرة. وفي المقابل كان معدل النمو الاقتصادي السنوي حوالي 3.2 في المئة. هذا يعني أن دول العالم خصصت للإنفاق العسكري نسبة أكبر من الناتج المحلي الإجمالي على حساب التنمية الاقتصادية. ويقيس الاقتصاديون مقدار العبء العسكري الذي يتحمله الاقتصاد بنصيب الإنفاق العسكري من الناتج الإجمالي. وقد ظل المعدل المستهدف منذ نهاية الحرب الباردة في حدود 2 في المئة فقط من الناتج المحلي. لكن حسابات معهد «سيبري» للعام الأخير تشير إلى ارتفاع هذا العبء بمقدار نصف نقطة مئوية، وهو ما يمثل تقليلا للموارد المخصصة للتنمية الاقتصادية لمقابلة الزيادة في الإنفاق العسكري. ويرتفع هذا العبء بشكل خاص في ثلاث مناطق على مستوى العالم هي الشرق الأوسط، ووسط وشرق أوروبا، وتايوان. وتعتبر زيادة الإنفاق الإسرائيلي في العام الماضي هي الأكبر على الإطلاق، حيث كانت حصتها من الناتج المحلي الإجمالي هي الثانية من حيث الحجم، بعد أوكرانيا فقط. وعلى المستوى العالمي تستحوذ ثلاث دول فقط هي الولايات المتحدة والصين وروسيا الاتحادية على أكثر من نصف الإنفاق العسكري للعالم بنسبة 54.5 في المئة. وتأتي الولايات المتحدة في المقدمة بنسبة 37 في المئة، ثم الصين بنسبة 12 في المئة، وبعدهما روسيا بنسبة 5.5 في المئة. ومن المتوقع زيادة الميزانية العسكرية الجديدة للولايات المتحدة إلى حوالي تريليون دولار، ارتفاعا من القيمة الأولية التي كانت تقدر بنحو 850 مليار دولار.
وقال شياو ليانغ، الباحث في برنامج الإنفاق العسكري وإنتاج الأسلحة في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام: «رفعت أكثر من 100 دولة حول العالم إنفاقها العسكري في عام 2024. ومع تزايد أولوية الحكومات للأمن العسكري، غالبًا على حساب مجالات أخرى في الميزانية، فإن هذه التنازلات الاقتصادية والاجتماعية قد يكون لها آثار كبيرة على المجتمعات لسنوات قادمة». وصرح دييغو لوبيز دا سيلفا، الباحث الأول في البرنامج نفسه بأن روسيا :»رفعت إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ مجددا، ما أدى إلى توسيع فجوة الإنفاق مع أوكرانيا». وأضاف: «تخصص أوكرانيا حاليا جميع عائداتها الضريبية لجيشها. وفي ظل هذه الظروف المالية المحدودة، سيكون من الصعب على أوكرانيا مواصلة زيادة إنفاقها العسكري». وبلغ الإنفاق العسكري الروسي ما يُقدر بنحو 149 مليار دولار في عام 2024، بزيادة قدرها 38 في المئة عن عام 2023، وهو ضعف مستواه في عام 2015. ويمثل هذا 7.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لروسيا وحوالي 19 في المئة من إجمالي الإنفاق الحكومي الروسي. أما إجمالي الإنفاق العسكري لأوكرانيا، فقد نما بنسبة 2.9 في المئة ليصل إلى 64.7 مليار دولار، وسط قيود تمويلية شديدة ترتبت على تغير موقف الولايات المتحدة، تحت إدارة ترامب، من الحرب الأوكرانية.
وبسبب استمرار الحرب في أوكرانيا شهدت عدة دول في أوروبا الوسطى والغربية زيادات غير مسبوقة في إنفاقها العسكري في عام 2024، حيث نفذت تعهدات إنفاق جديدة وخطط مشتريات واسعة النطاق، في إطار سياسة جديدة اتفقت عليها دول حلف الأطلنطي، تحت ضغط من الولايات المتحدة. ففي ألمانيا ارتفع الإنفاق العسكري بنسبة 28 في المئة ليصل إلى 88.5 مليار دولار أمريكي، ما يجعلها أكبر مُنفق في أوروبا الوسطى والغربية، ورابع أكبر دولة مُنفقة على السلاح في العالم. أما بولندا، فقد ارتفع إنفاقها العسكري بنسبة 31 في المئة ليصل إلى 38 مليار دولار في عام 2024، وهو ما يُمثل 4.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لبولندا. وعلق لورينزو سكارازاتو، الباحث في برنامج الإنفاق العسكري وإنتاج الأسلحة في معهد ستوكهولم على زيادة الإنفاق العسكري في ألمانيا قائلا: «لأول مرة منذ إعادة توحيد ألمانيا، أصبحت ألمانيا أكبر مُنفق عسكري في أوروبا الغربية، ويعود الفضل في ذلك إلى صندوق الدفاع الذي تبلغ قيمة مخصصاته 100 مليار يورو، وكان قد أُعلن عنه في عام 2022». وأضاف: «تشير أحدث السياسات المُتبعة في ألمانيا والعديد من الدول الأوروبية الأخرى إلى أن أوروبا قد دخلت مرحلة من الإنفاق العسكري المرتفع والمتزايد، ومن المُرجح أن يستمر هذا الوضع في المستقبل المنظور».
وبالنسبة لدول حلف الأطلنطي ككل، فقد بلغ إجمالي الإنفاق العسكري 1506 مليارات دولار، أي ما يعادل 55 في المئة من الإنفاق العسكري العالمي. ومن بين 32 دولة عضوًا في حلف الناتو، أنفقت 18 دولة ما لا يقل عن 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على جيوشها، مقابل 11 دولة فقط في عام 2023، وهو أعلى رقم منذ اعتماد الناتو لإرشادات الإنفاق في عام 2014. وأسهمت الولايات المتحدة وحدها بنسبة 66 في المئة من الإنفاق العسكري الكلي لدول الحلف، في حين أنفقت الدول الأوروبية الأعضاء حوالي 454 مليار دولار، أي ما يعادل 30 في المئة من إجمالي الإنفاق في حلف الأطلنطي. وصرحت جيد غيبرتو ريكارد، الباحثة في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام بأن «الزيادات السريعة في الإنفاق بين الدول الأوروبية الأعضاء في حلف الاطلنطي (الناتو) تعود بشكل رئيسي إلى التهديد الروسي المستمر، والمخاوف من احتمال انسحاب الولايات المتحدة من الحلف». وأضافت: «تجدر الإشارة إلى أن زيادة الإنفاق وحدها لن تُترجم بالضرورة إلى تعزيز القدرات العسكرية أو الاستقلال عن الولايات المتحدة بشكل ملحوظ. فهذه مهام أكثر تعقيدًا بكثير».
الصين وجنوب شرق آسيا
زادت الصين، ثاني أكبر مُنفق عسكري في العالم، إنفاقها العسكري بنسبة 7 في المئة في العام الماضي ليصل إلى ما يُقدر بـ 314 مليار دولار، مسجلةً بذلك ثلاثة عقود من النمو المُتواصل. وبذلك فإن الصين وحدها تستحوذ على نصف إجمالي الإنفاق العسكري لدول آسيا وأوقيانوسيا، وهي توجه جزءا كبيرا من إنفافها العسكري للاستثمار في التحديث المُستمر لجيشها، وتوسيع قدراتها في مجال الحرب السيبرانية وترسانتها النووية والأسلحة البحرية والصواريخ الأكثر تطورا. وفي اليابان ارتفع الإنفاق العسكري بنسبة 21 في المئة ليصل إلى 55.3 مليار دولار في عام 2024، وهي أكبر زيادة سنوية منذ عام 1952. ولا يزال عبء الإنفاق العسكري على الاقتصاد الياباني منخفضا بمقاييس حلف الأطلنطي، حيث يبلغ حاليا حوالي 1.4 في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، ومع ذلك فإنه حقق الآن أعلى مستوى له منذ عام 1958. أما الهند، خامس أكبر مُنفق عسكري عالميًا، فقد نما إنفاقها العسكري بنسبة 1.6 في المئة ليصل إلى 86.1 مليار دولار أمريكي. كما نما إنفاق تايوان بنسبة 1.8 في عام 2024 ليصل إلى 16.5 مليار دولار أمريكي، بما يعادل 2.1 في المئة من الناتج المحلي. وقال نان تيان، مدير برنامج الإنفاق العسكري وإنتاج الأسلحة في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، إن دول آسيا والمحيط الهادي «تستثمر موارد متزايدة في بناء القدرات العسكرية المتطورة. ومع وجود العديد من النزاعات العالقة والتوترات المتصاعدة، فإن هذه الاستثمارات تُنذر بدفع المنطقة إلى دوامة سباق تسلح خطيرة». هذا التقدير ربما يشير إلى صعوبة التنبؤ باتجاه السباق بين احتياجات تمويل التنمية واحتياجات تمويل التسلح في العالم خلال العام الحالي. لكن الصورة لا تزال ترجح تقديم احتياجات تمويل التسلح نظرا لأن الصراعات والنزاعات الرئيسية في العالم لا تبدو في طريقها إلى الحل حتى الآن. وفي هذا السياق فإن عبء الإنفاق العسكري على الاقتصاد العالمي من المرجح أن يستمر في الزيادة، بعد أن ارتفع من 2 في المئة إلى 2.5 في المئة. ويقدر البنك الدولي أن معدل النمو العالمي سوف يستقر عند 2.7 في المئة في الفترة 2025-2026 مقابل 3.2 في المئة في العام الماضي. هذا المعدل لن يكون كافيًا لتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة. ويتوقع البنك أن تحقق الاقتصادات النامية، بما فيها الصين، التي تسهم بنسبة 60 في المئة من النمو العالمي – في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين أضعف معدلات للنمو طويل الأجل منذ عام 2000، طبقا لاستنتاجات أيهان كوسي، نائب كبير الاقتصاديين في البنك الدولي. بينما في المقابل تزيد احتياجات تخصيص نسبة أكبر من الموارد لتمويل السلاح. فإذا استقرت نسبة الزيادة في الإنفاق العسكري للعالم عند المستوى الذي كانت عليه في العام الماضي عند 9.4 في المئة، بينما نما الاقتصاد العالمي بنسبة 2.7 في المئة فإن الموارد المخصصة للتنمية ستكون في وضع أسوأ.