بغداد ـ «القدس العربي»: مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية العراقية، تتصاعد تحذيرات من قوى سياسية واجتماعية ودينية عراقية متنوعة، من استفحال أحداث ودعوات طائفية في العراق هذه الأيام بشكل لافت من قبل أحزاب وقوى سياسية ودينية معروفة، لتحشيد الشارع طائفيا، من أجل تنفيذ مشاريعها الخاصة بالانتخابات واستمرار استحواذها على السلطة ومغائمها، وسط تطورات إقليمية غير مستقرة. وإزاء وصول تأجيج الطائفية في الشارع والإعلام ومواقع التواصل، إلى مستويات خطيرة، أطلق العديد من السياسيين والمنظمات دعوات وتحذيرات من خطورة التجييش الطائفي وتداعياته السلبية على المجتمع.
فقد حذر حسن توران رئيس الجبهة التركمانية العراقية، في حوار تلفزيوني تابعته «القدس العربي»، من أن «على دعاة تقسيم العراق أن يفكروا بالحروب التي ستجري لتحديد حدود كل مكون».
وقال توران: «نحن في المكون التركماني لا نهدد بشيء، ونؤمن بعدم تقسيم العراق، ولو تقسمت البلاد لن يخرج أي مكون بأي فائدة». ونبه إلى أن «المنطقة تمر بمخاض عسير وخطير، ويفترض أن نتوحد لا أن ننقسم إزاء ما يحدث إقليميا، وان دعوات الفدرلة غير صحيحة حالياً، وتصعيد الخطاب الطائفي ليس صحيحا، لكن كل سنة انتخابات نرى ونسمع ما لا نراه ونسمعه قبلها أو بعدها، والكل يريد أن يكسب عبر الخطاب الطائفي»، مشددا على أن «الحوار يجب أن يكون الحل». ورأى توران «أن دعوات التقسيم الطائفية الحالية لن تنفع أحدا».
وفي نفس السياق، أكد النائب عن الموصل نايف الشمري، تصاعد خطاب «الكراهية والطائفية» مؤخرا واستغلاله كمادة انتخابية.
وقال الشمري في بيان: «بدأ البعض يستغله مع اقتراب الانتخابات، وكأنه مادة انتخابية، ماذا جنى العراق والعراقيون من إثارة النعرات الطائفية؟». وتساءل «ألم يكن هذا الخطاب دائماً بداية للتشظي المجتمعي والمناطقي؟ ألم يكن ينّمي المجاميع الإرهابية لتستغله في إحداث فجوات داخل المجتمع؟».
وتابع «عموماً، من يراهن ويتبنى هذا الخطاب المقيت، فنقول له، وبضرس قاطع، ما عاد هذا الخطاب ينطلي على أبناء شعبنا الكريم، فوعي الشعب أكبر وأرقى من هكذا أحاديث لا تغني ولا تسمن»، داعيا إلى الخطاب الوطني المنفتح على الجميع، من دون تعصب أو تشدد أو طائفية.
أما رئيس البرلمان الأسبق أسامة النجيفي، فذكر في حديث تلفزيوني، أن «هناك الكثير من التجاوزات في العلاقة بين الشيعة والسنة في العراق»، مبينا أن «العلاقة يجب أن تبنى على إزالة المظالم وتحقيق التوازن في الدولة والمشاركة الحقيقية فيها وقبول الشريك على أنه صاحب حق مشابه له بالحقوق والواجبات».
وانتقد النجيفي ما وصفه بـ «تمدد القوى الشيعية في المناطق السنية مثل نينوى وسهلها» وتساءل «هل بإمكان القوى السنية أن تترشح ( في الانتخابات) في المدن الشيعية كما يفعلون؟» وأوضح» لقد جربنا ذلك عام 2010 في البصرة وتم اغتيال مرشحينا».
قانون تجريم الطائفية
وردا على تصاعد الخطاب الطائفي، انطلقت دعوات لردع محاولات إحياء الفتنة في المجتمع، ومنها دعوة رئيس البرلمان محمود المشهداني، قبل أيام، إلى تشريع قانون يجرم الطائفية في العراق.
وقال المشهداني في مقال نشره في وسائل الإعلام، «إن العراق عانى من الطائفية وأسفرت عن شبه حرب طائفية، اعتبرها البعض حرباً أهلية وحصدت الجميع في العراق». وأكد أن «الطائفية التي عانيناها لسنوات قد فشلت، ومضت كما مضى الإرهاب وسيمضي الفساد، لكن ما تبقى من تلك الآثار بدأ يظهر مجدداً في أحاديث الإعلام التقليدي، ويُروج له عبر الذباب الإلكتروني في مواقع التواصل الاجتماعي، بدعوى نقض مظلومية قديمة بظلم جديد، أو مظلومية جديدة بظلم تاريخي».
وحذر من أن «خطورة التحريض تزايدت إلى حد التماهي مع مشاريع قديمة تدعو لتقسيم البلاد»، منوها إلى ان تحرك «سياسيين ورجال أعمال وأشباه شيوخ قبائل ودعاة إسقاط النظام السياسي، سيجر العراق إذا ما نجحوا، نحو الهاوية».
واقترح المشهداني، أن «تجريم الطائفية الجديدة، يتم بقوانين وتشريعات ورقابة لا تسلب حرية التعبير، بجملة خطوات، أبرزها، إصدار قانون تجريم الطائفية، وإغلاق وحجب وإزالة الصفحات والمنشورات والفيديوهات والتسجيلات التي تدعو للطائفية، ومشاركة المراجع الدينية لكل الطوائف لتقديم رأيها الشرعي في حرمة الطائفية وتحريم الحض عليها، إضافة إلى دور قادة الأحزاب ورؤساء الكتل البرلمانية على توعية جمهورهم بأن التحريض الطائفي محرقة قد تندلع بشرارة عن عمد أو دون ذلك».
وشدد على ضرورة «المضي في إزالة الظلم عن أبناء أي طائفة في العراق»، داعيا إلى «تكريس مبدأ أن العراق طائفة لجميع الطوائف، كما كان منذ بداية التاريخ».
حملات تسقيط طائفي
وتواصلا مع حملات التسقيط لرموز بعض المكونات، فقد انطلقت حملة انتقادات وهجمات على رئيس تحالف السيادة (السني) من قوى شيعية.
وحذر تحالف السيادة، من الاستهداف السياسي لرئيسه خميس الخنجر بعد تسريبات صوتية (طائفية) منسوبة له. وعزا البيان دوافع تلك الحملة بانها «تعود لمواقف الخنجر الإنسانية والحقوقية للمكون السني، مثل المطالبة بإطلاق سراح المغيبين والمعتقلين الأبرياء».
وأكد البيان أن «تلك الحملة وراءها قوى اللا دولة والسلاح المنفلت والطائفيون، كجزء من حملة لاستهداف قيادات سنية بهدف إسكاتها أو تحييدها، عبر تزوير الأصوات وإيقاد الفتنة طائفيا ومناطقيا»، فيما لفت إلى أن هذا الأسلوب يجب أن يحظر عبر الجهاز القضائي. وقد رفع الخنجر، دعوى قضائية ضد قناة «عراق الحدث»، بعد نشرهم تسجيلات صوتية (ذات طابع طائفي) منسوبة له، قال إنها مزيفة واتهمهم بالإساءة والتشهير والقذف.
وحول نفس الموضوع، عد المجمع الفقهي العراقي (رجال الدين السنة)، الحملة ضد زعيم تحالف «السيادة» خميس الخنجر، بانه ضمن «حملات استهداف وتشويه ممنهجة تتعمد النيل من مكانته والإساءة إلى دوره الريادي»، مطالباً بـ«احترام الرموز».
وقال المجمع في بيان، إن «استهداف الرموز لا يطال أشخاصهم فحسب، بل يطال النسيج الاجتماعي والقيم التي يمثلونها ما يشكل تهديداً للسلم المجتمعي، فاحترام الرموز هو السبيل الأمثل لبناء مجتمع واعٍ ومتماسك».
رجال دين طائفيون
وشهد الشارع العراقي هذه الأيام معاودة بعض ممن يسمون رجال دين، استغلال بعض المناسبات لتأجيج الطائفية بين الجمهور، ما عرضهم لانتقادات واسعة.
وفي هذا السياق، انتقد الشيخ مزاحم التميمي (من شيوخ البصرة) ظهور بعض رجال الدين مستغلين أحداثاً دينية أو رياضية أو غيرها لإثارة الجدل حول بعض الآراء التي لا تتناسب مع هوية البصرة بجعلها تحت نسق واحد وضمن سياق لا يلائم هويتها المتعددة حسب مكوناتها المجتمعية الأصيلة. وقال التميمي في مقطع صوتي «إلى متى نبقى نستورد معممين؟ أليس لدينا ما يغنينا عن أمثال هؤلاء؟».
وبدوره، انتقد النائب السابق وشيخ قبائل تميم مزاحم الكنعان، خطاب رجل الدين علي الطالقاني، الذي هاجم فيه المجتمع المدني وادعاءه أن هوية البصرة ستبقى «شيعية علوية فاطمية». وعبر الكنعان عن استغرابه لمثل هكذا خطابات، كما عاتب رجال البصرة من مثقفين وكتاب وشعراء ورجال دين وسياسيين وفنانين، لسكوتهم واختفائهم في الصفوف الخلفية وعدم الرد عليه.
وسبق للطالقاني أن حذر من حضور مباراة العراق والكويت التي جرت في البصرة مؤخرا، لتزامنها مع ذكرى استشهاد الإمام علي.
وأقر قادة الإطار التنسيقي الشيعي، بعد اجتماع لهم، بعودة «الخطاب الطائفي» إلى الساحة العراقية، واصفين إياه بـ«المرض السياسي!». وعبر الإطار التنسيقي عن رفضه «الخطاب الطائفي الذي يطلقه البعض» من دون الإشارة إلى إجراءاته لمنع عناصر محسوبة على المكون، من إثارة الخطاب الطائفي.
طرح الإقليم الشيعي
وانسجاما مع التصعيد الطائفي أيضا، اعيد في الأيام القليلة الماضية، طرح فكرة تشكيل إقليم شيعي مستقل من قبل بعض السياسيين الشيعة العراقيين، ما أثار ردود أفعال مستنكرة.
وفيما هدد زعيم حزب الدعوة نوري المالكي في مقابلة تلفزيونية، بإعلان الإقليم الشيعي في العراق، قائلا: «الشيعة سينفردون بالنفط إذا تم إجبارهم علي التقسيم». فإن النائب حسين مؤنس (من کتائب حزب الله العراقي)، هدد بـ «استقلال 9 محافظات» إذا استمر ما وصفه بإبتزاز الشيعة.
وكان أبرز رد على تلك الدعوات التقسيمية، ما صرح به محمود المشهداني، رئيس البرلمان، الذي قال: «من يطرح فكرة إنشاء إقليم شيعي يجب أن يكون علي دراية بمسار نهري دجلة والفرات». ملمحا إلى أن المحافظات السنية تتحكم بمسار نهري دجلة والفرات مقابل سيطرة المحافظات الشيعية على معظم الحقول النفطية جنوب العراق.
قانون حماية الأقليات
وفي هذه الأجواء وتعبيرا عن تجدد مخاوف الأقليات في العراق، من تبعات وتداعيات التفرقة الطائفية والقومية السائدة في عراق ما بعد 2003، فقد تم مؤخرا طرح «مشروع قانون حماية الأقليات» في مجلس النواب العراقي، وخضع للقراءة الأولى.
وجاء هذا الحراك النشط من قبل نواب وشخصيات ونشطاء القوميات والأديان المختلفة، في محاولة للتوصل إلى تفاهم واتفاق يضمن حقوق مكوناتهم ويقلل من تهميشهم في العملية السياسية، وسط قناعة ممثلي هذه المكونات، بان تمرير القانون يتطلب توافقا سياسيا وحوارات مع قادة الكتل الشيعية، باعتبارهم أصحاب الثقل الأكبر في البرلمان والحكومة.
ويشير خبراء القانون إلى أن الدستور العراقي وقانون العقوبات وقانون مكافحة الإرهاب، كلها تمنع أي شكل من أشكال التحريض الطائفي، إلا ان تنفيذها غير جدي وانتقائي ولا يشمل الأصوات الطائفية من السياسيين ورجال الدين الذين يعتاشون على الطائفية، والذين يحضون عليها بدعم الأحزاب والفصائل المتنفذة التي تتحكم بالدولة العراقية. مع قناعة الجميع بان الانتخابات تبقى مناسبة لكشف حقيقة برامج وتوجهات وارتباطات بعض القوى السياسية والدينية بالمشروع الطائفي والأجندات الإقليمية.