الرواية كنسيج من الأصوات: «راس أنجلة» وتجريب غير مكتمل

ركّز باختين أثناء حديثه عن الرواية البوليفونية (متعددة الأصوات) على أهمية تقديم وعي البطل بوصفه وعيا غيريّا، حيث يظهر في عالمه وقد بنى صوته بطريقة تشبه بناء صوت المؤلف في الرواية التقليدية، وعندما ينطلق القارئ من هذا التعريف مع رواية تتعدد فيها الأصوات، يصبح جلّ تركيزه على الميزة التي ستقدمها كل شخصية متفردة بصوتها، وكيف سيحبك الكاتب العلاقات بين تلك الأصوات، التي سيغرد كل منها منفردا، وهل فعلا ستأخذ الشخصية بوعيها بوصفه وعيا غيريّا ليبني صوته، كما صوت المؤلف. من هذه الصورة انطلقت في قراءة رواية «راس أنجلة» لإيناس العباسي (دار نوفل 2025) ومنها أبدأ بالحديث عنها.
أصوات ثلاثة رئيسية نسمعها في الرواية، كل منها يأخذ حيّزا يشغل ربع الرواية تقريبا، ويعود في الربع صوت «ناديا» ليظهر مع اسم «أماندين»، الذي تكشف لنا الرواية دوره في صفحتها الأخيرة. صوت ناديا هو الأول، ويليه صوت فيليب زوجها، وبعده نسمع صوت ليندا شقيقتها، قبل عودة صوتها، الفصول الأولى تعنونها الرواية باسم الشخصية صاحبة الصوت، مع تحديد المدة الزمنية التي تنتهي جميعها عام 2021.
صوت ناديا هو الأبرز، وهي التي تهرب من بلادها لاجئة إلى فرنسا، بسبب ما تتعرض له من محاولة قتل وحبيبها منذر من قبل ملثّمين، هناك حيث تحصل على منحة للكتابة، وتتعرف بفيليب ويتزوجان، ناديا ونحن نسمع صوتها، تخبرنا عن نفسها وعن منذر وفيليب وليندا، وتتحدث عن أمها ووفاتها، وهروب الأم من أبيها مع أولادها الأربعة. تحاول الكاتبة أن تمنح بعض التشويق لقصتها مع منذر قبل لجوئها، ولكن هل حصل التشويق بالفعل؟
صوت فيليب كان الأبرز، وهو الذي لم تكن توصله إلينا ناديا إلا من خلال نوبات غضبه ومشكلاته النفسية بعد عودته من الحرب في أفغانستان، وما ترتب عليها من مضاعفات نفسية أثرت على حياتيهما وحياة ابنائهما يوسف والتوأمين، ولكن عندما نسمع القصة من خلال صوته، تتكشف معالم أخفتها الرواية وجعلتنا ننتظره لنسمعها منه، وكان الأمر موفَّقا، وقد أدت البوليفونية بوصفها تقنية حديثة دورها بشكل جيد. أما صوت ليندا، فهو جزء كان يمكن اختصاره بصفحات قليلة، وما سردته ليندا، التي تترك اختصاصها وحلمها بالغناء، وتلجأ إلى الفجيرة فدبي للعمل في صالون حلاقة نسائي، فشلت الرواية بالخوض في قضايا كان يمكن أن تكون أقوى وأعمق حتى من قضايا ناديا وفيليب، وكانت فرصة لم تستغلها الكاتبة، بل اكتفت بالسرد المستهلَك عن دبي وعن الإمارات والعلاقات السطحية والأشبه بالأفلام والمسلسلات الاستهلاكية، وكأن هذا الجزء أضافته الكاتبة بعد رحلة إلى الإمارات، انبهرت فيها بما رأت، وسيطرت عليها فكرة نقل مشاهداتها، ولكنها لم تنتبه إلى دور ذلك في نصها الأدبي، وما الذي سيضيفه، وهو في رأيي لم يضف شيئا، بل أكثر من ذلك، أضاف حشوا وسردا استعراضيّا غير مبرَّر.
الجزء الأخير كان الأعمق، وكان يمكن أن تُبنى الرواية على أساسه، وتتعمق في الشخصيات وتطورها بشكل أفضل، تعرّج الرواية على فيصل، الذي يعود للعمل في ليبيا، ونوفل الذي وصل به الأمر إلى اليأس والتسليم له، ولكن من دون استغلال فعليّ لما حصل معهما، ومع الشخصيات الرئيسية، وربطه بقضايا أو بمسائل تعطي قيمة وهدفا للسرد، فالعلاقات بين عناصر الرواية، وتقنياتها ولغتها، كانت مفتقدة لحلقة ما! قد يكون اختيارها «البوليفونية» تقنية للسرد، من دون التنبه إلى ضرورة أدوات الربط بين العناصر.
نهاية الرواية وولادة «أماندين» طفلة ناديا وفيليب الرابعة، كان يمكن أن تُستغلّ أكثر للتبرير لبداية شفاء فيليب، وكيف أثرت ولادة طفلته إيجابا عليه، ولكنها لم توظَّف وتُستغل، على الرغم من أنها نهاية عميقة وجميلة.
لغة النص سلسة تخللتها شروحات لبعض المصطلحات والعبارات العامية، أعاقت السرد قليلا، ولكنها مبررة من أجل واقعية النص، واستخدام الكلمات المحلية، ولكن على سبيل المثال قالت، خلال السرد «ماكدو» وشرحتها في إحالة بأنها اختصار لمطعم ماكدونالدز، هل فعلا كان الأمر ملحّا لتوقف القارئ عن القراءة ويفهم معنى الكلمة، كانت قالت الاسم كاملا، أو فلتقل «مطعم»! الرواية فيها من البَوح الشخصي الكثير، وفيها قضايا ترتبط بالعلاقات الأسرية، والمشكلات النفسية لمن يخوض الحروب ويشترك بالمعارك، وبقضايا أوطاننا التي لا تحتمل الاختلاف، والأحلام التي تموت عند أول محنة وصعوبة، ولكن إلى أي مدى أدى النص الروائي دوره تجاه تلك القضايا؟

كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية