آفي كالو
المئة يوم الأولى لولاية ترامب الثانية ليست وقتاً للإجمال، لكنها تشكل قراءة للاتجاه الذي تسير فيه. السنوات الأربع القريبة القادمة ستتميز بانعدام يقين، وتحلل من أنماط السلوك، وهزة اقتصادية، وتوسيع النزعة القتالية، فيما تتراجع التحالفات التقليدية أمام النزعة القومية. وهي تحقق الآن بولاية فوضوية لزعيم العالم الحر الذي يسعى إلى تخريب “النظام القديم”.
ومثال ذلك يكمن في سياسة الجمارك التي تضعضع مفاهيم أساسية للتجارة العالمية. فعقب فكره الذي يربط النفوذ والمال معاً، يحتل العالم السُني في الشرق الأوسط مكاناً مركزياً في أجندة ترامب. فزيارته الأولى إلى المنطقة بعد نحو أسبوعين، ستتركز في السعودية والإمارات، الحليفين الغنيين للولايات المتحدة. وبينما يتجه اهتمامه إزاء الإماراتيين إلى توسيع التعاون الاقتصادي، فإن زيارته للرياض هي الأهم. وعلى الأقل في هذا السياق، بقي ترامب ثابتاً؛ ففي ولايته الأولى كانت أولى زارته الخارجية إلى المملكة، وهو الاستعراض الذي خط في الذاكرة كنجاح مدوٍ من ناحيته، مع صفقات سلاح بقيمة مليارات الدولارات.
ظاهراً، زيارة الرئيس الأمريكي القريبة إلى الرياض تلوح كقصة نجاح أخرى. من المتوقع في إطارها الإعلان عن شراء السعودية سلاحاً أمريكياً بقيمة نحو تريليون دولار، ما يشكل تحدياً للتفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة. لكن فضلاً عن ذلك، فإن الدراما الحقيقية هي استعداد البيت الأبيض السماح للسعودية بتطوير قدرات نووية مدنية على أراضيها. تفاهمات كهذه ستزيد الإمكانية الكامنة لسباق تسلح نووي في الشرق الأوسط. الخوف في أروقة الكونغرس (اتفاق نووي مدني يستوجب مصادقة مجلس الشيوخ) هو أن الرياض ستستغل البرنامج النووي في المستقبل لتطوير قدرات نووية عسكرية.
وسيسأل سائل: أين إسرائيل؟ وبالفعل، يخيل أن محور واشنطن زاوية الراض يعمل من فوق رأس “القدس”. وبينما كان الموقف الأمريكي التقليدي (بما في ذلك موقف إدارة ترامب الأولى) ربط التقدم النووي المدني للمملكة بالتطبيع مع إسرائيل، فإن ترامب الآن – من مكان الدافع لإنجازات فورية إلى جانب التشكيك في نية إسرائيل لإنهاء الحرب – يسعى إلى الالتفاف على إسرائيل، بشكل قد يمس بالمصالح الإسرائيلية بعيدة المدى وبجهود التطبيع (هذا رغم ان الزيارة كفيلة بأن تدفع قدماً بالمفاوضات لصفقة المخطوفين مرة أخرى).
ليس هناك مساحة طيبة في مجال العلاقات الخارجية لإسرائيل إلا وأصيبت بشلل استراتيجي عضال تعاني منه حكومة نتنياهو السادسة. وهذا الشلل ينبع من محاكمة جنائية طويلة لرئيس الوزراء واحتياجات البقاء لائتلافه، والمتعلق في أيدي متطرفين ومسيحانيين على حد سواء.
إن انعدام قدرة وأهلية الحكومة للتعاطي مع الطلب السعودي بأفق ما للموضوع الفلسطيني، يشهد على أن إسرائيل باتت في نظر الكثيرين في العالم مصدر تـأخير. في نظرهم، فقدت “القدس” أسس السياسة الفهيمة والمسؤولة والمتوازنة. وحيال أضرار الحكومة في مجال العلاقات الخارجية، وحيال التحديات الإقليمية ثقيلة الوزن التي تقف أمامها إسرائيل في العقد القادم، بات على الجمهور أن يسأل نفسه: هل هذه هي القيادة التي صلى لها؟ ها نحن قادمون.
يديعوت أحرونوت 4/5/2025