في صراع بين الأنسولين والخبز.. الابن لأبيه بعد ساعات من البحث: لم أجد شيئاً

حجم الخط
1

الحامض الكيتوتي السكري هو أحد مضاعفات مرض السكري التي تهدد الحياة، وبعدم وجود الأنسولين ومستوى مرتفع لهرمون التوتر، يؤدي إلى زيادة إنتاج أجسام الكيتون والأحماض. الأنسولين يوشك على النفاد لدى م. وعلى خط الهاتف من بيته المحترق في بيت لاهيا، الذي عاد إليه مؤخراً، قال إنه لم يبق لديه إلا نقطتان منه، وحدد 2 سم، ربما قصد وحدتين للأنسولين. على أي حال، الأنسولين الخاص به على وشك النفاد. حتى وقت قريب كان يمكنه الحصول على الأنسولين من صيدلية الأونروا، ولكن منذ أن أوقفت إسرائيل المساعدات الإنسانية لم يعد هناك أنسولين.
على الفور، يحاول التهدئة: الآن لم يعد بحاجة إلى الأنسولين لعدم وجود الخبز. هو لا يأخذ الأنسولين إلا عندما يأكل الخبز، أما الآن فلا خبز. وجبة الأنسولين الأخيرة التي لديه يحتفظ بها إلى حين يجد له ولعائلته رغيفاً من خبز. أمس، قال ابنه إنه سيخرج للبحث عن فوشار لتهدئة المعدة. تجول الابن بضع ساعات، ولم يجد.
“أنا جائع، بحق جائع”، قال لي أمس. منذ بداية الحرب لم يقل لي هذه الكلمات بهذه الحدة. دائماً كان يحاول تلطيف الأمر والتقليل من وصف صعوباته حتى لا يثير الشفقة، حفاظاً على كرامته. حتى أمس. أمس، اعترف بأنه جائع للخبز، جائع حقًا.
أول أمس، كان يوماً صعباً بشكل خاص؛ لأن الجيش الإسرائيلي قصف شمال القطاع بدون توقف. ركض الأطفال لإخلاء المنطقة، لكن م. سألهم: إلى أين سنذهب؟ جلسوا داخل هيكل البيت تحت القذائف التي تهدر، وأملوا الخير. وقرروا إذا لم تتوقف النار حتى الخامسة بعد الظهر، سيغادرون. لحسن حظهم، توقفت النيران قبل ذلك، وصمتت المدافع. قال م. إنه لا يوجد مخطوفون في بيت لاهيا ولا توجد حماس، ليس سوى أكوام من الأنقاض. فلماذا يواصلون القصف؟
عاد م. إلى أنقاض بيته بعد أشهر مكث فيها في معسكر الخيام في المنطقة الإنسانية في المواصي قرب خان يونس، التي كانت في السابق مستوطنة “نفيه دكاليم”. عمر م. 63 سنة، مريض بالسكري، وأصيب بجلطة دماغية. العودة من هناك إلى البيت المحروق كلفت 1200 شيكل. أربع عائلات تقاسمت المبلغ. محشورون في “تندر” السيارة التجارية فوق الفرشات والبطانيات وكل أغراضهم.
عندما وصلوا إلى ما كان بيتهم، شاهدوا هيكلاً محروقاً، حتى الأبواب لم تعد موجودة. نظفوه ووضعوا الفرشات وأقاموا بيتاً في ذلك الدمار. الآن، يشعرون أنهم سيضطرون إلى الهرب لنجاة بحياتهم، ولا مكان يذهبون إليه. أمس مرت على الحرب 19 شهراً. تقول إسرائيل إنها ستستأنفها بكامل الزخم، أي أنباء سارة هذه وتبعث على الأمل!
المكالمة مع م. تبعث على اليأس إلى درجة الرعب. عدم القدرة على مساعدته بأي شيء، والعجز، يبعثان على الجنون. خلال سنوات، سافرنا معاً في شوارع قطاع غزة، وكان يقودنا، وحافظ علينا من كل سوء. أمس، جلس على مدخل بيته أمام هيكل سيارة المرسيدس التي فيها سبعة مقاعد، والتي سافرنا فيها لسنين، أحياناً بالوقود عندما كان متوفراً، وأحياناً بالزيت المستخدم في بسطات الفلافل حين ينفد الوقود.
سيارة المرسيدس الصفراء سافرت تقريباً 3 ملايين كيلومتر. وهي الآن هيكل محروق. م. يبكي عليها أكثر مما يبكي على بيته. لقد قضى فيها وقتاً أكثر مما قضى في بيته. أحياناً يداعب هيكلها، كما قال لي أمس بحنجرة مختنقة، يفتح صندوق السيارة المحروق ويتذكر، يفتح غطاء المحرك ويرى مكانه المحروق، قبل بضعة أيام على اندلاع الحرب اشترى أربعة إطارات جديدة، ولكنه لم يتمكن من السفر. الآن أصبحت هيكلاً، مثل صاحبها الجائع.
أول أمس، تناول القليل من العدس، أما أمس فلم يأكل شيئاً. إذا نجح وحصل على الطحين أو الخبز سيحقن نفسه بقطرات الأنسولين الأخيرة.
جدعون ليفي
هآرتس 8/5/2025

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية