كنا قد أشرنا في أكثر من مناسبة إلى كتاب المؤرخ البريطاني يوجين روغان الأخير«أحداث دمشق: مذبحة 1860 ونهاية العالم العثماني القديم»، ولعل من المفيد مرة أخرى العودة له، خاصة في ظل الأوضاع التي تعيشها سوريا هذه الأيام. فبعد سقوط نظام الأسد وموت الأبد، تبدو البلاد وهي تعيش أزمة أبدية جديدة، وفق ما يعتقده، قسم كبير من السوريين، وهذه الأزمة تتعلق بالخلافات والصراعات الطائفية، التي أخذت تشهدها في عدة أماكن من الساحل السوري، وحتى بعض الأحياء ذات الخلفية الاجتماعية الدرزية في مدينة دمشق (صحنايا وجرمانا)، إضافة إلى توتر العلاقة بين السلطة الجديدة (ذات الخلفية الإسلامية) أو «السنية»، وفق تعبير البعض أيضاً، وباقي الطوائف والإثنيات (الكردية)، التي لا تخفي مخاوفها من المستقبل، ولذلك نراها تعبر عن ذلك من خلال الدعوة لتكوين نظام أقرب ما يكون للفيدراليات، الأمر الذي لا تقبل به دمشق، وحتى أوساط واسعة من السوريين، وهو ما بات يعقد أحياناً من المشهد، لينفجر هنا وهناك، تحت مشاهد مذابح طائفية، أو صدامات طائفية، بما يوحي وكأن سوريا قد دخلت في عالم أبدي من نوع آخر، يتمثل هذه المرة بالصراع الطائفي داخلها، الذي يبدو أن لا حل قريبا له، أو قد يتفاقم، ويصل إلى لحظة لا رجعة فيها.
الخلاف الطائفي
لا يعد موضوع الخلاف الطائفي في سوريا جديدا، إذ عاشت البلاد ومنذ عدة عقود حساسيات ومشاهد طائفية متعددة، عبرت عن نفسها بأشكال مختلفة، قبل أن تتفاقم خلال سنوات الثورة والحرب، وتعبر عن نفسها أيضا بمذابح قام بها نظام الأسد، أو حلفائه (حزب الله اللبناني الشيعي، وميليشيات شيعية عراقية وإيرانية)، أو من خلال مذابح ارتكبتها بعض الميليشيات الإسلامية السلفية أيضا (داعش، النصرة) وغيرها من الجماعات الإسلامية، ولذلك فإن هناك من يقرأ ما يحدث اليوم بوصفه امتداداً لما جرى في البلاد من ناحية، وباعتباره أيضا يعكس من زاوية أخرى حالة التوتر الطائفي الذي يعيشه المشرق عموماً منذ قرن تقريبا، والذي عاد وعبّر عن نفسه خلال الحرب الأهلية في لبنان (1975ـ 1990)، قبل أن يتفاقم وينفجر بعد عام 2003 في العراق، وما عرفته الأحداث لاحقا من مذابح طائفية بين الشيعة والسنة. ولذلك تبدو هنا الطائفية وكأنها قدر هذا المشرق، وأنه لا سبيل لحلها، إلا بكسر شوكة طرف لصالح طرف آخر، قبل أن يعود الطرف المهزوم لاحقاً للأخذ بثأره. والمشكلة في هذا الرأي أنه بدلاً من النظر في الطائفية بوصفها مشكلة دنيوية، ناجمة في الأساس عن صراع قوى اجتماعية وسياسية على السلطة ومواردها، وعلى الفضاء العام عموما، تعمل على «تأبيد الطائفية» دون محاولة عقلنة هذه المشكلة والبحث عن حلول جدية. وهنا يوفر لنا المشهد التاريخي السوري، فرصة جيدة لإعادة النظر في الأزمة الطائفية السورية وكيفية حلها، وهذا ما جعلنا نشير في البداية لكتاب روغان. كان روغان في كتابه قد لاحظ نقطة أساسية نعتقد من الضروري الوقوف عندها. فخلال تقليبه في أحد الأرشيفات عن المنطقة، عثر بالصدفة على أوراق كتبها أحد أعيان دمشق المسيحيين (ميخائيل مشاقة)، الذي كتب في الطب والموسيقى، وعمل في السياسة أيضا، من خلال تسلمه لمنصب نائب القنصل الأمريكي في دمشق، خلال الستينيات من القرن التاسع عشر. وخلال هذه الفترة، كان مشاقة مكلفاً بحكم طبيعة عمله بتقديم وإعداد تقارير دورية عن الأوضاع في المدينة، للقنصل الأمريكي المقيم في بيروت. ولعل حظه العاثر، جعله يكون شاهداً على مذابح 1860، التي وقعت في دمشق بحق المسيحيين، وأدت إلى مقتل ما يقارب الـ3000 شخص على أقل تقدير. يومها عاش مشاقة ظروفاً مشابهة لما عاشه كل أهالي حي باب توما، الذي جرت في داخله المذبحة، فتعرض للطعن، إلا أن الصدفة ربما حالت دون أن يقتل مع عائلته، مثلما حدث مع مئات العائلات المسيحية الأخرى. ولأن مشاقة آنذاك، كان مسؤولاً دبلوماسياً، ولذلك لم يمر سوى أسبوع على المذبحة، حتى أخذ في كتابة تقارير للقنصل الأمريكي يعلمه بها بما جرى، وما يحدث، بوصفه شاهداً، وأحد ضحايا هذه المذبحة، وأيضاً مراقبا وعارفاً بتفاصيل المدينة والنقاشات الدائرة. ومع هذه التقارير، التي كشف عنها روغان لأول مرة، نكون أمام أقدم شهادة حية عن «الطوشة»، أو مذبحة المسيحيين في دمشق. وكان من الطبيعي في ظل كتابتها بعد أسبوع، أن تعكس موقفاً ناقماً من مشاقة عن المسلمين، وما فعلوه بحق المسيحيين، كما بدا في التقرير محملاً العثمانيين مسؤولية ما جرى، وأنهم السبب الأساسي لاندلاع المذبحة، التي جاءت امتداداً أيضاً للمذابح الطائفية، التي جرت بين الدروز المسلمين والمسيحيين في لبنان، بالإضافة لعوامل أخرى داخلية يطول الحديث عنها، ويمكن العودة لفهمها من خلال مثلاً قراءة كتاب ليندا شيلشر (دمشق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر)، والذي قدمت فيه قراءة دقيقة للأرضية المحلية التي قامت عليها المذبحة.
مسؤولية العثمانيين
لكن المفارقة الغريبة، التي لاحظها روغان هنا، أن مشاقة وبعد عقد تقريباً وأكثر من هذه المذبحة، نشر مذكراته، وتطرق لما جرى يومها، إلا أنه بدا فيها وخلافاً لتقاريره الأولى، التي حمل العثمانيين المسؤولية، أو لمح إلى أن ما جرى لم يكن سوى نتاج حقد وكره للمسلمين تجاه الطوائف الأخرى، بسبب صعود دورها ونفوذها مقارنة بفترة ما قبل 1830، التي لم يكن يسمح فيها للمسيحي، كما تنقل لنا بعض اليوميات والمذكرات ركوب الخيل مثلاً، أو ارتداء بعض أنواع الثياب، بينما تعدل الوضع لاحقاً مع قدوم إبراهيم باشا (1831ـ 1840)، الذي منح فيها للمسيحيين حرية ارتداء ما يرغبون فيه، وقربهم منه، وهو ما مثل مرحلة جديدة في حياة مسيحيي المدينة، التي استمرت لاحقاً مع توليهم لبعض خطوط التجارة مع أوروبا (الحرير بالأخص)، وحصول أعداد كبيرة منهم (التجار) على وثائق حماية من بعض القنصليات الأوروبية، الأمر الذي أثار امتعاض التجار وحتى الساسة الدمشقيين.
واللافت في مذكرات مشاقة أيضاً، أنه لم يتوقف عند تبرئة ساحة العثمانيين مما جرى، بل نراه أيضا عاتباً على المسيحيين، ومحملاً إياهم أحياناً مسؤولية ما جرى، بسبب قربهم من الأوروبيين بشكل مبالغ فيه. ولعل هذه المفارقة بين التقارير التي كتبها مشاقة بعد المذبحة بأيام، ومذكراته التي كتبها لاحقاً، هو ما شكل متن كتاب روغان، اذ ظل الأخير محتاراً بسبب هذا التغير، ولماذا تغير محتوى الكتابة؟ هل لأن مشاقة مثلاً كان قد استرد أمواله المنهوبة ومكانته؟ أم أن هناك سبباً يتعلق بالظروف التي عرفتها المدينة خلال عقد بعد المذبحة؟ ومن خلال الحفر في سجلات المدينة وشكل تنظيمها بعيد المذبحة، والقرارات الإدارية التي صدرت عنها، وصل روغان إلى نقطة تقول، إن موقف مشاقة (المسيحي) الإيجابي من السلطة العثمانية لاحقاً لا يعكس موقفاً شخصيا، بل هو موقف عبّرت عنه أوساط مسيحية دمشقية عديدة، بعد عقد وأكثر من المذبحة. وفي سياق تفسيره لهذا التحول، يربط روغان ما جرى من تغييرات بالسياسات الحضرية والاجتماعية، التي تبناها الحكام المحليون بعيد المذبحة، وأدت برأيه إلى تحطيم كل العالم الدمشقي العثماني القديم. فبعد وقوع (لحظة الإبادة الجماعية)، وفق تعبير روغان، وصل وزير الخارجية فؤاد باشا كممثل خاص للسلطان للتحقيق في ما جرى، خاصة أن إسطنبول دعت إلى ضرورة الإسراع في معاقبة المذنبين، خوفا من احتلال الأوروبيين لسوريا. وعند وصول قوات فؤاد باشا لدمشق، قامت قواته باعتقال 1000 رجل تقريبا، من بينهم وجهاء محليون، وأُمر بإعدام أكثر من خمسين سجينا ممن شاركوا في المذابح، وترك جثثهم معلقة طوال اليوم في شوارع المدينة، كما صدر قرار لاحقاً بقتل 110 جنود محليين في ساحة المدينة.
العلاقات الاجتماعية
بدا فؤاد مصرا على تطبيق سياسات أكثر قسوة وإعادة الحياة للمدينة، لكن الوضع المالي لدمشق آنذاك لم يكن يسمح بتطبيق إجراءات إعادة الإعمار، ولذلك عمل فؤاد على الاتصال بمدحت باشا، حاكم مقاطعة نيش في صربيا الحديثة، التي عانت من توترات طائفية مشابهة. وكانت النتيجة تحويل دمشق إلى مركز لولاية سوريا، ما سمح لها بتحصيل إيرادات وضرائب كبيرة من المناطق الأخرى. وبذلك تمكن الموظفون العثمانيون من تنشيط المجتمع والاقتصاد، وبناء أسواق جديدة وإنشاء مدارس. وكان لهذا التطور السريع تأثير كبير على العلاقات الاجتماعية في المدينة، إذ تحولت خلال عقد تقريباً من مدينة مغلقة، ذات تجارة محدودة، إلى مدينة محورية في محيطها، ومركزا رئيسيا للنشاط الاقتصادي، والأهم من ذلك أن هذا التطور الاقتصادي والحضري، انعكس أيضا على تطور مؤسسات الحكومة، ففي داخل المباني الحكومية الجديدة، أخذ مسيحيون ومسلمون ويهود يتلاقون كل صباح في المكاتب الحكومية في ساحة المرجة، أثناء ذهابهم إلى العمل في المحاكم. وبحلول عقدين ركز الدمشقيون أعينهم بقوة على الحاضر والمستقبل، بدلاً من الماضي، وكانت لديهم الأسباب للأمل في أن يتمتع أطفالهم بمستقبل أفضل. ويمكن القول إن السياسات التي اتبعها حكام تلك الفترة، على مستوى إعادة إعمار المناطق المدمرة، ومعاقبة الجناة، والتركيز على الوضع الخدمي بالمدينة (توسيع الطرقات مثلا)، ودمج باقي الطوائف في مؤسسات الدولة، كلها عوامل ساهمت في تجاوز الدمشقيين لمحنتهم بعد عقد وأكثر، وهذا لا يعني أن الحساسات الطائفية اختفت تماماً، إلا أن المسلمين والمسيحيين واليهود في المدينة، وجدوا في الإجراءات والسياسات الحكومية الجديدة، فرصة جديدة لتشكيل علاقة أفضل من السابق، وهو ما جعلهم يغلّبون فكرة التعايش على فكرة الانقسام الطائفي/ الاجتماعي الأزلي. وربما في هذه الصورة، ما قد يكون مفيداً للسلطات الحالية في سوريا، فخلافاً لنقطة أن السلطة الجديدة في سوريا هي سلطة إسلامية، وهو ما يعني استحالة إقدامها على أي إصلاحات جادة، أو تأسيس فضاء تعايشي، تشعر فيه جمع الطوائف بالمساواة والمشاركة، وهو بالمناسبة موقف، أو رأي يدعمه الكثير من الشواهد اليوم، وأهمها في رأينا عملية سلق الإعلان الدستوري، أو مؤتمر الحوار الوطني، لكن لو حاولنا أن نترك الشك أو الظنون على طرف الآن، ليس لأنها إثم، أو تدعو للفتنة، أو لتغليب (صوت الشيطان)، وفق تعبير مفتي سوريا أسامة الرفاعي، وليته لم يذكر هذه العبارة، وإنما لمحاولة البحث عن حل فعلي بعيد عن الوعي الطائفي، أو لنقل محاولة عقلنة ما يجري، فإنه يمكن القول، إن في مشهد ما بعد 1860 في سوريا ما قد يكون مفيداً لفهم تداعيات ما يجري اليوم، والبحث عن حلول للصراع الذي يبدو طائفيا في سوريا (وهو صراع سياسي كما نعتقد في جوهره)، اذ يبدو أن على الحكومة السورية اليوم أن تقوم بإجراءات عقابية أكثر حزماً، بدءا من موضوع العدالة الانتقالية، الذي قد يساهم في الحد كثيراً من روح «المظلومية السنية»، التي يشعر بها كثير من السوريين بعد سنوات الحرب، كما أن مسار العدالة الانتقالية الفعلي قد يساهم فعلاً في الفصل بين المجرمين من جهة، وتجريم طائفة كاملة (بالأخص العلويين)، إذ لا يمكن أن يبقى هذا الموضوع دون حل، ومقتصرا على زيارة بعض الإعلاميين، أو على لغة التطمينات، وإنما يكون ذلك من خلال قوانين وإجراءات واضحة، وأيضاً من خلال الكشف عن تفاصيل ما جرى أيضاً من مذابح مؤخراً، ومعاقبة المسؤولين عنها.
الملف الاقتصادي
من ناحية أخرى، يبدو أن سياسة العثمانيين بعيد المذبحة، قد تكون مفيدة أيضاً على مستوى ضرورة التركيز على الملفات الاقتصادية، إذ لا يتعلق هذا الملف فقط بتحسين شرعية هذا النظام أو ذاك، وإنما قد يحسن من المزاج العام في البلاد، ويتيح فرصاً لفتح النقاش مرة أخرى حول البلاد. صحيح أن هناك تحديات كثيرة، لكن أيضا من واجب السلطة أن تكون شفافة أكثر في هذا الجانب، وأن تبدي مرونة أوسع في القوانين الاقتصادية، بدلاً من تغليب بعض الجهات على حساب جهات أخرى ، وهو ما قد يتيح الفرصة أيضا لإعادة النظر في المشهد السياسي في البلاد عامة، وبالأخص موضوع خلق الفضاء السياسي البديل، الذي يحتاج إلى وجود قوانين تتعلق بالمجال السياسي وتنظيمه والأحزاب، وهي قوانين يبدو أن السلطة أيضا تحكيها بهدوء لتتلاءم مع الجسم الذي تتخيله، بينما بات من الواجب عليها النظر بجدية أكبر في هذا الجانب، ومراعاة أنها ترث وضعاً صعباً، وأن بعض الأقليات تعيش منذ سنوات وهي معزولة عن دمشق، ما يعني ضرورة أن تكون هناك إجراءات تدريجية للاندماج، وهذا لا يعني عدم تحميل الآخر بعض المسؤولية، لكن السلطة هي المسؤولة في النهاية عن خلق وعي سياسي ومفردات أخرى، وهي إجراءات لا يمكن أن تكون دون وجود فضاء سياسي أوسع، وصحافة وإعلام وحريات ، ومسؤولية بأهمية الاختلاف الديني حتى، بدلاً من ترك الساحة للشيوخ ورجال الدين فقط، ولا شك أن لهم الحق بذلك، ليتحدثوا باسم الجماعات الأهلية في سوريا، وكأن الطائفة هي نهاية التكوين الاجتماعي في سوريا والمشرق العربي عموما.
كاتب سوري