البروفيسور الفلسطيني أسعد غانم: الحرب تكشف عن نهاية مشروع الكفاح المسلح وحل الدولتين قد مات

حاوره: وديع عواودة
حجم الخط
4

يرى المحاضر الفلسطيني في جامعة حيفا المختص بالعلوم السياسية البروفيسور أسعد غانم أن «طوفان الأقصى» كشف عن نهاية مشروع «الكفاح المسلح» وعن محدوديته وعن عجزه لتقديم حل للفلسطينيين، معتبرا في حديث خاص لـ «القدس العربي» أن هذه الحرب المتوحشة على غزة أوضحت بأن الحل العسكري غير متوفر، لا فلسطينيا ولا إسرائيليا، وسوف نعود قريبا للتفكير في حلول مبنية جوهريا على التفاهم والحياة المشتركة، وفيما يلي الحديث الكامل معه.
○ في كتابك الجديد «غزة مدخل إلى الحرب الممتدة» تعتبر الحرب على غزة امتدادا لنظام الاستعمار الاستيطاني الصهيوني الذي تطوّر إلى إبادة. كيف تجد همزة الوصل بين ما كان وبين ما يجري في غزة وفي الضفة الغربية وربما داخل أراضي 48؟
• أهم شيء برأيي في تحليل ما يجري في غزة هو فهمه في سياق الصراع المفتوح بين الحركة الصهيونية كحركة أوروبية، غربية تمددت في سياق الاستعمار عموما، والاستعمار الاستيطاني الإحلالي خصوصا وتطلعها للسيطرة على فلسطين واستبدال أهلها بوافدين. ورغم موقفي بأن اليهود في فلسطين/إسرائيل طوروا وعيهم ليصبحوا تدريجيا حركة قومية لها حق في تقرير المصير، لكن هذا يكون إلى جانب حق الأصليين في تقرير مصيرهم، أي أن فلسطين هي حالة من تزاوج أو تلاقي الجماعة الوافدة مع الجماعة الأصلية والصراع أو/والتوافق إذا أمكن. حماس بدأت الحرب او المعركة الحالية، وبرأيي بشكل منفصل عن الواقع وامكانياتها وشعبها وامكانيات الجهة المقابلة، لكنها قامت بذلك منطلقة من منظورها بشأن ما يسمى «تحرير فلسطين» أي إعادتها إلى أهلها الأصليين، وبشكل حصري. من جهة ثانية الحرب الإسرائيلية الشعواء الإبادية التي تتطلع لتطهير عرقي للأصليين الفلسطينيين هي كذلك استمرار لحرب طويلة قامت بها الصهيونية، ومنذ 1948 أداتها السياسية، إسرائيل، للانقضاض على الفلسطينيين. أي أن المسار هو تاريخي، وعلى الأقل صحيح بالنسبة لقوى أساسية في الطرفين، قوى صعدت لصدارة العمل السياسي في الطرفين، نتيجة لاستمرار المواجهة التاريخية بين الأصليين والمستعمرين الذين يتطلعون لتوسيع سيطرتهم وإبعادهم للأصليين عن وطنهم.
○ كخبير بالحركة الوطنية الفلسطينية وباحث مخضرم في الصراع هل فاجأك هذا التوحّش الإسرائيلي في الحرب على غزة؟ ما الدافع العميق خلف هذا التوّحش؟ هل هي شهية الانتقام على السابع من أكتوبر في الأساس؟
• للأسف لا، الأمور أبعد وأعمق من السابع من أكتوبر، والذي أعطى برأيي الجانب الإسرائيلي الترخيص لمثل هذا التوحش العنيف والمقرون بفكر وممارسة التطهير العرقي، كان واضحا بان هناك تغييرا في إسرائيل، ليس فقط باتجاه تعمق سيطرة اليمين عموما، واليمين الجديد بشكل خاص، بقيادة بنيامين نتنياهو، وليس فقط في تعمق الأبرتهايد والفصل العنصري والتمييز، وقد كتبت عن ذلك قبل عشر سنوات ونيف وصدر لي كتاب ـ مع آخرين- بالإنكليزية عام 2018. كان واضحا في العقدين الأخيرين، وبشكل تدريجي، أن اليمين الفاشي في إسرائيل هو في حالة تمدد وزيادة في القوة والتأثير، وذلك بفضل تغييرات بنيوية عميقة مر بها الإسرائيليون بعد أوسلو. بدا واضحا أن مشروع اليمين الجديد هو السيطرة على إسرائيل وبكل نواحي الحياة والانقلاب على مشروع بن غوريون وجعل إسرائيل أكثر يمينية وأكثر تدينا وأكثر محافظة وأكثر تشددا قوميا، والتأكد من إنهاء فكرة حق تقرير المصير للفلسطينيين، بما في ذلك الانقضاض على وجودهم الإنساني والمادي. ذلك حصل منذ سنوات في القدس وفي الأغوار وفي مسافر يطا وفي النقب، والآن في غزة. كل ذلك حصل لأن إسرائيل تغيرت. وبهذا المعنى كان من الممكن والمنطقي توقع مثل هذا الرد العنيف بشكل غير مسبوق من قبل إسرائيل في غزة، وكان على حماس، أو أي قوة فلسطينية أخرى، التفكير بشكل أكثر حذرا وتوخي عدم إعطاء الذرائع لإسرائيل لهذا المدى من التوحش.. للأسف حماس وقيادتها انكشفت في عمل غير مسؤول أساء للفلسطينيين، وأساء لإمكانيات الحراك الوطني الجاد، وورط الفلسطينيين في أوضاع هي الأسوأ منذ النكبة علم 1948.
○ أي عالم كشفت عنه هذه الحرب ونحن على مسافة سنة وسبعة شهور من انفجارها؟
• العالم الواسع، الكبير والعربي وحتى أجزاء كبيرة من الشعب الفلسطيني، بدأت متعاطفة وهذا كان إشارة واضحة على رفض مرامي وسياسات إسرائيل، مع ايمان بامكانيات إجبارها على إنهاء الحرب المجنونة وتداعياتها وربما الرضوخ لمطلب حق تقرير المصير للفلسطينيين، المظاهرات في الشوارع والجامعات وقرار المحكمة الدولية وقرار المحكمة الجنائية واعترافات دولية بالدولة الفلسطينية وإدانة إسرائيل، كلها مهمة وكانت مهمة كثيرا. لكن استمرار التوحش الإسرائيلي كشف كذلك عن صعود لقوى يمينية مركزية تؤيد إسرائيل وتريدها أن تستمر في حربها المفتوحة على الفلسطينيين، وعلى رأس ذلك طبعا هو صعود ترامب وتأييده المطلق لإسرائيل في حربها وتزويدها بالدعم العسكري والمادي واللوجستي والسياسي لأجل استمرار حربها. كما أن غالبية العالم العربي بدأت تبتعد عن التفاعل مع الفلسطينيين ومعاناتهم، ورغم الدعم المادي من قبل دول خليجية وغيرها، وربما مواقف سياسية هنا وهناك، إلا أن غزة أهلها وربما فلسطين عموما، تركوا لوحدهم في مواجهة إسرائيل وتوحشها. والمؤسف برأيي هو أن جزءا كبيرا من الفلسطينيين خارج غزة لا يقومون بدورهم تجاهها، صحيح انه هناك تضامنا وهناك ألما كبيرا إلا أن مشاريع التضامن الجدية والعملية هي قليلة، وعندما استمعت لتصفيق أعضاء المجلس المركزي قبل شهر لحديث الرئيس الفلسطيني في الاجتماع الأخير ولتفوهاته المؤسفة، بدا واضحا ان هناك شماتة وهناك قيادات مقطوعة عن فهم ما يحصل وتخلف عن دورها في دعم أهل غزة. الوضع بالمحصلة، اليوم يبدو سيئا، ورغم الأمل في حالات التضامن التي كانت أقوى مع بداية الحرب، إلا أن المحصلة تحمل أخبارا غير سارة لشعبنا في غزة ولعموم النضال الفلسطيني. طبعا هنا مهم التنويه أن العمل السياسي الفلسطيني وضعفه هو كذلك يفسر بشكل جزئي على الأقل، هذه الحالة من الابتعاد عن فلسطين وعن معاناتها، وخصوصا في غزة.
○ هذا الحدث الكبير هل بات واضح المعالم اليوم أكثر من البداية؟ من ناحية المرامي الظاهرة والعميقة لدى من خطّط له ومن ناحية مفاعيله بشكل عام في الاتجاهات المختلفة؟
• طبعا، كل يوم يمر تتوضح أكثر مرامي إسرائيل من جهة وضعف الموقف والعمل الفلسطيني من الجهة الأخرى. ما قلناه في بداية المعركة بعد السابع من أكتوبر، بان إسرائيل دخلت غزة لكي لا تخرج، لأن جوهر تطلع قيادتها هو الانقضاض نهائيا على فكرة تقرير المصير للفلسطينيين، وإعادة السيطرة الكاملة على فلسطين التاريخية (من ناحيتهم «أرض إسرائيل») والعمل على اضعاف الوجود الفلسطيني من حيث الديموغرافيا والقوة السياسية والتماسك الاجتماعي، يتضح يوميا أكثر في الأيام الأخيرة. إسرائيل الآن تقوم بترتيبات أمنية وعسكرية على الأرض للبقاء في غزة وضمان حكمها تحت الاحتلال، وربما ضمان وجود إدارة غزية متعاونة معها، على نسق سلطة رام الله في أسوأ الأحوال من ناحيتها. وبالإضافة فإنها تقوم بعمل منهجي في الضفة الغربية ومخيماتها وبتعاون مع سلطة رام الله، لإضعاف الوجود الفلسطيني هناك، وإنهاك الوجود الفلسطيني وخصوصا في المخيمات. نحن في حملة إسرائيلية متناسقة لنسف فكرة حق تقرير المصير نهائيا، وللأسف هي حسمت الأمور في هذا الصدد. من يتابع ما يجري في القدس وفي الأغوار وفي مناطق «ج» يعرف أن الأمور حسمت ومشروع الدولة الفلسطينية أصبح من الماضي. وهذا يتطلب تغييرا جديا من قبل الطرف الفلسطيني، بالنسبة لمشروع التحرر ولماهيته.. التقييم في هذا الصدد قائم، لكنه لم يبلغ درجة النضوج بعد.. القيادة المتنفذة في الطرف الفلسطيني، في الضفة وفي غزة وفي الداخل.. لم تستوعب بعد أن مشروع الدولتين هو من الماضي ومجرد كلام لا يفيد في تحديد المستقبل الفلسطيني.
○ أهم نتائج وتبعات هذا الحدث التاريخي الجلل «طوفان الأقصى والحرب» على الفلسطينيين في مختلف مواقعه وعلى الإسرائيليين من ناحية علاقاتهم الداخلية كل مجموعة على حدة؟
• فلسطينا، وأقولها بشكل مؤسف ومحزن من ناحيتي، لم نتعلم شيئا بعد شهور من التوحش الإسرائيلي وتبعاته، ما زالت قياداتنا في فتح ومنظمة التحرير وحماس وغيرهم من الفصائل لم تستوعب دروس الوضع الإسرائيلي وتبعاته كما هي بادية في غزة والضفة والقدس والداخل.. الفراق والخلاف والنقاش السفسطائي هو سيد الموقف.. نحن في نفس المسار من النقاش البعيد عن آلام الناس ولم نقترب ولا بسنتمتر من تلمس المخرج.. صحيح أن هناك مثقفين ونخبا تتحدث عن إعادة بناء المشروع الوطني وتنظيم الجبهة الوطنية الفلسطينية، إلا أننا في الواقع العملي لم نتقدم بشيء.
إسرائيليا، هناك استمرار الجهود الحربية والاستعداد للاستمرار في الانقضاض على الشعب الفلسطيني عموما وفي غزة بشكل خاص، وكما تعرف منذ بداية الحرب قلت إن آمال تفكك حكومة نتنياهو هي واهية وليست مبنية على أساس علمي يفهم إسرائيل وكيف تغيرت. هذا هو المسار الأساسي في إسرائيل. من ناحية ثانية لا نستطيع القفز جزافا عما يحصل في الشارع الإسرائيلي من حالة مستمرة من الاحتجاج على نتنياهو وسياسة حكومته، وهو بالمناسبة احتجاج بدأ مع تشكل الحكومة الحالية وإعلانها عن مشروع «الانقلاب القضائي». لكن الحرب وإعادة المخطوفين، وربما وقف الحرب، كلها أضيفت لشعارات الاحتجاجات، وهي ظاهرة مهمة وعميقة ومركزية في فهم إسرائيل وعلاقات تيارات ومجموعات داخلها من جهة، كما لعلاقتها بالشعب الفلسطيني ومستقبل الصراع من الجهة الأخرى. تقييمي الآن بان توجه اليمين ومشروع نتنياهو وحكومته هو الأقوى وسوف ينتصر، لكن الأمل موجود بوقف المسار الفاشي الذي تقوده إسرائيل، أي أن إسرائيل كذلك هي في حالة سيولة ومن الممكن في انتخابات قادمة وقف سيطرة اليمين الفاشي، هناك إمكانية ولو ضئيلة، إذا تجندت كل القوى، بمن فيهم الفلسطينيون مواطنو إسرائيل لمواجهة المد الفاشي فيها.
○ كيف ستؤثّر هذه الأحداث على مستقبل الصراع؟ تتحدث في كتابك من جملة ما تعاينه بعين الباحث عن رؤية الدولة الواحدة بالمنظور البعيد. هل فعلا الحرب بكل ما فيها تبقي فكرة الدولة الواحدة ممكنة بالمنظور البعيد علما أن تجارب البلقان وغيرها من المواقع في العالم تدلل على فشل الدولة متعددّة القوميات؟ فما بالك والصراع هنا يتسّم بطابع ديني… هيمنة اليمين الصهيوني المتدين المتشدد والغيبي مقابل هيمنة أو مركزية حماس في الجانب الفلسطيني.
• أهم آثار الحرب هو ما يجري في غزة وأجزاء من الضفة والمعاناة الإنسانية غير المسبوقة من التقتيل والإجلاء والتجويع، ألخ.. لكن مهم الانتباه إلى أنه رغم كل ذلك، ورغم ما جرى ويجري فلسطينيا وإسرائيليا عموما، كما وضحت أعلاه.. فإن هذه الحرب وويلاتها كشفت مرة أخرى بأن الحرب المفتوحة والتقتيل والاستهداف لن يحل المشكلة ولا الصراع في فلسطين. دعنا نتخيل أن إسرائيل نجحت في إجلاء مليون فلسطيني وتهجيرهم من غزة، هل هذا ينهي المشكلة؟ هل نستطيع كفلسطينيين أن ننهي المشكلة عسكريا؟ هجوم حماس كشف عن نهاية مشروع «الكفاح المسلح» وعن محدوديته وعن عجزه لتقديم حل للفلسطينيين. هذه الحرب وضحت بأن الحل العسكري غير متوفر، لا فلسطينيا ولا إسرائيليا، وسوف نعود قريبا للتفكير في حلول مبنية جوهريا على التفاهم والحياة المشتركة. بما أنني أدعي بأن مشروع الدولتين وراءنا، فلم يبق لنا كحل سلمي وكحل استراتيجي سوى حل الدولة الواحدة، ثنائية القومية، وهذا ربما لن يكون قريبا، لكنه الحل الوحيد الممكن كبديل عن تطلعات ومحاولات الإفناء المتبادل والذي تمثل في فكر وهجوم حماس من جهة وحرب إسرائيل وحكومتها ضد غزة، من الجهة الأخرى.. البديل لهذه التوجهات المتطرفة والتي تقول بأن فلسطين/أرض إسرائيل، أما لنا أو لهم.. هو توجه يقول ببساطة هذه البلاد لنا ولهم، لشعبنا ولشعبهم، لا أرى أي بديل منطقي يتطلع لحياة كريمة ومتساوية، في ذلك.. ولهذا أدعو حتى في ظل الوضع القاتم الآن وفي ظل التسليم بانعدام الجدوى والأمل.. وأقول هذا لنا ولشعبنا ولهم، للطرف الإسرائيلي كذلك.
○ كيف تقيّم تكافل المجموعات الفلسطينية في الوطن (الضفة والداخل) وفي الشتات مع الغزيين؟ مقارنة مع حروب وأزمات سابقة؟
• أداؤنا كفلسطينيين، أعني خارج غزة، هو دون المطلوب إجمالا.. صحيح هناك احتجاج لكنه ضعيف اجمالا، عدا طبعا عمليات الاحتجاج المستمرة في بعض بلدان الشتات. إذا أخذنا دور فلسطينيي الـ48 فهو بالتأكيد دون المطلوب، وأعني في سياق القانون الإسرائيلي. كانت وما زالت عمليات مساندة ودعم إنساني، ويقودها بعض الأصدقاء، إلا أن المؤسسات السياسية والشعبية المنظمة لم تقم بدورها كما يجب ـ حتى الآن. وهذا صحيح عموما في القدس والضفة وفي العمل الشعبي، كالعمل السياسي الدبلوماسي الفلسطيني عموما.. نحن نبتعد أكثر عن بعض.. مفككين أكثر وأقل حيوية وعملا شعبيا، في القضايا العامة، كما في القضايا الخاصة لكل مجموعة فلسطينية.. الأمور توضحت أكثر في أشهر الحرب على غزة. مهم جدا أن نحاول إعادة التفكير والاعتبار لقدرتنا أو لتنظيم قوتنا الجماعية. بغير ذلك نكون قد انتهينا كجماعة وطنية. ويجب رص كل الصفوف في التفكير والعمل لأجل إعادة الاعتبار لتضامننا كفلسطينيين عموما، ولكل مجموعة بشكل منفصل: الـ48، القدس، غزة، الضفة، اللجوء والشتات.
○ في نظرة تاريخية للخلف وبعين النسر فإن الحرب على غزة في 2023 تبدو حلقة في مسلسل إطفاء الصهيونية لشعلة التحرر الفلسطينية بالتقسيط…وفيها تؤكل الثيران الفلسطينية تباعا، فقد استفردت إسرائيل بهم كجماعات ما مكنّها من سيطرتها وتحقيق أهدافها. ما رأيك؟
○ طبعا، هذا واضح جدا، وربما أبعد من الفلسطينيين فقط، ففي العالم العربي كذلك من مشاريع التفكيك في سوريا ولبنان والعراق وغيرها ـ وهي كلها مدعومة إسرائيليا. إسرائيل نجحت في تشتيتنا. كانت تجارب تاريخية لدينا لتجاوز ذلك، وأعني في ظل الصعود الوطني لدى عموم الفلسطينيين بعد 1967، وبرأيي حتى أوسلو أو قبلها قليلا.. بعد ذلك استعادة إسرائيل (بتأثير عوامل مساعدة لتطورات دولية وتقنية واضعاف من طرفنا للهوية الجمعية) قدرتها على تفكيكنا. طبعا لسنا عاملا ساكنا في هذا المنحى، بل لدينا عوامل داخلية سهلت على إسرائيل تفتيتنا واضعافنا، إدارة القيادة الفلسطينية، وتركيبة اجتماعية وعوامل اقتصادية وعوامل متعلقة بتشتت الوجود الفلسطيني، كلها ساهمت في ذلك. لكن هذا لا يعني أننا لا نستطيع مقاومة ذلك، فلسطينيا عموما، ولدى كل مجموعة بشكل منفصل.. نستطيع ولدينا الكثير من نقاط القوة.. إرادة تنظيمنا ذاتيا ما زالت قاصرة ومهم إعادة الاعتبار لفكرة تنظيم ـ وتفعيل الصمود الفلسطيني إيجابيا من خلال التنظيم المجتمعي والسياسي والتواصل مع من يؤيد الفلسطينيين عموما في العالم، كما إعادة الاعتبار لمؤسسات تنظم الفلسطينيين ذاتيا، ما زلنا نستطيع ذلك ومهم الالتفات إلى ذلك جديا.. وأهم شيء، فعلا أهم شيء، هو تعضيد الصمود الفلسطيني كمشروع فلسطيني جامع يبقينا في وطننا رغم التحديات وبالرغم من السياسات الإسرائيلية.
○ وما السبيل للعودة لطريق توصل لاستعادة الحقوق الفلسطينية؟
• هذا هو السؤال الجوهري الذي يجب أن نفكر به كفلسطينيين، ومن يؤيدنا. إحداثيات الحرب على غزة، وقبلها التطورات الإسرائيلية، داخليا وتجاه الفلسطينيين والتطورات الفلسطينية، على المستوى الوطني العام عموما وعلى مستوى الضفة والقطاع تحديدا، تشير إلى مأزق جدي يلف العمل الوطني الفلسطيني. فعموما، لا الكفاح المسلح أتى بنتيجة ولا مسار السلام والمفاوضات. التحديات كبيرة وخصوصا من الطرف الإسرائيلي الذي يزداد تطرفا. وبدون اهمال الجانب الفلسطيني الذي يعاني من معيقات داخلية خاصة به، ومع تعمق مشاريع الدول الوطنية في العالم العربي، وتطورات على مستوى المنطقة وانغماس العالم في قضايا كبرى على المستوى الدولي من قضايا الطاقة والتغييرات المناخية والحروب الإقليمية في أوروبا، وازدياد قوة اليمين في العالم وخصوصا في الولايات المتحدة، والذي يبشر بالانسحاب من التفاعل الجدي مع قضايا ومسائل خارج أوطانها، كل ذلك يوصل إلى نتيجة مفادها أن الانفراج في المسار الإسرائيلي-الفلسطيني هو بعيد. ويترك هذا الوضع الفلسطينيين معلقين وبغير وضع مستقر، ويجبرهم على تطوير استراتيجيات تحافظ على وجودهم وتعزز صمودهم، على الأقل من أجل التشبث بوطنهم وإبقاء الأمل قائما بتسويات مستقبلية قد تؤدي إلى حصولهم على ما اصطلح عليه «بالتحرر الوطني». فماذا على الفلسطينيين فعله في هذه المرحلة؟
كل ما سأقوله أدناه لا يعني التخلي عن المسار السياسي وحشد دعم عربي ودولي لفكرة الدولة أو التحرر الفلسطيني، إلا أنها دعوة للتفكير في عمل سياسي مجد يفيد الفلسطينيين في مستقبلهم، في ظل انكماش امكانيات التحرر في هذه المرحلة. ما نعنيه هو ضرورة التطور الفلسطيني في اتجاه تطوير أو تقوية فكرة الصمود الفلسطيني وتثبيت الوجود في وجه سياسات الاقتلاع الإسرائيلية.
بدائل العمل الوطني للقوى المركزية تمحورت حول النضال السياسي والمفاوضات و/أو الكفاح العسكري، إلا أنها كذلك اعتمدت كثيرا على «طريق ثالث» معني بتعضيد الصمود والقيام بعمليات تنموية بشرية ومادية. أهم التجارب الفلسطينية في التنمية والصمود، هي برأينا التجربة التنموية المهيبة في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد احتلال 1967، واستمرت لعقدين، وهي التفسير الأساسي للانتفاضة الأولى واستمرارها لخمس سنوات حتى أوسلو، وكما تجربة الفلسطينيين في إسرائيل بعد النكبة وعلى مدار سنوات طويلة تصل عمليا حتى يومنا، إلا أن ذروتها كانت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
ليس للصمود تعريف ثابت، بل رزمة كبيرة ومتواصلة من الأفعال التي تثبت الإنسان الفلسطيني وتزيد من فاعليته في المجالات المتاحة وتعني قيم وتجليات إنسانية تنطلق من ضرورة الاعتماد على الذات وتعميق التشبث والأمل بالمستقبل. وأعني مثلا: تنظيم الناس في بلداتها وحاراتها، نشر ثقافة التضامن والعمل الأهلي المبني على التكافل، تفعيل أدوات نضالية غير عنيفة، بناء البيوت والأحياء، تحسين إدارتنا لما هو في سيطرتنا مثل المجالس المحلية ولجان الأحياء، تعميق التزامنا بالتعليم والإنجازات العلمية، بناء مبادرات اجتماعية واقتصادية تعمق من قدرة المجتمع على التنمية والحياة الكريمة.
ما أعنيه هو ما يلي:
أولا، الصمود يتشكل من عدة أشاكل تتموضع على خط متواصل يبدأ في مجرد وجود الإنسان الفلسطيني على أرضه ويمتد ليصل إلى أشكال المقاومة الشعبية، التي تستثني الكفاح المسلح من جهة ولا تصل إلى محادثات سلمية ومفاوضات كطريق حياة مركزي. ثانيا، الوجود الفلسطيني هو أساس فعل الصمود على الأرض، إلا أنه من الأهمية الانطلاق من الوجود كفعل ساكن إلى فعل شعبي واجتماعي فاعل، يبقي الناس إلا أنه ينظمهم ويفعلهم في مقاومة أهداف الاحتلال أو الدولة التي تسيطر عليهم. ثالثا، الصمود الإيجابي أو الفاعل هو فعل وطني منظم وطنيا، لكنه يتناسب مع الحيثيات التي يعيشها الفلسطيني في أماكن مختلفة. فقد يكون مجرد التمسك بالوجود ملائما في منطقة معينة والقيام بفعل العصيان المدني الشامل أو الجزئي في مناطق أخرى، وقد يكون فعلا محليا أو قطريا ووطنيا أو حتى دوليا. رابعا، الصمود لا يمارس لذاته، بل كاستراتيجية عمل لتحقيق المطالب أو الأهداف الوطنية، ولأجل ذلك هو فعل يتكامل مع مشروع وطني أشمل يتطلع إلى التحرر أو الاستقلال أو إقامة دولة ديمقراطية لعموم المواطنين. وهذا ما يستدعي شروحات أو توضيحا حتى يفهم من يقوم بفعل الصمود بأن ما يقوم به هو جزء من استراتيجية وطنية وليس فعلا شخصيا ولا عملا مقطوعا عما حوله على المستوى الوطني العام.
○ كيف تقيم دور المعارضة والمعسكر الليبرالي في إسرائيل بما في ذلك الجامعات ونخب المثقفّين حيال المقتلة وحرب الانتقام المسعورة في غزة؟
• لليسار الإسرائيلي أجندته، وهي بالتأكيد ليست أجندتنا، بما في ذلك للفلسطينيين من مواطني إسرائيل. أجندته هي عموما مبنية على مقاومة اليمين ومشروع بنيامين نتنياهو وحلفائه لتغيير إسرائيل، بما يشمل القضاء على فكرة تقاسم فلسطين التاريخية وإقامة دولة فلسطينية. اليسار الإسرائيلي يقوم بذلك لأنه يرى بذلك جوهر مشروعه للحفاظ على إسرائيل. لا أريد هنا أن أدخل في حيثيات اضطهاد اليسار الإسرائيلي لنا تاريخيا والنكبة وحيثياتها ومشاريع التمييز والاحتلال والفوقية وكلها مشاريع قادها ما يسمى اليسار الإسرائيلي، لكننا اليوم أمام مشروع الفاشية والتطهير العرقي.. أمام مشروع تجاوز التمييز والاحتلال والتفوق العرقي والأبرتهايد، أنه مشروع الإقصاء التام.. بذلك فإنني أتمنى، ومستعد أن أفكر، في كيفية المساهمة مع أجزاء من اليسار الإسرائيلي لوقف توحش إسرائيل بقيادة نتنياهو وشلته.. مستعد أن اتنازل أيديولوجيا لوقف النزيف في غزة والهدم والإجلاء في الضفة والقدس والنقب، بالإضافة لغزة.. ما أعنيه أننا يجب أن نفكر في وقف المد الفاشي الحالي وبعد ذلك سوف، أو يجب ان نفكر مليا في كيفية إعادة أجندتنا الوطنية الجماعية إلى الصدارة.. وهذا ممكن. لن تحل القضايا سريعا، لكننا نستطيع الإشارة إلى الأهداف، وان كانت بعيدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية