الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان: اختبار أول لمزاج الناس وقدراتها على خلق تحولات في المستقبل

رلى موفّق
حجم الخط
0

التزم العهد الجديد في لبنان بتنفيذ الاستحقاقات الانتخابية في مواعيدها، فشكَّلت الانتخابات البلدية والاختيارية امتحاناً أول للحكم الذي دخل شهره الخامس. انطلقت العملية الانتخابية المقرَّر إجراؤها على مدى أربعة أسابيع في 4 أيار/مايو الحالي من جبل لبنان، وسجَّلت السلطة الإجرائية في المرحلة الأولى، أداءً جيداً من حيث الجهوزية وحماية أمن اليوم الانتخابي الأول، لكن التقييم النهائي لن يكون قبل انتهاء العملية برمتها، التي ما زالت مستمرة، حيث إن 11 أيار/مايو هو يوم الانتخابات في قرى وبلدات أقضية الشمال، وتليها انتخابات بيروت والبقاع وبعلبك – الهرمل في 18 من الشهر الحالي، ليكون مسك الختام في الجنوب والنبطية في 24 من الشهر الحالي.
مجرد حصول الانتخابات البلدية والاختيارية بعد تمديد وراء تمديد لسنوات ثلاث، وفراغ رئاسي لسنتين ونصف السنة، وتحلّل مؤسسات الدولة شبه الكامل، وتداعيات الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» هو إشارة إلى أن قطار إعادة تأسيس الدولة ومؤسساتها قد بدأ.
في الأساس، يغلب البُعد العائلي على الانتخابات البلدية والاختيارية، ولكن لا يغيب الطابع السياسي عنها، وأظهرت مؤشرات عدة في انتخابات جبل لبنان إلى حيوية مجتمعية، وأن الناس بدأت تتحرَّر وتتفلّت من سطوة الأحزاب السياسية وترسم خياراتها البلدية على الأقل. لا يعني ذلك أننا أمام مشاهد انقلابية، بل أمام تزايد حالة التوق إلى التغيير في الأنماط التي كانت تسود في تلك البلدات والقرى لسنوات ماضية طويلة. ولعل العنصر الشبابي كان له تأثير أكثر من ذي قبل. من الباكر الخروج بخلاصات، قبل انتهاء الاستحقاق في مختلف المحافظات، والتي على ضوئها يمكن الحديث عن حجم التحولات التي تعتري مزاج الرأي العام اللبناني وحريته وقدرته على إحداث فارق كبير للمستقبل. ولا شك أن المحطة الأبرز هي انتخابات البقاع والجنوب.
في رأي الباحث والناشط السياسي يوسف مرتضى أنه رغم كل محاولات تسييس الانتخابات البلدية بين الأفرقاء السياسيين بمختلف مناطق جبل لبنان، إلا أنه حصلت خروقات عند الجميع، ومعظمها متبادلة بين القوى السياسية، وكان المجتمع المدني بارزاً بقوة تحت عنوان «العائلات»، سواء في الجبل الشمالي أو الجنوبي ما يُعطي مؤشراً إلى أن الناس بدأت تنكفئ عن سطوة قوى الأمر الواقع، إذا صح التعبير. فرغم أن الاستحقاق بلدي، ولكن هناك مفهوما جديدا للتعاطي. وصحيح أن القوى السياسية حاولت توظيف الانتخابات البلدية كإشارة إلى الانتخابات النيابية المقبلة، لكن كان هناك بروز قوي لتيار مدني بغض النظر عن أهوائه السياسية، واستطاع هذا التيار اختراق الأحزاب، والتفلّت من سطوتها التي كانت قائمة على هذا الاستحقاق في الانتخابات السابقة.
المؤشِّر الذي ظهر في انتخابات جبل لبنان، والذي يظهر في المحافظات الأخرى، يدل على أن حجم التأثير للخروج بلوائح توافقية تُغني عن الذهاب إلى انتخابات، أضحى أقل بكثير مما كان معتاداً أن يحصل في السابق. كان التوافق، في العموم، يحصل نتيجة لسطوة الأحزاب في مناطقها وتأثيرها المباشر على العائلات. كان واضحاً أن قرار عدم التدخل المباشر للأحزاب بشكل فاقع وإعطائها قدراً أوسع من الحرية في العملية الانتخابية، ليس مرده فقط إلى أن طبيعة هذه الانتخابات محلية وبلدية وعائلية، بقدر إدراكها أن المزاج العام لشارعها يتغيَّر نظراً إلى عوامل عدة، ومنها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمالية وتراجع مستويات التنمية، فضلاً عن الضيق الممتلئ في صدور الناس من كل ما يجري حولهم.

الجنوب والبقاع وتأثير الحرب

على أن ثقل الاستحقاق الانتخابي البلدي والاختياري سيكون، دون شك، في الجنوب والبقاع وتحديداً على مستوى المناطق الشيعية، حيث إن البيئة الشيعية تعرَّضت، بفعل الحرب، إلى خسارات كبرى على مختلف المستويات. ففي الجنوب، تحوَّلت بلدات وقرى الحافة الأمامية المتاخمة للحدود مع إسرائيل إلى دمار كليّ أو جزئيّ غير قابل للحياة. وتحتاج إعادة إعمار تلك القرى، وهي ما بين 45 و60 بلدة، إلى عشرات السنوات في حال توفرت الأموال، والتي يتطلب توفرها شروطاً عدة وفي مقدمها تسليم سلاح «حزب الله»، فكيف تبدو الصورة هناك؟
يقول الأستاذ الجامعي والناشط السياسي والحقوقي علي مراد إن ما شهده الجنوب، خلال هذه الحرب، لا يُشبه أي دمار شهده من قبل، فهناك عشرات الآلاف من المنازل والوحدات السكنية والمحلات التجارية المدمرة، والأهم أن هناك تدميراً للنسيج الاجتماعي، بمعنى أن الناس خسرت مساحة التلاقي المجتمعي، حيث كانت البيوت عبارة عن محطات لالتقاء السكان من المغتربين والمقيمين خارج بيروت، ولن يكون عند أولادهم وأحفادهم مجال أن يلتقوا مع بعضهم بعضاً لسنوات طويلة.
ويرى انه إزاء هذا الواقع، الذي هو نتيجة الخسارة العسكرية والميدانية التي مُني بها «حزب الله»، واستطراداً لبنان، والواقع الدبلوماسي والدولي الذي ليس في صالحنا، وفي ظل الاستراتيجية التي تعتمدها إسرائيل اليوم، وهي استراتيجية الأرض الشبه الفارغة وضرب إمكانية الحياة، يجب أن يكون العنوان السياسي في الجنوب هو «ضمانة العودة»، وحين تكون الأولوية للعودة، فعلى «حزب الله» وحركة «أمل» أن يتكيّفا مع هذه الأولوية، وأن لا يحاولا أن يُخضعا مصلحة الجنوبيين للزواريب الداخلية، ولحسابات التفاوض الإيراني، لأن ما نعيشه اليوم هو نتيجة دخول «حزب الله» الحرب والدمار الذي أحدثته إسرائيل.
ويضيف: السؤال هنا هو: لماذا الإصرار على السيطرة على البلديات والاحتفاظ تحت حجة التوافق؟ هناك مَن يحاول منع النقاش السياسي الحقيقي حول تحديات العودة خارج منطق نقد الدولة، ومحاولة تحمليها المسؤولية والتسليم الاشتراطي لـ«حزب الله» وكأن لديه خيارات أخرى، فهو لم يُسلِّم القرار والسلطة والسيادة للدولة إلا نتيجة للحرب.
يرد مراد الإصرار على الإمساك والسيطرة إلى العقل الإلغائي، بالمعنييْن السياسي والزبائني منذ تحالف «حزب الله» وحركة «أمل»، واتخاذهما قراراً بالهيمنة وإلغاء الحياة السياسية تدريجياً في الجنوب والبقاع والضاحية، وبالتالي انعدمت التعددية، في حين كانت التعددية سمة تاريخية للسياسة في الجنوب منذ تأسيس لبنان، وما قبله. وبالتالي، الهيمنة الأحادية على الجنوب هي الاستثناء وليست القاعدة. فما نعيشه اليوم من الهيمنة والتفرد والتحكّم بالقرار السياسي الجنوبي بات عبئاً على الجنوبيين وعلى لبنان. العقل الذي يتحكم بـ»حزب الله» وحركة «أمل» يرى في الانتخابات البلدية فرصة لتثبيت الولاء السياسي، وهو بنظام أكثري قادر على القيام بذلك، وبالتالي ليس همّه تجنيب المنطقة المعركة نظراً إلى وضعها الكارثي، كما يظن أصحاب النوايا الطيبة من بعض القوى والأفرقاء، بل هدفه محاولة منع النقاش السياسي حول المسؤوليات مما جرى ولما سيأتي.

لوائح تزكية تحمل روحية الإلغاء

يُعبِّر ابن بلدة عيترون المدمرة بالكامل عن قناعته بأن ثنائي «حزب الله» و«حركة أمل» يريد التزكية في البلديات من أجل الهيمنة مجدداً. فالبلدية هي رئيس ونصاب، وحين يكون هاجس «الثنائي» الرئيس والنصاب وتوزيع المقاعد الأخرى كنوع من التلوين، لا يكون ذلك توافقاً. ويسأل في هذا الإطار: هل ترؤس «حزب الله» لبلديات الجنوب سيساهم في عملية إعادة الإعمار وتأمين الأموال؟ مَن يُفكِّر بمصلحة الناس وليس بمصلحته، عليه أن يذهب إلى خيار توافقي حقيقي، وأن يُدرك أنَّ ترؤسه للبلديات قد لا يخدم العودة وإعادة الإعمار.
يوافق ابن البقاع يوسف مرتضى على أن هناك محاولة حثيثة من «الثنائي الشيعي»، ولا سيما في البقاع، للتوصل إلى بلديات بالتزكية نظراً إلى قلق وخوف لدى «الثنائي» من أن تكون المشاركة منخفضة، ومن أن تكون الانتخابات عملية استفتاء على موقف «حزب الله» ودوره وعلى نتائج الحرب. ولكن واقع الحال يشي بأن هناك لوائح منافسة جدية في وجه «الثنائي» بمختلف المدن والبلدات بالبقاع الشمالي – محافظة بعلبك الهرمل، حيث هناك تنافس كبير، ما دفع بـ”حزب الله»، على سبيل المثال في بريتال، وهي البلدة الثانية بعد بعلبك من حيث عدد السكان، لأن يأتي بالحاج عباس زكي كرئيس للبلدية، وهو محسوب على خصم «الحزب» اللدود الشيخ صبحي الطفيلي جراء الخشية من خوض المعركة وخسارتها، وأن يقبل بشروطه، بحيث اكتفى كل من «الحزب» و«الحركة» بمقعدين، وحظي الفريق الآخر برئاسة البلدية و14 عضواً من أصل 18.
خيار الناس والمجتمع المدني بالذهاب إلى التنافس الانتخابي المبني على خيارات سياسية وإنمائية مختلفة دفعت إلى تشكيل لائحة «بعلبك مدينتي» الآتية من الكفاءات والعائلات البعلبكية المتجذرة في بعلبك ومن خارج صندوق السطوة المتحكمة بالمنطقة. وهي لائحة تُواجه حملة تخوين بطعن الشهداء لمجرد التجرؤ على الترشّح في وجه «الثنائي»، وتواجه محاولات تهديد مبطنة وعلنية. يقول مرتضى إن الحراك المجتمعي والمدني نجح في التغلب على محاولات خلق لائحة ثالثة هدفها تشتيت الأصوات.
ومؤشر الاتجاه إلى خوض معارك انتخابية وتوق الناس إلى التعبير عن رأيها ظاهر بقوة في الهرمل أيضاً وهي معقل لـ«الحزب»، حيث إن عدد أعضاء البلديات فيها هو 114 وهناك 220 مرشحاً، وجرى تشكيل لوائح مضادة في غالبية البلدات. حتى في الضاحية الجنوبية في جبل لبنان، لم تنجح محاولات التوافق على بلدية برج البراجنة إلا في اللحظة الأخيرة بعد الكم الهائل من الضغوط لسحب المرشحين، ففازت بالتزكية، لكن «الثنائي» فشل في التوصل إلى تزكية بلدية الغبيري، وجرت الانتخابات فيها. ورغم نجاح لائحة «الثنائي» فإن عدم نجاحه في سحب المرشحين يكمن في ضعف سطوته، وإلى قدرة الناس على التحرُّر منها، وهو يؤشّر لما يمكن أن يكون عليه المزاج العام مستقبلاً في الانتخابات النيابية، برأي مرتضى.

بدايات عودة هيبة الدولة

والسؤال الذي لا بد من طرحه يكمن في مدى قدرة أجهزة الدولة على ضمان حرية الاقتراع في قرى الجنوب والبقاع، وهو أمر لم يكن يحدث سابقًا، حيث كانت هيمنة «حزب الله» على مناطق نفوذه شبه مطلقة، وكان وجود الدولة شكليًا، يُقارب مقولة: «شاهد ما شافش حاجة».
ليس من السهل تأمين مناخ كامل من الحرية، لكن تعامل الأجهزة الأمنية مع حادثة الاعتداء على منزل الناشط السياسي هادي مراد المناهض لـ«حزب الله» في بريتال، يوحي بأن زمن الماضي بدأ يتغير، إذ سارعت تلك الأجهزة إلى تنفيذ مداهمات لتوقيف الفاعلين. وقد بدأت حالة من الأمل تتكون لدى شرائح واسعة من أهالي البقاع بأن الدولة قد تعيد الاهتمام بالمنطقة وتُرجعها إلى كنف الشرعية، وتستعيد هيبتها. وقد قوبلت زيارة رئيس الحكومة إلى البقاع الشمالي والمعابر غير الشرعية بترحيب لافت من أهالي الهرمل.
بالنسبة إلى الناشط السياسي علي مراد، فإن المسألة الأهم لا تكمن في فوز المرشحين المعارضين لـ«الثنائي» الشيعي، بل في ترشّحهم أصلاً. فـ»الانتخابات البلدية هي فرصة للناس كي يطرحوا الأسئلة ويتحدثوا ويناقشوا خياراتهم، ولكي يبنوا قناعاتهم السياسية بناء على المصلحة»، كما يقول. ويضيف: «أنا اليوم كمعارض من الجنوب لحزب الله وحركة أمل، لا أسعى لأن أكون بديلاً عنهما، بل أريد أن تُفتح مساحة للتنوع وإعادة تفعيل المسار التعددي السياسي في الجنوب والبقاع والضاحية، كما هو الحال في بقية المناطق اللبنانية، حيث يستطيع الناس أن يختاروا ويختلفوا بعيدًا من اختزال الفضاء السياسي».
قد يرى كثير من السياسيين والمراقبين أن الحيوية التي شهدتها العملية الديمقراطية بعد جمود طويل، وانهيار مؤسسات الدولة، مؤشّر إيجابي على انطلاق عهد جديد في لبنان. إلا أن ذلك، في واقع الأمر، لا يرقى إلى أن يكون جسر عبور بلبنان واللبنانيين إلى مصاف الدول الديمقراطية، ولا يشكل مؤشرات جدية على إمكانية تحقيق التغيير. فالتحديات لا تزال كبيرة، في ظل التحولات الإقليمية الكبرى، والعجز عن تنفيذ القرار الدولي 1701، وما يتطلبه من إنهاء السلاح غير الشرعي، وفي ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لتلال لبنانية، وفي غياب توافق داخلي على رؤية سياسية موحدة للتعاطي مع التبدلات الحاصلة من حوله ودوره المستقبلي والعودة الى التمسك بالدستور من حيث ما أنجزه من نهائية الكيان وعروبة لبنان وعيشه المشترك.
الانتخابات البلدية والاختيارية خطوة لكنها الأولى في مسار الألف ميل، وهو مسار محفوف بالتعثرات والاخفاقات أكثر مما هو مفتوح على نجاحات أكيدة..

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية