سبق للشاعر والصحافي الفلسطيني الشاب مهند ذويب، ابن قرية زعترة في ضواحي مدينة بيت لحم، أن أصدر مجموعتين شعريتين: «همسات على هامش الوطن»، 2015؛ والثانية بعنوان «ولا أريكُم ما أرى»، 2018. وهو يقيم في المغرب ويعدّ أطروحة دكتوراه حول السياسات الثقافية وإدارة الفنون، وسبق أن نال الماجستير في الأدب والنقد من جامعة مولاي إسماعيل.
مجموعته الثالثة هذه، «نهايات محتملة للركض»، تضمّ ما يلوح أنه نصّ شعري واحد طويل، موزّع على 48 قصيدة تكتفي عناوينها بالترقيم، وتتنوّع من حيث خيارات الشكل بين غالبية عظمى من قصيدة النثر، وبعض قصائد التفعيلة، وبعض أقلّ من قصيدة الكتلة. وأمّا الموضوعات فلا يغيب عنها تلمّس وجود يبدو اعتيادياً في الظاهر، بدلالة مناخاته الفلسطينية والمغربية، وحضور أماكن مثل عكا والقدس وسور مولاي إسماعيل وطنجة وجبال الأطلسي وبيروت… لكنها، في خلفية أبعد من البوح، وأخرى أعمق تخصّ توترات حياة يومية مشبعة بالتفاصيل والهواجس، ميدان ائتلاف ضمائر شتى تتكلم أو تخاطب أو تغيب أو تُغيّب، وميدان ارتطامها أيضاً وتصارعها.
وفي تقديم مجموعته يكتب ذويب: «في الطريق تفكر طبعاً بالشعر، حين يخفت فيه وهج القضايا، ويصبح معملاً تجريبياً للجمال، وعدسة ترى الأشياء من زواياها المخفية والصغيرة والهامشية وغير المنتبه إليها والهشة والضعيفة، وتدرك أنّ الشعر لم يتخلّ عن صوته أبداً، إنما كسر وكسّر رتابة الأصوات وصراخيتها، وتحلل من المشافهة، وتدرك أنه أصيب كثيراً في يقينه، بعد أن انهارت أمامه كلّ القضايا الكبرى».
هنا القصيدة رقم (8):
«ما زلتُ فلسطينياً، أعرف أنّ الجند وراء الباب
وأعرف أنّ طريق الحارة محفوف بالخوذات
وبالأبراج.. وبالمتبقي من «فشك» الثوار
وأنّ قرار الحرب خصوصي جداً.. أصبح لا يظهر
في صحف الصبح ولا تنشره الأخبار.
ما زلتُ فلسطينياً.
أفهم أنّ المرحلة اختلفت
وأنّ التاريخ على العتبات تمزّقه أجيال لم تعرف
كيف يكون مزيج الغاز مع الدّمْ.. قدّام جدار الفصل
وكيف يكون الوقت بحاجز وادِ النار،
وكيف الجند المحتلون يخافون النظرة والصوت
ومئذنة المسجدٍ وساحة باب الدير.. وباب الأسباط
ما زلتُ فلسطينياً. لم أعرف كيف يكون الوطن براغماتياً
وكيف تُباع الأحجار.. الأجساد.. الأصوات..
وكيف يُباع الشهداء على مسطبة الليل..
وكيف اللعبة حتى آخرها تتعرى..
ما زلتُ فلسطينياً. أعرف أن طريق القدس تمرّ من القدس
وأرفض تبريرات السلم،
ومهزلة الإعلام العربي،
وتأخير صلاة العصر،
واستسقاء المجتمع الدولي..
ما زلتُ فلسطينياً. هذا ما كتب شهيد كان بحيفا أوّل أمس».
أكورا للنشر والتوزيع، طنجة 2022