جاءت مراجعة صندوق النقد الدولي لتوقعات النمو في العالم بنتائج إيجابية تماما للمنطقة العربية، وذلك على الرغم من كل المتغيرات السلبية المحيطة. وبصرف النظر عن التقديرات السابقة للصندوق، فإن نتائج المراجعة انتهت إلى توقع معدلات أعلى لكل مجموعات الدول العربية مقارنة بالنتائج المحققة في العام الماضي. وقد تضمن ذلك رفع معدل النمو السنوي المتوقع للعام الحالي للدول المصدرة للنفط، الجزائر والعراق وليبيا وقطر والسعودية والإمارات والكويت والبحرين وسلطنة عمان، إلى 2.3 في المئة مقارنة بـ 2.2 في المئة في العام الماضي. كما تم رفع تقدير متوسط معدل النمو للدول العربية النامية المستوردة للنفط، مصر والأردن والمغرب وتونس إلى 3.6 في المئة مقارنة بـ 2 في المئة. أما الدول العربية ذات الدخل المنخفض، جيبوتي وموريتانيا والصومال والسودان واليمن، فإن الصندوق يقدر أنها ستحقق معدل نمو إيجابي في العام الحالي يبلغ 0.8 في المئة مقارنة بمعدل سالب في العام الماضي بلغ – 9.3 في المئة. ولم يقدم الصندوق تقديرات للنمو في بعض الدول مثل لبنان وسوريا وفلسطين لعدم توفر البيانات.
لكن الصندوق الذي أعد تقديراته المعدلة قبل أسابيع قليلة من إعلان حرب ترامب التجارية على العالم في 2 من الشهر الماضي مع جدول زمني للتنفيذ تم تعديله بعد ذلك، ربما يكون في حاجة لإعادة تقييم حال الاقتصادي العالمي بعد أن يبدأ ظهور النتائج الحقيقية لحرب التعريفات الجمركية في نهاية الربع الثاني من العام. هذا يعني أننا يجب أن نتعامل مع النسخة الأخيرة لتوقعات النمو الاقتصادي في العالم وفي منطقتنا بحرص شديد، خصوصا وأن حرب التعريفات الجمركية تنطوي على تداعيات متعددة الأطراف (دول وشركات وأقاليم) ومتنوعة الطبقات من خلال سلاسل الإمدادات العالمية. ونعتقد أن هناك عددا من المحركات المحفزة والكوابح المقيدة للنمو في العالم العربي من الضروري إعادة تقييم أثرها على النمو الاقتصادي، كان من الأفضل تقديمها في صورة سيناريوهات يقوم كل منها على افتراض مختلف عن الآخر. على سبيل المثال فإن الأثر النهائي لحرب التعريفات الجمركية قد يؤدي إلى آثار متباينة إقليميا، وكذلك المحركات أو الكوابح الأخرى مثل تقلبات أسعار النفط وحالة الصراع في المنطقة، وأمن البحر الأحمر، والديون إضافة إلى ضغوط البطالة والفقر وانعدام المساواة.
تأثير حرب التعريفات الجمركية
لاحظنا أن بعض الخبراء، منهم من يعمل في صندوق النقد الدولي، لجأوا في تقييم حرب ترامب إلى النظر إليها من زاوية واحدة تتناول التداعيات المباشرة فقط وتتجاهل غير المباشرة. على سبيل المثال فإنه جرى التهوين من شأن إجراءات حرب ترامب على دول مجلس التعاون الخليجي النفطية الغنية، على اعتبار أن الإجراءات تستثني النفط. حقيقة الأمر أن النفط ليس سلعة تجارية قائمة بذاتها مستقلة عن السوق، وأسعاره يمكن أن تنخفض عندما ينخفض الطلب عليه، من خلال تأثير انخفاض الطلب على السلع الصناعية بسبب ارتفاع الرسوم الجمركية. وفي حال حدوث ركود تضخمي فإن الدول النفطية الغنية في الخليج يمكن أن تتعرض لتأثير سلبي مزدوج بسبب ارتفاع أسعار وارداتها الصناعية وارتفاع تكلفة تمويل احتياجاتها من أسواق المال العالمية بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، ما يؤدي الى انخفاض معدل النمو. ومن الصعب استباق مؤشرات السوق نفسها، نظرا للتقلبات الحادة في الأسعار والتكاليف ومؤشرات الطلب والعرض. ولن تقدم المؤشرات الشهرية عن الأداء الاقتصادي في الصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في الشهر الأخير صورة حقيقية، بل إنها ستقدم على الأرجح صورة مشوهة تعكس ردود الأفعال الأولية الحادة، بسبب ميل المشروعات مثلا إلى الإفراط في التخزين تحوطا لارتفاع الأسعار أو نقص الإمدادات، ثم تغير هذا السلوك لدى شركات أخرى بعد إعلان تجميد فرض التعريفات الجمركية الجديدة لمدة 90 يوما تحت مبرر إفساح المجال أمام جولات من المفاوضات الثنائية بشأن كيفية تجنب فرض التعريفات الجديدة مقابل تقديم تنازلات تجارية للولايات المتحدة. ولا شك أن الدول العربية المصدرة للنفط الغنية، والمصدرة للنفط النامية مثل العراق والجزائر، والمستوردة للنفط النامية مثل مصر والأردن، ومجموعة الدول الفقيرة، سوف تتأثر كلها، ولكن بدرجات متفاوتة بإجراءات حرب التعريفات الجمركية التي يعتبرها دونالد ترامب عنوانا لسياسته الاقتصادية.
المتغير الأول إذن الذي يحكم توقعات النمو الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط في العام الحالي هو تأثير حرب ترامب أو حرب التعريفات الجمركية، سواء المباشرة أو غير المباشرة. هذا التأثير لم يأخذه في الاعتبار تقريرا كل من صندوق النقد والبنك الدولي عن توقعات النمو في العالم. هذه حقيقة تعيب كلا من التقريرين، وتدعو المسؤولين عن صنع السياسة الاقتصادية لضرورة أخذ ذلك في الاعتبار، لأن التوقعات المتفائلة قد تسبب الإفراط في الإنفاق، كما أن التوقعات المتشائمة قد تؤدي إلى إضاعة فرص محتملة للنمو. الحقيقة أن هذا العيب في تقديرات التقارير المتعلقة بتوقعات النمو حدث بسبب توقيت إعلان إجراءات حرب ترامب، لأنها أُعلِنت بعد أن كانت التقارير قد أُعِدَت للنشر فعلا، حتى وإن كان ترامب قد كشف عن نواياه في شن حرب تجارية خلال حملته الانتخابية.
تقلبات أسعار النفط والغاز
المتغير الثاني الذي يحكم توقعات النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو حالة العرض والطلب في سوق النفط، وتوقعات متوسط الأسعار على مدار العام. وعلى الرغم من أن المؤسسات الدولية المعنية بالتمويل والاستثمار والتجارة، الحكومية والخاصة اتفقت جميعا على أن أسعار النفط ستتراجع في العام الحالي مقارنة بالعام الماضي، إلا أن مدى أو قيمة التراجع في الأسعار اختلف بشدة من مؤسسة إلى أخرى. ثم جاءت مؤشرات السوق، بعد إعلان حرب ترامب لتفاجئ الجميع بهبوط كبير في الأسعار يتجاوز التوقعات التي كانت قد نُشِرَت بالفعل، الأمر الذي استدعى تعديل توقعات متوسط الأسعار حتى نهاية العام الحالي. على سبيل المثال خفّض بنك باركليز توقعاته لسعر خام برنت بمقدار 4 دولارات للبرميل إلى 66 دولارا للبرميل لعام 2025، وبمقدار دولارين إلى 60 دولارا للبرميل لعام 2026، مشيرا إلى تأثير قرار أوبك+ بتسريع زيادات إنتاج النفط. وقد سجلت أسعار النفط في الأسبوع الأخير أدنى مستوى لها منذ عام 2021 عقب قرار أوبك+ بتسريع وتيرة زيادات الإنتاج للشهر المقبل. وهبطت أسعار العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 4.6 في المئة لتصل إلى 58.50 دولار للبرميل، بينما انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط بنسبة 5 في المئة لتصل إلى 55.53 دولار للبرميل، وكلاهما عند أدنى مستوياتهما منذ شباط/فبراير 2021. لكن السوق تعافت قليلا بعد ذلك ليرتفع سعر خام برنت إلى 62.52 دولار وخام ويست تكساس إلى 59.51 دولار. وكانت 8 دول أعضاء في أوبك+ قد اتفقت في بداية الأسبوع الماضي على زيادة الإنتاج بمقدار 411 ألف برميل يوميا إعتبارا من الشهر المقبل. وبهذا ستصل الزيادة التراكمية في الإنتاج إلى 957 ألف برميل يوميا، ما يضغط على الأسعار التي تعاني بالفعل من تدهور أوضاع التجارة العالمية. وكانت أوبك+ التي تسهم بنسبة 40 في المئة من الإمدادات العالمية للنفط قد التزمت بخطة لتخفيض الإنتاج في عام 2023 لحماية الأسعار من الانهيار. الآن وبعد انتهاء الخطة فإن أوبك+ تعود تدريجيا إلى مستويات إنتاجها الطبيعية، لكنها في الوقت نفسه تخاطر بانخفاض الأسعار وتداعيات ذلك على التوازن المالي.
في العام الماضي بلغ متوسط سعر خام برنت حوالي 80.53 دولار للبرميل. هذا السعر أقل قليلا من متوسط 82.49 دولار في عام 2023 وأقل بكثير من متوسط 100.93 دولار في عام 2022. وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن السعر تذبذب في العام الماضي بين 70 دولارا و90 دولارا للبرميل. هذا يعني أن متوسط الأسعار المتوقع للعام الحالي يقل بنسبة 25 في المئة تقريبا، وهو ما يطرح سؤالا مهما عن علاقة هذا السعر بتكاليف الإنتاج والأرباح بالنسبة للشركات، والسعر التوازني للميزانيات الحكومية في الدول العربية المصدرة للنفط. وبمراجعة أرباح شركات النفط العالمية في العام الماضي، فإنها تحتاج في العام الحالي إلى متوسط سعر لا يقل عن 80 دولارا للبرميل لتحقيق معدل الربحية نفسه، ومن ثم ضمان حصول حملة الأسهم على أرباح موزعة لا تقل عن العام الماضي. أما بالنسبة للدول النفطية فإن تقديرات مؤسسة بلومبرغ تظهر أن السعر التوازني يختلف من دولة إلى دولة حسب احتياجاتها التمويلية. وتتفاوت أسعار النفط التي تحتاجها الدول العربية المصدرة لتحقيق التوازن في ميزانياتها، أي تحقيق عجز مالي صفري. وتبلغ أعلى مستويات الأسعار المطلوبة في الجزائر التي تحتاج نحو 157 دولاراً للبرميل، وفق بيانات صندوق النقد الدولي في مراجعة نيسان/أبريل 2025.
البحرين تحتاج 137 دولارا للبرميل، تليها السعودية عند نحو 92 دولارا، ثم الكويت عند نحو 80 دولارا، والعراق عند حوالي 79 دولارا، وليبيا نحو 67 دولارا. أما سلطنة عُمان، والإمارات، وقطر، فتحتاج كل منها إلى متوسط الأسعار في حدود 58 دولارا للبرميل فأقل، لتحقيق ميزانيات بدون عجز، أو مع تحقيق فائض. هذا يعني أن السعودية على سبيل المثال ستتعرض لعجز أكبر من المتوقع في ميزانية العام الحالي ما يزيد حاجتها إما إلى تخفيض الإنفاق أو زيادة الاقتراض من الخارج أو التوسع في إجراءات الخصخصة لتعويض الانخفاض في إيرادات تصدير النفط، حتى مع زيادة الإنتاج.
وبالنسبة للدول المصدرة للغاز الطبيعي فإن متوسط الأسعار في العام الحالي يظهر ارتفاعا كبيرا عما كان عليه في العام الماضي. ومن المتوقع أن يبلغ متوسط سعر الغاز الطبيعي في مركز «هنري هاب» المرجعي للغاز الأمريكي حوالي 4.30 دولار أمريكي لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في عام 2025. ويمثل هذا زيادة كبيرة عن عام 2024، حيث بلغ متوسط سعر الغاز الطبيعي في المركز التصديري نفسه حوالي 2.21 دولار لكل مليون وحدة حرارية. ويُمثل هذا أدنى متوسط سعر سنوي مُسجل على الإطلاق، بعد تعديله وفقا للتضخم. وتشير بعض التوقعات إلى أن متوسط الأسعار في العام الحالي سيكون في حدود 3.20 دولار أمريكي لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بزيادة قدرها 44 في المئة مقارنة بالعام الماضي. وكانت الأسعار في العام الماضي قد هبطت إلى ما دون 2 دولار للمليون وحدة حرارية بريطانية، لكنها الآن تسجل ارتفاعا متماسكا منذ بداية العام الحالي إذ أن السعر لم يقل عن 3 دولارات. بالنسبة للدول العربية المصدرة للغاز مثل قطر والجزائر وسلطنة عمان فإن هذا السعر يضمن لها إيرادات تزيد بنسبة 50 في المئة تقريبا عن العام الماضي بافتراض تصدير الكميات نفسها. التغيرات الحادة في أسعار النفط والغاز تلعب في العادة دورا مباشرا في تحديد اتجاه معدل النمو. ومن الواضح أن تقديرات صندوق النقد والبنك الدولي لهذه التغيرات يختلف كثيرا حتى الآن عن مؤشرات الأداء في السوق، وهو سبب آخر يدعو إلى إعادة تقدير معدلات النمو الاقتصادي المتوقعة للدول العربية المصدرة للنفط الغنية والنامية على السواء. ونظرا لأن استثمارات الدول النفطية الغنية وتجارتها على المستوى الإقليمي تتأثر إلى حد كبير بإيرادات التصدير، فإن انخفاضها سيترك أثرا سلبيا على بقية دول المنطقة من ناحيتين، الأولى هي انخفاض تدفقات الاستثمارات والتجارة البينية الإقليمية، والثانية هي انخفاض تحويلات العمالة الأجنبية في تلك الدول إلى البلدان الأم، ومنها الدول العربية.
تأثير الاضطرابات الإقليمية
أما المتغير الثالث الرئيسي الذي يتحكم في تحديد اتجاهات النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفي القلب منها الدول العربية، فإنه يتمثل في تأثير الحروب والصراعات الإقليمية المشتعلة منذ نحو عامين. ويبدو من افتراضات معظم التقديرات العالمية أن الخبراء أقاموا تقديراتهم تحت تأثير الوهم بأن مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمحتجزين قد أشرفت على تحقيق نتائج إيجابية محاولة أن تقود إلى تحسين بيئة التنمية الاقتصادية، وخلق مناخ إيجابي يساعد على زيادة فرص العمل المتاحة وتخفيض التضخم ورفع معدلات النمو. هذه التقديرات تظل سليمة، بل يمكن أن تكون أقوى إذا تحققت الافتراضات التي قامت عليها. أما إذا لم تتحقق، فإننا نكون إزاء سيناريو آخر مختلف تماما، يتسع فيه التأثير السلبي للحروب والصراعات، ومن ثم تقل فيه فرص تحقيق النمو بالمعدلات التي افترضها خبراء صندوق النقد الدولي على سبيل المثال.
ونعتقد أن الوضع في الشرق الأوسط لم ينضج بعد إلى الدرجة التي تتيح حلولا مقبولة للصراعات القائمة. خذ على سبيل المثال الوضع في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، والوضع في سوريا ولبنان، والوضع في غزة والضفة الغربية، حيث ما تزال كل نيران ومحركات الصراعات مشتعلة، ولا توجد أطراف دولية أو إقليمية لديها القدرة على تحقيق وساطة أو وساطات ناجحة لإخماد نيران الحروب. ومن ثم فإن توقعات التهدئة في البحر الأحمر، ووقف إطلاق النار في غزة، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان وسوريا، لا تزال أحلاما بعيدة المنال. وعليه فإننا نعتقد أن حسابات معدلات النمو في الأردن ومصر قد تحتاج إلى مراجعة كبيرة، خصوصا إذا اتجهت الأوضاع الإقليمية إلى المزيد من الاشتعال. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن معدل النمو الاقتصادي في مصر سيرتفع من 2.4 في المئة في العام الماضي إلى 3.8 في العام الحالي. كما يتوقع الصندوق أيضا زيادة طفيفة في معدل النمو للأردن من 2.5 في المئة إلى 2.6 في العام الحالي. وقد أبقى الصندوق على معدل النمو في اليمن على حاله عند سالب 1.5 في المئة كما كان عليه في العام الماضي. ويخطئ من يعتقد أن الضربات العنيفة التي تعرض لها أنصار الله في اليمن خلال الأسبوع الماضي ستنهي حالة التوتر في مدخل البحر الأحمر. ومن ثم فإن النتائج السلبية المترتبة على هذا التوتر سواء بالنسبة لمصر أو الأردن سوف تستمر، ولن تنقلب الحالة من التوتر إلى الاستقرار بين يوم وليلة في المنطقة ككل.