رواية «الريح ترفع أسماءها»: الكتابة بالألم

حجم الخط
0

بعد سنوات من إصدارها لرواية «تراتيل لأيامها» التي تعدّ شهادة روائية مهمة عن واقع تونسي في تلك الفترة، بكل تداعياته ومظاهره الاجتماعية والسياسية، تعود الأديبة رشيدة الشارني برواية جديدة تؤكّد نواميس قلمها التي عهدناها، منطلقة من واقع اجتماعي محلي، ساردة رحلة الحياة بما فيها من شقاء وألم، منتصرة ضمنيا للهامش.. هذا الألم يعود ليصنع الرواية الجديدة، ومثلما كانت دنيا تخوض الكفاح من أجل أمها خضراء وأخيها المعتقل، تأتي صفاء لتخوض رحلتها من أجل دفن أمها وأخيها المنتحر بعد رفض السلطات التونسية، ومثلما كانت المقبرة في الرواية الأولى، يأتي موضوع الدفن في الرواية الثانية.. هذه الخيوط ترسم نهجا في الكتابة، وتوحي بخطاب روائي تنسجه رشيدة الشارني بدقّة.
رواية الموت والألم
تنفتح الرواية بمشهد الانتظار المرير: «لم تكن تتوقع عندما عبرت سماء المتوسط مسحوقة القلب لمنظر الجثامين المدسوسة في جوف الطائرة، أن تواجه تعقيدات كبيرة في دفنهما وأن يظلا في منزل لزهر طيلة ثلاثة أيام. فجاءها رفض محافظ المقبرة السماح بدفن أمها رفضا قاطعا». هكذا تعلن البداية عن حكاية الموت والألم، التي تبدو مرتبطة بزمن تاريخي معين، حسب بعض الإشارات التاريخية على غرار أبريل/نيسان 99 ويناير/كانون الثاني 99 ويونيو/حزيران 2005، ويبدو أنها تحمل أمارات مرجعية مختلفة مثل الأماكن في باريس، أو ريف الكاف، وهو ما يوحي بأن ثمة نوعا من تطريس المرجعي وتحويله إلى جمالي. رواية يغلب الحزن على شخصياتها، قائمة على عدة مآسي، فصفاء تجد نفسها في عزلة باريسية بعد وفاة أمها سيلين، وانتحار أخيها وهو ما عبرت عنه في رسائلها إلى ابنة عمها رحاب. وهي كذلك تجد نفسها في أزمة نفسية بعدما وجدته من صعوبة في دفن أمها وأبيها في تونس، لأسباب دينية وإذا حياتها تتحول من السعادة إلى الاغتراب والعزلة والألم. «إنه من القاسي جدا أن لا يعود لديك أب وأم وأخ، وأن ترى رجلا قد امتلك بيتك المبنى بمال والديك، وثمن عملهما وشقائهما في الحياة».
يبدو سؤال التدين بارزا ومؤلما، وفي الوقت نفسه صرخة إنسانية غاضبة تطلقها الرواية.. ولعل الرواية تحاول في هذا المستوى أن تنتقد الكثير من الخطاب الديني القائم على التكفير، فالشخصية التي يتم دفنها، رغم عدم اعتراف السلطات بها قد أعلنت إسلامها وهي تمارس حياة سليمة وطيبة، وهذا موضوع أساسي من دلالات الرواية.

الانفتاح على الذاكرة

ولكن الرواية لا تنغلق على حكايتها التي جدت في التسعينيات، بل تنفتح على الماضي والذاكرة، فإذا نحن أمام الزمن الاستعماري (الخمسينيات) نقرأ عن الجريمة الاستعمارية ونعثر على إشارات إلى التاريخ الاجتماعي والثقافي لتلك الفترة. «كنا نمضي أوقات الراحة في الاستماع للإمام وحضور الحفلات بكافيه شانطة باب سويقة وصالة مدريد، فقد كنا نعشق عروض الرقص والمسرح والغناء، ونطرب كثيرا لصوت حبيبة مسيكة وخميس الترنان وشافية رشدي وصليحة». وضمن هذا الإطار نعثر على ذكر المجالس الأدبية الشهيرة في العاصمة: «دأب على حضور حلقات النقاش والجلوس في مقهى تحت السور، مع الأدباء والشعراء والفنانين وولع بالشعر ولم يكن يفوت فرص الخروج في مظاهرات ضد الاستعمار في الخمسينيات».
هذه الإشارات إلى الأمس على إيجازها، تبث طعما آخر في الرواية وتضيء عتمة المحلي المنسي، محاولة احتفاء بالفضاء المحلي وبالذاكرة إسهاما في دفع النسيان.

لعبة التعدد الصوتي

يتابع السارد السرد من خارج الحكاية، مسندا إلى الشخصيات ضمير الغائب، ولكنه يستعمل أفعال المضارع التي تجعله سرده متابعة آنية للأحداث (يقول، ويغزو التوتر وجه صفاء، تنظر إليه… يهز كتفيه ويرد متجاهلا)، وهو يعول على الحوار أسلوبا سرديا. ولكنه سارد غير مستبد فهو يترك مقود السرد إلى الشخصيات لتتحدث عن نفسها ولتسرد حكاياتها، فيأتي صوت سليم الابن الذي انتحر، ويأتي كذلك صوت صفاء عبر رسائلها التي تضفي على الرواية تعددا أجناسيا، فبين طياتها أنواع أخرى مثل الرسائل والمذكرات. وهذا ما يحدث تعددا صوتيا وأجناسيا في آن، وهو أيضا يجعلنا نصغي إلى صوت الذات ونقترب من الشخصيات، وتلك جماليات صوت المتكلم في الخطاب السردي. وإذا كان هذا التعدد قد سمح في بعض المستويات بإدخال تعدد أجناسي فإنّه يفتح الباب للعجائبي…

صوت الميت

ينجو هذا التعدد الصوتي أحيانا إلى العجائبية، على نحو ما نجده في صوت سليم أو فيكتور المنتحر، وهو يعود إلى الحديث في الرواية، «أنا فيكتور فورييه العائد من باريس إلى تونس أشلاء مكدسة داخل صندوق خشبي مغلق بإحكام. أتكلّم من عالم ما بعد الموت حيث ترسّب ذاكرة الروح، الجراح الأشد حدة وتعلق باللحظات الفارقة، أنا الميت في الأرض الحي في السماء». يروي المنتحر حكاية الموت وحادثة الانتحار، مستعيدا في آن هذه الفعلة وحياته، متفاعلا مع واقع ما بعد الموت، متخيلا حزن أخته. ويتحدث أحيانا عن وضعه بعد الموت، حيث تتراءى له روحا أمه ووالده الطاهر، ممزوجتان بالمخيال العربي، فيحضر الطائر الأخضر رمز الجنة انتصارا لوالدته المتهمة، لكونها لا تنتمي إلى الإسلام: «ولحظة استفيق يلوح لي طيف أخضر يشير لي أن اقترب. أدرك أنها روح أمي، أهفو نحوها مغتبطا، ولكن سيدا مشعا كالنجم طار باتجاهي.. أرفع بصري فألمح روح طاهر الكافي على شكل سحابة زرقاء قائمة».
لعل حضور هذا الجانب يرحل بجانب من الروائي إلى العجائبي، واللا معقول الذي يشكل مكونا مهما في الرواية العربية الحديثة. ولعلنا نخلص في هذا المستوى إلى اتجاهات التخييل الروائي المختلفة، التي تبدو في هذه الرواية، فالروائيّة تنهل حينا من الواقع اليومي المرجعي، وحينا من التاريخ والذاكرة وحينا من العجائبي.
تنسج رشيدة الشارني روايتها من حكاية مؤلمة وتعيد كتابة لحظات مؤلمة وتقدم لنا شخصيات تعيش الألم والاغتراب في مجملها، حزن تخفف منه جماليات الرواية ومغامراتها واندفاعية خطاب الشخصيات في تذكرها وفي سردها ورسائلها وهي في الوقت نفسه تطرح قضايا مهمة من صميم الواقع التونسي.

كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية