الرشوة في سوريا انخفضت… ودعوات لزيادة الرواتب

جانبلات شكاي
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي»: بات يمكن القول إن حالات الرشوة كادت تنعدم بين عناصر شرطة المرور بعدما أن التصقت بهم هذه التهمة، وكذلك الحال في إدارة الهجرة والجوازات، أما في السلك القضائي الذي لطالما عانى من الفساد والرشوة فالتقديرات حسب حقوقيين تتحدث عن تراجع وصلت نسبته إلى أكثر من 50 ٪.
وإن كانت الرشوة تراجعت في أهم مفصلين من مفاصل الدولة، إلا أنها ما زالت ظاهرة في قطاع الخدمات العامة، ويفضل البعض إطلاق اسم «الهدية» عليها والحجة ضعف رواتب الموظفين.
في تصريح لـ«القدس العربي» تحدثت مصادر حقوقية عن بعض حالات الرشوة في القضاء، وهو ما يمكن اعتباره وراء سبب صدور قرارات مشبوهة توضع أمامها عشرات إشارات الاستفهام والتعجب، مشيرة إلى أن بعض القضاة الذين يشك في أنهم يتقاضون رشاوى ما زالوا على رأسهم عملهم، وفي المقابل فإن عزل قضاة آخرين دفع بشكل واضح إلى تراجع نسبة الرشاوى بما يفوق الخمسين في المئة.
وقامت وزارة العدل أمس الإثنين باتخاذ قرار بعزل 77 من القضاة الذين عملوا في محكمة الإرهاب خلال سنوات الثورة السورية من أصل 87 قاضيا كانت قد تمت إحالتهم إلى إدارة التفتيش القضائي منذ أشهر.
وقالت المصادر إن عملية العزل هذه من الممكن أن تسبب خللا في السلطة القضائية نتيجة العدد الكبير الذين تم عزلهم، موضحة أن القرار جاء على خلفية اتخاذ هؤلاء القضاة «قرارات جائرة» خلال فترة عملهم في محكمة الإرهاب، إضافة إلى تطبيقهم لـ»قانون ظالم».
وذكرت أن دفاعاتهم عن أنفسهم لم يعتد بها بحجة أنه كان عليهم أن ينشقوا عن النظام بدلا من إصدار قرارات تحت الضغط.
ورأت إدارة التفتيش أن قرارات إخلاء السبيل التي أصدرها البعض منهم خلال عمله في محكمة الإرهاب كانت تلبية للأجهزة الأمنية أكثر من أنها قرارات منصفة من القضاة المعزولين.
وبينت أن القضاة الخمسة الذين لم يصدر بحقهم أي قرار ما زالت ملفاتهم قيد التحقيق بانتظار انتهائه لاتخاذ القرار المناسب بحقهم.
وتحدثت مصادر مرورية لـ«القدس العربي» عن وجود تعليمات مشددة على شرطة المرور بعدم تقاضي أي مبالغ مالية من السائقين، وإلا فإن الشرطي سوف يتعرض للتسريح وحتى عقوبة السجن، مشيرة إلى أن رواتب الشرطة أصبحت تتراوح ما بين 200 إلى 300 دولار، بينما رواتب عناصر الشرطة الذين خدموا في عهد النظام المخلوع وعادوا للخدمة لا تزيد رواتبهم عن 120 دولارا بعدما تمت زيادة الرواتب للشرطة حوالي 60 دولارا.
ورأت المصادر أنه ومن هذا المنطلق، لم يعد هناك مبرر لتقاضي الرشوة، مشيرة إلى خطوات أخرى متوقع اتخاذها خلال الفترة المقبلة.
وأكدت أنه في حال عرض السائق أي رشوة على الشرطي فإنه يحق للشرطي أن ينظم بحقه الضبط اللازم وإحالته إلى القضاء من منطلق «الراشي والمرتشي في النار».
وخلال استفسار «القدس العربي» من عناصر شرطة المرور حول آلية عملهم، أكد بعضهم أنه ما زال بعض السائقين يعرضون رشاوى على بعض العناصر فيتم تأنيبهم.

عزل 77 قاضياً عملوا في محكمة الإرهاب

وروى أحدهم أن سائقا عرض عليه مبلغا من المال لأنه تم تنظيم مخالفة مرورية بحقه وصلت إلى 200 ألف ليرة، فتم تأنيبه وتهديده بتحويله إلى القضاء في حال كرر هذا الفعل، مشيراُ إلى أن بعض المخالفات المرورية من الممكن أن يصل إلى 50 دولار، أي ما يزيد عن نصف مليون ليرة سورية.
شرطي آخر أكد أن هناك تعليمات صارمة بعدم قبول أي شيء من الآخرين حتى ولو «سندويشة» وإلا فسيتعرض الشرطي للمسؤولية، وفي بعض الأحيان إلى السجن.
وقال هذا الشرطي إنه كان يقف أمام محل للشاورما وعرض عليه صاحب المحل سندويشة فرفضها في اليوم الأول، وفي اليوم التالي عاد صاحب المحل وكرر عزيمته، فقال الشرطي له «في حال قبلت منك هذه السندويشة سوف تتسبب لي بالتسريح من الخدمة».
وفي فرع مبنى الهجرة والجوازات في دمشق استمعت «القدس العربي» الى شهادات المراجعين الذين أكدوا انتظام الدور خلال استقبال المعاملات من دون تجاوزات، وأن المراجع يدفع ما يترتب عليه من رسوم المعاملة من دون أن يتكلف بأي شيء آخر.
وقال مراجع إن أحدهم حاول أن يدفع للشرطي مبلغا زائدا لتسريع دوره إلا أنه رفض بشكل شديد لدرجة أنه أنب المراجع وكاد أن يسبب له مشكلة كبيرة.
ورغم ازدحام الدور على قسم تسليم الجوازات إلا أن المراجعين يقفون بانتظام من دون أن يتعدى أحدهم على الآخر، كما أن الشرطة المعنية بتسليم الجوازات لا تقبل أي واسطة لتسريع الدور.
وشاهدت «القدس العربي» أن عناصر الشرطة في المبنى يتسلمون المعاملات بشكل منتظم، وأن كل مراجع يقف في الكوة المخصصة ويسلم معاملته من دون أن يدفع مبالغ إضافة زائدة عن الرسوم المقررة للمعاملة.

الرشوة نائمة

المحامي البارز فواز خوجة أكد أن هناك انخفاضا كبيرا في الرشوة في الكثير من المؤسسات الخدمية وخصوصاً في القضاء، متوقعاً أن هذا الانخفاض من الممكن ألا يستمر نتيجة الوضع المعيشي وانخفاض معدلات الرواتب التي لم يطرأ عليها أي تحسن، معتبراً أن الرشوة حالياً نائمة ولكن يجب العمل على عدم إيقاظها مجدداً.
وفي تصريح لـ«القدس العربي» أوضح أن القانون السوري تشدد في جريمة الرشوة، ومن الممكن أن تصل إلى خمس سنوات حسب ما ينص عليه قانون العقوبات السوري، أي أن القانون اعتبر بعض حالات الرشوة جنائية الوصف، أي من اختصاص محكمة الجنايات.
ودعا إلى ضرورة زيادة الرواتب وخصوصاً للقضاة باعتبار أن هذا السلك من أهم مفاصل الدولة، وإذا كان لا بد من محاربة الفساد فلا بد أن يكون الإصلاح من القضاء.

«هدية» أو «مازوت» للسيارات

وإن كان الخوف من العقوبة الرادعة قد ساهم بشكل كبير في تراجع حجم الفساد الذي كان مستشريا في معظم مفاصل الدولة خلال نظام بشار الأسد البائد، إلا أن عوامل أخرى كانت قد دفعت إلى انتشار الفساد ما زالت حاضرة، وأبرزها تراجع حجم الرواتب والأجور لدى موظفي الدولة على مختلف اختصاصاتهم، بالمقارنة مع المصاريف المستحقة لتأمين الحد الأدنى من نفقات الحياة، والتي كانت وما زالت تشكل أكثر من 4 أو 6 أضعاف قيمة الرواتب، حتى تلك الموجودة في القطاع الخاص وإن كانت بنسب أقل.
وهذه الحجة ما زالت الباب الذي يدفع إلى بقاء ظاهرة الفساد في بعض مفاصل العمل العام، ومنها على سبيل المثال عمال طوارئ الكهرباء، أو موظفو البلديات والخدمات الفنية وغيرهم الكثير من الذين ما زالت رواتبهم على حالها وهي لا تصل في أحسن الأحوال إلى أكثر من 35 دولارا وفق سعر صرف الليرة الحالي، وإن يرفض هؤلاء أخذ الرشوة بشكل مباشر، لكنهم يقبلونها من باب «الهدية»، أو كقيمة لمحروقات السيارات العامة التي يستقلونها بحجة أن مخصصاتها من الدولة لا تكفي لتلبية التحرك، وخصوصا في المناطق الريفية ذات المساحات الواسعة.
أبو عبد الله فلاح من واحدة من قرى الغوطة الشرقية، وهو من النشطاء في بلدته، قال لـ«القدس العربي» إن الوضع اليوم أفضل بكثير مقارنة بالفترات السابقة، لكن عدم دفع «النفقات المستورة» قد يؤدي إلى تأجيل إصلاح أي عطل في الشبكة الكهربائية إلى فترات غير محددة، وما يزيد الأمر سوءا هو التقنين الجائر جدا، فلا يستطيع المواطنون احتمال انقطاع الكهرباء ليومين باعتبار أنه وخلال هذه الفترة لا تصل الكهرباء في أحسن الأحوال إلا ما بين 6 إلى 8 ساعات متقطعة.
وأوضح أن المطالبة بتسديد مثل هذه المبالغ لعمال طوارئ الكهرباء أو لسائقي الشاحنات والآليات التي قد ترسلها الخدمات الفنية إن لتعزيل شبكات الصرف الصحي المتأذية أو لتعزيل الشوارع والأحياء من مخلفات منازل تم تدميرها بقصف طائرات النظام السابق ومدفعيته، قد تتم من موظفين كبار، بهدف دفعها للسائقين قبل إرسال مثل هذه الورش، والحجة دوما عدم توفر المحروقات بسبب خلو خزينة الدولة، حتى أن هؤلاء يفصحون بشكل مباشر بعدم منطقية مطالبة العمال بإنجاز مهامهم في ظل الرواتب المتدنية. وأشار إلى أن هذه الحالة دفعت بالمواطنين إلى تشكيل لجان أهلية لإدارة الخدمات العامة في أماكن سكنهم، عبر جمع تبرعات شهرية من جميع العائلات في أحياء المدن أو في القرى والبلدات الريفية ووضعها في صندوق للطوارئ، يمكن عبره دفع تلك النفقات.
وأضاف: على سبيل المثال، فإن سيارة طوارئ الكهرباء قد تحتاج إلى ما بين 10 إلى 20 لترا من المازوت أو قيمتها، أي ما بين 10 إلى 20 دولارا، لإصلاح عطل في الشبكة، وكذلك الحال بالنسبة للصهريج الخاص بتعزيل مجاري الصرف الصحي، أما سيارات نقل الردم والجرافات المرافقة، فكمية المازوت المخصصة لها فترتفع إلى 30 وحتى 40 لترا للجرافات ليوم عمل يمتد لنحو 6 ساعات، وإن كان البعض من الأهالي يمتعض لدفع اشتراكاتهم الشهرية لصناديق أحيائهم وبلداتهم تحت عناوين العمل الأهلي، إلا أن معظم السوريين يدركون أن رواتب الموظفين ما زالت متدنية، بل وتصح عليهم الصدقة، فيساهمون في هذا النوع من العمل الأهلي حتى لا تنقطع الخدمات، الضعيفة أساساً، عنهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية