بإنتهاء المرحلة الإنتقالية للحكم في تونس بعد سنوات قليلة من قيام ثورة الديمقراطية والكرامة والحريّة، إنتظر الشعب من أصحاب القرار السياسيّ الذين تداولوا علي الكراسي بأعداد وصفت بالقياسية أن ينتهجوا أقوم المسالك في معالجة أعتى الأحوال وأشدّ الهنّات بمنطلقات مقنعة وأ هداف متحرّ كة تمهّد السبيل لإسترجاع الأمل وتحقّق الإستقرار المنشود.
غير أن الأمر لم يسر في الوجهه المأمولة ولا في الأوقات المعلومة، وانقسم معه الشارع إلى فئة متشائمة، حبيسة اليأس والبأس، يقابلها شق هاش باش لم يستسلم للإشكاليات العظمى التي ألقت بكلاكلها على صدرالبلاد
وبين هذا وذاك جزء متشائل « لا يعرف على أي ساق يرقص « كما يقول المثل الفرنسي، يعيش بين المدّ والجزر وكله وعي بأن وضعه الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والسياسي رهين الساعة شأنه في ذلك شأن السّهم الذي تتقاذفه آليات السوق المالية ولا يدرك لحاله استقرارا.
ومهما يكن من أمرفإنّ القاسم المشترك بين الراضين والساخطين والمضطربين يعود أساسا إلى المحيط السياسي الذي أساء تقدير أحداث الثورة ومآلها ولم يحتف بها إلى أن دبّت خيبة أمل في قلوب الكثيرين وشيعت بينهم تهديدات بالعودة إلى المربّع البائد وتحذيرات من « بوادر ثورة إجتماعية ثانية « أطلقها الطرف النقابي نتيجة لتخوّفاته من استفحال موجة الإضرابات والإعتصامات والإحتجاجات في قطاعات عموميّة حسّاسة.
كما لم تفلح المعلومات والتصريحات والترقيمات الصادرة من هنا وهناك عن نسب الإنجازات ومؤشرات التفوّقات المسبّحة باسم حكوماتها في إقناع المتخصّصين والملازمين للشآن السياسي على إختلاف مشاربهم بمدى صحّتها وقدرتها على تنويرالسبيل للإستشراف المجدي والمربح للمستقبل، فتناولوها بشيء من التشريح والتقطيع جرّاء شطحاتها الملتوية حينا والمتلوّنة حينا آخر على نحوٍ لافت وجعلوا منها أرقاما شبه جوفاء، والمواطن فى كلّ ذلك يسأل ويلحّ في السؤال بحثا عن إيجابات منطقيّة لما يدور حوله فلا يظفر بما يشفي الغليل ويجد نفسه في نهاية المطاف «كالقابض على الماء «تحاصره معارك تنموية قديمة بعد أن «و قف حمار الشيخ فى العقبة «وأخرى وليدة الثورة تـداول عليهـا الساسـة.
ويعدّ موضوع التجديد المستمر والفعلي لمنظومات العمل السياسي والإداري من حيث الهيكلة والتسيير والمراقبة والتقييم من أضعف حلقات الحكم حيث لم يقف المتتبع لمسيرة البلاد على مبادرات تنظيمية قيّمة في هذا المعنى منذ اندلاع الثورة بل لمس تواصلا لصولات « طاحونة الشيء المعتاد» وجولاتها المعاكسة لكلّ الإتّجاهات وسجّل إصرارا – عن وعي أو غير وعي – على حماية روتين خانق لمسالك الخلق والإبداع لم يستسغه العامة وعبّر عنه البعض فى كثير من المنابر الإعلاميّة والأكادميّة بالقول : «ما رينا شي!… ما فهمنا شي !… وين ماشين؟»
وللخروج من هذا النفق، ينبغي على أهل الحلّ والعقد أن يضعوا آليات مجدية وفعّالة للتخلص من المسلّمات التي إبتدعها نظام الحزب الواحد أو أمليت عليه إملاء وأن يتفاعلوا مع استفسارات نوعيـّة ومحرجـة من قبيـل: لماذا اقتصرالدستور علـى ثـلاث سـلط فقط (التنفيـذيـة، التشـريعية والقضائية ) والحال أنّنا نتكلّم عن «سـلطة جهويّة « نمارس قواعدها ونحتكم إلى نواميسها ولم نهتد يوما إلى دسترتها وإفرادها بهيكل تنظيمي وبمجلس أعلى له نفوذ حقيقية وليست شكلية كمثيلاتها إغناء لتشريعات البلاد وتثمينا للعمل السياسي والإداري بالجهات في اتجاه أن يستقلّ بشؤونه ويتخلّص من ضغط المركزيات ويرتقي مستواه إلى ما هو عليه فى البلدان الأخرى؟ ما هي الأسباب التى حالت دون دسترة مشروع «السلطة الرابعة» باسم الإعلام؟ لماذا لا يناقش أعضاء مجلس نواب الشّعب ميزانيات الجهات بحضور أعضاء الحكومة وإطارات الولاية المعنيّة؟ لماذا أسند رئيس الجمهوريّة صلاحيات جدّ هزيلة و لماذا لم تبعث إدارات جهوّية خاصة بمؤسسة الرّئاسة؟ ما الفائدة المرجوّة من منع التعدّديّة النقابيّة إلى حدّ السّاعة؟ الصورة طيبة في الخارج بحكم الثورة التي أبهرت العالم قاطبة ولكن هل أحسننا استغلالها في المصلحة؟ بماذا نفسر التأخير الحاصل في إسترجاع الأموال المنهوبة وفي محاسـبة المقترفين؟ ماذا جنينا من حزمة الأحـزاب التى لم يتأقلم معظمها مع المجتمع؟ هل أنّ الوالي يمـثّل حقـاّ وحقيـقة رئيـس الجمهـوريّة؟ أي دور يلعبه المعتمد في المنظومة الحاليّة وماذا لوحوّلنا خطّته السياسية إلى رئيس إدارة جهويّة تعنى بتنمية المناطق الريفيّة وأبعدنا المجلس البلدي المنتخب عن سلطته؟ ما هو موقع الجودة في جميع هياكل الإدارة التونسيّة وهل قيّمنا أساليب المراقبة صلبها خاصة عن طريق «فريق المواطن الرقيب»ً الذي يعمل في الخفاء و ينتج ملاحظات محدودة العدد وفي شكل عناوين فقط مثل « آلات الإعلاميّة موجودة» أو «الأعوان لا يحملون الشّارة» عوضا عن تقارير مدقّقة تساعد على الإصلاح؟أخيرا وليس آخرا، هل لنا مؤشّرات وإحصائيات و برامج حول مشاركة النخبة المستقلّة في تسييرأمور البلاد والعباد وتثبيت المسار؟
هذه الأسئلة ـ وغيرها كثير ـ تفتح بالضرورة على ملفّات حارقة كالتنمية والتشغيل والبطالة والأسعار والأجور والطّاقة والأمن والمحاسبة والإنتاج والإنتاجيّة والثقافة والتعليم والإعلام ظنّ المواطن بأنّ الثورة التى أقامها على حقّ واطمأنّ إليها ستقضي على ماعلق بمقوّ مات حياته من إخلالات وضياع طيلة العهدين البائدين فلم يتيسّر له ذلك بالصّفة المرجوّة وعسرمعه المخاض بسبب اللّغط السياسي المتجدّد صباحا مساء وعند الظهيرة، ولا يسعه في هذه المرحلة إلا التشبّث بمقولة «إشتدّي أزمة تنفرجي» بروح تفاؤليّة مؤقّتة إلى أن تبتكر الطّبقة السّياسية أساليب عمل جديدة تمكّن من التسريع في نسق التّوجّه نحو الخلاص.
أحمد بالشيخ – تونس