هما شخصان فقط تقوم عليهما رواية «الصحوة». شخصان يظن الكاتب الفرنسي لوران غونيل، أنهما كافيان لإجراء ذلك الحوار حول أهم التحولات، التي يمرّ بها العالم. أحدهما واسمه توم، راضخ لما تقترحه الشركات المتعددة الجنسية، بل تأمر به، في سعيها لإخضاع البشر. الثاني هو كريستيس اليوناني المعارض لكل ما يصدر عن تلك الشركات ولجانها المكلّفة بابتداع الاقتراحات لقيادة البشر، وتحويلهم إلى قطيع. هما شخصان فقط سيكون عليهما تمثيل وجهتي النظر والمحاججة عنهما. في أحيان يظهر شخص ثالت يتمثّل بامرأة، تعمل حارسة للمبنى الذي يقيم فيه الأول توم، لكن ككائن فطري يقوده حدسها إلى رفض ما يُملى عليها. أما نعوم تشومسكي فلا يظهر أبدا، إنه المرشد الفكري لليوناني كريستيس الذي لا يتوقف عن ذكر حِكَمه وأقواله.
في أحيان يلجأ الروائيّ إلى إحياء شخصيتيه الأساسيتين وتحريكهما، لكن لا لأكثر من بعض الظهور الضئيل، من أجل أن تتحرّك الصورة الجامدة، كما لإراحة القارئ من الجفاف المتولّد عن تتالي الأفكار شبه المجرّدة والداحضة بعضها بعضا. غرض ذلك التحريك، أيضا، هو أن يُنسَب ما نقرأه إلى فنّ الرواية. هما شخصان إذن، بلا ملامح، ولا أفعال، ولا أصدقاء، ولا عائلة إلا حين يمرّ ذكر ابنة توم في أحد الحوارات. هما رمزان، شبيهان بالحرفين الافتراضيين يرمز بالعلم الرياضي: X and Y. مع ذلك، ومن وراء أكمتيهما، سيخوض الشخصان أكثر النقاشات أهمية حول حياة الإنسان المعاصر. مدار النقاش يقوم على سعي الشركات المتعدّدة الجنسيات، في حل ما كانت تسبّبت به أصلا من مثل التلوّث والاحتباس الحراري والانحطاط الثقافي والعنف، إلخ. ولكي تصحّح هذه الشركات المسار الخاطئ للبشر تبدأ بإسداء النصح المبني على الإحصاءات التي تشرك فيه آلاف المستجوبين.
على البشر كافة تبعا لذلك أن يتوقفوا عن اقتناء السيارات الملوِّثة للبيئة واستبدالها بأخرى مسيّرة بالكهرباء، ثم لتكون حياة المتنقّلين مصانة يُنصحون بأن يرتدوا جميعهم الطوق الذي يحمي الرقبة من حوادث الطرق. ثم تذهب النصائح، بل الأوامر طالما أن النصائح هذه مرفق قانونها بعقوبات تنفّذ في حال جرى إهمالها، سيطلب من المشاة بعد ذلك ارتداء هذا الطوق، الذي فيه فائدة لاستقامة الجسم على أي حال.
ثم هناك الحملة العالمية، التي لا تكلّ عن الدعوة إلى تجنّب تناول السكّر، ذاك الذي سبق أن ملأت السلع المحتوية له أسواق العالم، ثم هناك الحملات التي تشن ضد التدخين، تلك التي سبقتها حملات إعلانية وسينمائية، سعت لتصوير فتنة النساء المدخّنات. كانت تلك موجات تعقبها موجات مضادة لتوحيد السلوك الجمعي، بل العالمي، وللسيطرة عليه. وقد قطعت اللجان الدارسة أشواطا باتجاه ذلك، حيث باتت على قاب قوسين أو أدنى من إقناع الأفراد بقبول زرع الشريحة الاستشعارية في أجسامهم بذريعة أنها تحذّر المرء، انطلاقا من تمكنها المسبق من الاطلاع على حالات الخطأ والغضب، التي يمرّ بها المرء، تحول دون قيامه بالانتحار أو بارتكاب جريمة.
يرى المحاور اليوناني الذي تحرص الرواية على موافقة حججه وتغليبها على وجهة نظر خصمه، أن العولمة لن تستقيم إلا بقيادة دولة واحدة هي الأكبر والأكثر نفوذا على جميع الدول. ذلك يشمل الاقتصاد والأفكار واتباع العادات وتذويب السمات الثقافية لكل دولة أو منطقة. «ففي زمن ما قبل العولمة، كانت تُروى للأطفال، على مدى قرون، قصص وحكايات مستمدة من ثقافتهم الخاصة. أما اليوم، فبات صغار العالم يشاهدون الصور المتحركة نفسها ويردّدون، سواء كانوا إيطاليين أو كوريين أو مكسيكيين، أغنية «أطلقي سرَّك» من فيلم «ملكة الثلج». ثم كيف ستحافظ أوروبا على هويتها عندما تختفي متاجرها الصغيرة لمصلحة أمازون، ومقاهيها وصالات شايها لمصلحة ستارباكس، إلخ.
ثم إن الدولة الأكبر في العالم تجنح إلى غزو تراث كل ثقافة. تقدّم الرواية مثالا على ذلك رقصة السيرتاكي التي يؤديها أنتوني كوين في فيلم «زوربا» اليوناني، تلك الرقصة التي يظن الكثير من اليونانيين أنها من تراث بلدهم، فيما هي أمريكية الصناعة. بات العديد من الدول الأوروبية مهيّئا لتقبل العولمة الساحقة للكثير من ثقافته. إحدى الذرى الدالة على ذلك كامنة في شبكات التواصل الاجتماعي التي تحضّ على تحصيل أكبرعدد من الإعجاب على كل منشور أو تعليق، مغيّرة بهذا أصالة الفرد الذي كان يتصرّف بما تمليه عليه سجيّته، لا بما يُكسبه رضى الناس.
*رواية «الصحوة» للوران غونيل صدرت عن دار نوفل في 148 صفحة – سنة 2025.
كاتب لبناني