الناصرة – «القدس العربي»: كانت المربية الفلسطينية نوال الصالح أبو أحمد (أم همام) طفلة عندما ضرب زلزال النكبة مسقط رأسها مدينة طبرية، في أقسى الشهور بالنسبة لها، أبريل/نيسان 1948، وما زالت تشعر بأن طفولتها مصعوقة، رغم توالي الأيام والأحداث، وهي لاجئة في مدينة الناصرة داخل أراضي 48 منذ تهجيرها.
تستعين أم همام بذاكرتها الخضراء لاستعادة بعض ملامح المدينة وتجاربها فيها خلال طفولتها، فتقول إنها كانت تمتاز بوفرة مواقع التنزه والترفيه، كالحمامات، والحمّة، وجنينة البلدية، وسواحل البحيرة الساحرة، وتنّور أيوب في شاطئ الطابغة شمال طبرية. كما تقول، إن المرة الوحيدة التي عادت فيها إلى طبرية كانت عندما طلب منها طبيبها الاستحمام في المياه المعدنية في حمامات طبرية التاريخية طلبا للاستشفاء.
وفتحت الزيارة شريط الذكريات لدى أم همام: «وفعلا ذهبت إلى هناك، فتذكّرت زياراتنا للحمامات في طبرية قبل اغتيالها في النكبة، خاصة أيام الأحد، يوم كانت النساء يذهبن مع أولادهن ومع الطعام للاستحمام والترفيه طيلة يوم الأحد، وكانت الأكلة الشعبية يوم الأحد في طبرية هي المجدرة». وتتفق أم همام مع ما قاله أبو زهير القهوجي في مجال الغذاء: «أما الأكلة الطبرانية التراثية المميّزة فهي الكوكليس: السمك المطحون. كل ذكريات الحياة الحلوة في طبرية تحضرني، لكن أكثر ما يهيمن على ذاكرتي مأساتها، خاصة مشاهد إسناد الإنكليز لليهود علينا، يوم قتلوا العشرات من شبابنا. وأتحسّر على البحيرة، وعلى المدينة التي كانت عالما عامرا، وعلى الجيرة، وعلى كل شيء. طبرية كانت وستبقى عروس الأغوار، مع كل الحب لشقيقتيها بيسان وأريحا».
*أي موقع في طبرية كنتِ ترغبين في زيارته لو اصطحبتِنا اليوم إلى هناك؟
ـ دارُنا… يراودني حلم بأن أفتح الباب «لا شور ولا دستور»، أدخل المنزل، وأستريح على سريري داخل غرفتي، حيث طفولتي وأحلامي الأولى، دون استئذان المستوطنين الصهاينة فيه. في المرة السابقة، قبل ستة عقود، كنت طالبة في الصف التاسع، خلال خمسينيات القرن الماضي، عندما ذهبنا ضمن رحلة مدرسية إلى طبرية، وهناك وجدتُ نفسي مندفعة نحو بيتنا، فأدهشتني حالته البائسة، وطيور الدجاج قد ملأت جنباته. استقبلتني سيدة يهودية مستوطنة في البيت بوجه عابس، وبعين واحدة، حيث بدا أن الثانية قد اقتُلعت من مكانها، طردتني بصوت عالٍ، وبكل وقاحة، فبقيت حزينة طوال النهار. ومنذ ذلك الحين لم أعد إليه، وحتى أحفادي، رغم حبي الكبير لهم، لا أرافقهم إلى طبرية، لأن زيارتها تُكهربني وتصعقني أمام مشاهد استيطان الإسرائيليين في بيوتنا.
ما زالت في ذهني صورة السيدة اليهودية التي صرخت في وجهي كالثور الهائج عندما عرفت أنني بنت العائلة صاحبة البيت، قبل أن يأخذني بسرعة المعلم الذي لحق بي وقتها وهو يقول: «تعالي يا بنتي، لا نريد مشاكل».