المُؤسِّس والهمجي: مَنْ هو «صاحب السيادة»؟

يشغل تعبير «صاحب السيادة» Souverän مكانة مهمة في النظرية السياسية المعاصرة، خاصة في الطروحات الناقدة لليبرالية، وللنظريات التعاقدية في تفسير السلطة السياسية والقانون، إذ إن الحديث عن «عقد اجتماعي»، أو أنماط من التوافق وإيجاد المشتركات بين البشر المتعددين، يبدو فكرة ساذجة، حسب تلك الطروحات، فيما «السيادة» الفعلية هي القدرة على فرض القوة والهيمنة الأيديولوجية، على مساحة محددة من الأرض، ومَنْ عليها من سُكان.
ومن كتابات جان بودان في القرن السادس عشر، حول ضرورة المَلَكيّة المطلقة، وحتى نظرية كارل شميت في القرن العشرين عن «حالة الاستثناء»، التي اعتبر القدرة على فرضها من أهم سمات «صاحب السيادة»، لا مكان للافتراضات غير المثبتة، وضد السياسية في العمق، التي تتخيّل تعاقداً حراً بين الحاكم ومحكوميه الكُثر، حدث في زمن ما، أو تم ادعاؤه عبر سرد تاريخي ملفّق، بل توجد قوة استطاعت حسم معركة معيّنة، وأنتجت سلطاتها ومؤسساتها وقوانينها وسردها. ولا تجسيد أفضل للقوة من جسد «صاحب السيادة».
بالطبع، لم يكن مفكرون من وزن بودان وشميت مجرّد أنصار بسيطين للاستبداد، بل كانوا أقرب لمفكرين أحرار، على طريقتهم، حاولوا إنتاج نظريات متعمّقة عن المجال السياسي. و»السيادة» بالنسبة لهم أكثر من مجرّد تسلّط أو عنف محض، يشنّه الحاكم على المحكوم، بل قوة منتجة، ليس فقط للدول والحكومات، بل أيضاً للمجموعات والشعوب، ومفهومها عن الذات، وإدراكها لموقعها في العالم، وتجاه الآخر. العلاقة مع «صاحب السيادة» هنا ليست مجرّد خضوع أو تبعيّة، بل هي عامل تأسيسي في الوجود الاجتماعي للبشر، الذين قد يفقدون من دونه القدرة على تحديد معنى لفظ «نَحنُ»، أي القدرة على إدراك الذات الجماعية. حدّد بودان «السيادة» بوصفها أمراً مُصطنعاً في المدينة، وليست علاقة طبيعية مثل العلاقة العائلية الأبوية، إلا أنها يجب أن تمضي، بإرادة «صاحب السيادة»، وفق القانون الإلهي أو الطبيعي، الذي افترضه بودان، بناءً على الفلسفة المدرسيّة، التي كانت ما تزال مؤثّرة في زمنه، ومن دون تلك الإرادة سيختل القانون الطبيعي في المدينة، التي فقدت أواصرها العضوية والطبيعية؛ أما شميت فرأى «السيادة» أشبه بالمعجزة ضمن سنن الطبيعة، تماماً مثلما تبدو «حالة الاستثناء» معجزة «صاحب السيادة» ضمن القانون المدوّن. «السيادة» هنا هي الشرط المُؤسِّس لإمكانية تحقيق القانون، إلا أنها تتطلّب القدرة على تعليق القواعد والأعراف القانونية، عبر «حالة الاستثناء»، لفترة تطول أو تقصر، أو إلغائها تماماً، لصالح تهيئة الظروف لإنتاج قانون جديد، أي أن «صاحب السيادة» يقبع خارج القانون، ولكنه ينتمي إليه في العمق. وسواء لدى بودان أو شميت، فإن أي حالة تعاقدية مقوننة، لا يمكن أن تُفسِّر نفسها بنفسها، بل تتطلب البحث في ما وراءها، أي في «القوة المُوسِّسة» لها، كما أن إقامة القانون تحتاج «إرادة» أعلى منه. يبدو هذا أقرب لنقاش لاهوتي: هل نُفسّر سنن الطبيعة ومبادئ العقل بإرادة الله، أم أن تلك السنن والمبادئ تحدد «الإرادة» نفسها؟
ربما يجب استرجاع تلك النظريات المعقدة اليوم، وسط التغيرات السياسية الكبيرة التي يشهدها العالم بأكمله، إذ يبدو أن العصر التبشيري لـ»الديمقراطية» و»حقوق الإنسان»، وغيرها من الأنماط التعاقدية، والحقوق التي لا يمكن نزعها، قد انتهى، ودخلنا في مناخ أيديولوجي جديد، يؤكد السيادة، و»الحوكمة القوية»، ويسود فيه حُكّام شعبويون أقوياء، بطموحات سلطوية كبيرة، قد تغيّر عالمنا المعاصر بأكمله، وربما كان المثال الأبرز والأهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
السؤال الذي يجب طرحه في هذا السياق: ما سمات «صاحب السيادة» فعلاً؟ فإذا كانت المطالبة بالديمقراطية قد باتت، على ما يبدو، تنتمي لعصر مضى، فعلينا أن نفهم على الأقل نمط السيادة الذي قد يُفرض علينا، وهل نحن أمام «أصحاب سيادة» فعليين أم مزيّفين؟

علامات السيادة

«صاحب السيادة» لن يترك لك الفرصة لكي تتفحّصه وتوافق عليه، بل سيثبت نفسه من دون أن تشعر، وسيؤسس لك عالماً تسلك ضمن تحديداته، وتفكّر ضمن لغته ورموزه، ويتغلل إلى أعماق لا وعيك، مُشكّلاً فهمك لنفسك. وحتى لو عارضته في البداية، فسيصبح ما أسَّسه «الحسَّ السليم» بالنسبة لك في ما بعد. ربما كانت هذه هي الإجابة المثالية عن السؤال السابق، إلا أنها تحوي بعض الثغرات، من أين يكتسب «صاحب السيادة» كل تلك القدرات؟ سبق للمفكر الفرنسي/اليوناني نيكوس بولانتزاس، السخرية من انتشار هذا التعبير بين معاصريه من المفكرين، واعتباره أقرب لمقولة سحريّة، لا تأخذ بعين الاعتبار البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي تقوم عليها الدول، والتي تجعل ذات «صاحب السيادة» أقرب لتفصيل جانبي، لا يمتلك أهميّة تفسيرية كبيرة. رغم هذا، قد يمكن القول إن «صاحب السيادة»، لكي يمتلك كل تلك السمات العظيمة، يجب أن يختلف على الأقل، عن مجرّد متغلّب أو «قبضاي»، يستطيع أن يهزم الآخرين في معركة، أو مشاجرة، ويسعى إلى تحطيم كل مَنْ يراه في طريقه. نتحدّث هنا عن ذات سياسية مؤسِّسة للقانون نفسه، وهذا يعني أنها يجب أن تمتلك، إلى جانب القوة الفيزيائية، القدرة على قراءة المجتمع، وقواه الأساسية، وصراعاته وأزماته؛ وكذلك القدرة على ابتكار الحلول والتفاوض، بدل اللجوء إلى القوة، حينما يتطلّب الأمر ذلك؛ وبناء الائتلافات الاجتماعية؛ وتقديم خطاب متماسك؛ وربما أيضاً الذكاء الكافي لتعويض بعض الخصوم والأعداء المهزومين، بدلاً من الرغبة في تدمير، أو حتى استئصال الجميع.
السلطة، إذا لم تكن منتجة لأعراف ورموز وقيم ومؤسسات، فستبقى ظاهرة سطحيّة، تأتي وتزول، فيما يستمر المجتمع على تقاليده وسير حياته الاعتيادية، وهذا ربما ما كان سائداً في عصور سابقة، حينما كانت «الدول تدول»، حسب التعبير العربي المعروف، لم تكن الدول آنذاك تدخّليّة في حياة رعاياها، أي لا تقوم بإحصائهم؛ وإعطائهم بطاقات هوية، تمنحهم جنسيّة وصفة المواطنة؛ ولا سياسات حيوية لها، تتعلق بولاداتهم ووفياتهم وصحتهم ومستوى حياتهم؛ ولا تقوم بتعليمهم إلزامياً في مدارسها؛ أو تقدّم لهم إعلاماً جماهيرياً. كل ما سبق، بات في العصر الحديث أساساً لتعريف سيادة الدولة، وبالتالي فإن الدولة الحديثة أكثر من مجرّد عُصبة حاكمة، على رأسها «صاحب سيادة»، تقتحم مدينةً ما، وتستفيد من عمرانها وصنائعها، أو تخرّبهما. تُنتج الدولة في عصرنا المواطنة، أي مجال المساواة النظرية أمام القانون، وبالتالي تقدّم مفهوماً عن «الشعب»، وسرداً يمنح المعنى لوجوده التاريخي، وبذلك تشركه، بشكل أو بآخر، في السياسة، عبر جعله جانباً أساسياً من «الوطنيّة»؛ كما أن الدولة تساهم في صياغة ذوات البشر، بل أجسادهم نفسها، من خلال أجهزتها الأيديولوجية، ومؤسساتها الانضباطية، وقدرتها على التحكّم في مجالات حيوية أساسية، من القانون والاقتصاد، وحتى «الآداب العامة» والثقافة الجماهيرية، بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي. السمة الأساسية لـ»صاحب السيادة» إذن أن يكون مُنتجاً، بالمعنى الأكثر عمقاً للمفردة، وهذا ليس أمراً بسيطاً على الإطلاق، بل عملية اجتماعية وتاريخية شديدة التعقيد، لا تتعلّق فقط بالإرادة المحضة، بل بظروف مركّبة، وبنى متعددة، وتقاليد متراكمة، وبالتالي فلا يمكن لـ»صاحب السيادة» أن يكون همجيّاً، أو لا يجيد سوى العنف والإلغاء، أو منتشياً بالغلبة بشكل أحمق.

علامات الهمجيّة

قد يمكن التعرّف على علامات همجيّة المتغلّب، من إصراره على العنف العاري، وقهر الآخرين، من دون خطاب متماسك، يتسرّب إلى لا وعيهم، ويبرر لهم أوضاعهم، ويُطبّعها في أعينهم. هذا يعني غالباً فشل الهيمنة، والعجز عن بناء التحالفات، وإقامة «نظام»، بدلاً من الفوضى الدموية، التي تتواتر بشكل دوري وعبثي. العجز عن بناء «نظام» سيؤدي إلى تبدّد «صاحب السيادة» نفسه، بوصفه قوة سياسية، في بيئة من الفوضى، وعندها يصعب تمييزه عن أي عصابة، أو ميليشيا مسلّحة، إلا بأن بنادقه أكبر، وذخيرته أكثر. وقد يواجه منافسين متعددين، يسعون بدورهم إلى زيادة عدّتهم وعتادهم. وربما ينجح في سحق طرف ما اليوم، ولكنه سيعجز عن ذلك غداً، مهما كانت قوته ضارية. وأثناء ذلك سينحدر المجتمع نحو مزيد من الهمجية والفقر والرثاثة.في حالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وغيره من الحُكّام الشعبويين الأقوياء، يمكن ملاحظة عمل مؤسساتي وقانوني مهم، للخروج، جزئياً على الأقل، من نظام وقانون قديم، عبر تعطيله، باسم «الشعب» و»الأمة» و»معاداة المؤسسة» و»السيادة»، وفرض نوع من الظروف الاستثنائية، المرتبطة بإرادة الحاكم الشعبوي، وهذا قد يؤسس لنظام وقانون جديد، وعهد آخر من الهيمنة، ما يمكّننا من فهم المعارك التشريعية والثقافية، التي تُخاض اليوم على مستويات متعددة في تلك الدول. ولكن ماذا عن دول أخرى، لا توجد فيها «مادة خام» متينة، قانونية ومؤسساتية وثقافية، للعمل عليها؟ هل يمكن لـ»صاحب السيادة» الخلق من العدم؟ أو «إعادة تربية» مجتمعه من الصفر؟ يبدو هذا ثورياً وتقدمياً للغاية، ولكنه غالباً شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً. وعلينا أن ننظر في القوة التي من المفترض أن تحققه، والتي بالتأكيد ستسعى لإعادة إنتاج المجتمع على صورتها ومثالها. هنالك أمثلة عن طبقات، و»أحزاب حديدية»، أطاحت بعلاقات اجتماعية قديمة، بشكل عنيف، وأسست عالماً جديداً، أقرب لرؤاها، وتنظيمها الداخلي، ومفاهيمها عن الذات؛ وهنالك أمثلة أخرى عن جماعات مسلّحة، أقرب للهمجية، أو للأحلام اليوتوبية، أغرقت مجتمعاتها ببحور من الدم، أو الفوضى اللامتناهية، التي لم توصل لشيء.
ربما يجب التركيز على علامات الهمجيّة، المذكورة أعلاه، وعدم نسيانها أو تجاهلها، لأن النتائج قد تكون كامنة في المقدمات، ولا توجد قطيعة بين المُؤسِّس وما سيقوم بتأسيسه: العاهل قد ينتج مُلكاً قوياً واستبدادياً؛ والشعبوي مفهوماً جديداً عن أمته العظيمة؛ والطبقة الصاعدة نظامها الخاص للهيمنة الطبقية؛ أما العصابة، وإمارة الحرب، فستنشر فوضاها، وإقطاعيات النفوذ الخاصة بقادتها، على مساحات أوسع. وقد يكون هذا موت «السيادة»، لحساب الهمجية.
٭ كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية