لا يحق للعرب أن يتباهوا بإرثهم الحضاري البائد، طالما أن واقعهم المعاصر مليءٌ بالعيوب والشوائب التي تنخرهم حتى النخاع، مثل الأورام السرطانية التي تنهش الجسد وتؤدي به إلى الفشل العضوي المتتابع في كافة أجهزته الحيوية. لا بد من الإعتراف أن عمليات الإنقاذ والإستغاثات من المانحين من أهل الخير وأهل الشر لن تؤدي إلى إيقاف حالة التدهور التي تعيشها الكثير من الدول العربية في كافة قطاعاتها الأساسية، سواء كان ذلك في الإقتصاد أو السياسة أو حتى الحالة المجتمعية المتصدعة، لأن هذه الحلقات المفصلية مسؤولة عن صوغ الهيئة النهائية لشكل الدولة لتظهرها إما في هيئة ضعيفة ومهتزة أو قوية وراسخة. لا بد لنا أن نعترف أننا لا نمتلك أو بالأحرى لا نتبنى منظومة حياتية راشدة ومتزنة قادرة على ضبط إيقاع سلوكنا كأفرادٍ أو كمجتمات على نحوٍ يودي بنا إلى القدرة على الخلق والإبداع الضروريين لمواجهة التحديات والمتغيرات البيئية والعلمية والتكنولوجية التي تعصف بمحيطنا الأممي المتلاطم. كيف يمكننا أن نطل بهاماتنا الضئيلة الغارقة في أوحال الطائفية والإثنية والفئوية الطبقية لندعي أننا قادرون على مجاراة الأمم العملاقة التي تمكنت من تبني ثقافةٍ نجحت في صهر فسيفسائها المتنوعة في بوتقة المواطنة والإنتماء، لتؤدي في المحصلة إلى بلورة الهوية الجماعية المنبثقة عن الإيمان الراسخ بالمصلحة العامة والمصير المشترك. كم هو مرير طعم الإعتراف بأن شعوبنا لن تتمكن من رؤية النور في هذا النفق الذي يستمد ظلمته من عجزها الفاضح عن خلق المناخ الصحي الملائم لتوظيف الطاقات الهائلة الكامنة في ديناميكا الشباب الذي دحره التخلف المجتمعي إلى التسكع على الأرصفة، واجترار اليأس والإحباط، وربما الغرق في غياهب العالم الأكثر سفلية كعالم الرذيلة والمخدرات، ربما من أجل إحالة العقل والوعي إلى غيبوبة الإدمان والنسيان هرباً من الأمر الواقع المرير. هذا بالنسبة للفئة التي طحنتها الفتنة، وادت بها إلى الولوج في معسكر الهدم الذاتي من الداخل عوضاً عن أن تكون ذراعاً لشعوبها. الأمر الأكثر مرارة يتمثل في الفئة التي أظهرت صلابة في مواجهة المأساة ولكنها اّثرت البحث عن خيارات بديلة وراء اّفاق بعيدة لتجد لها ملاذات اّمنه وواعدة عند شعوبٍ أخرى بعد أن وصلت إلى قناعات مريرة أملاها الواقع الأمَرّ الذي تعيشه شعوبهم حتى أوصلتهم إلى نتيجة مفادها أن المكان الذي شاءت الأقدار أن يولدوا فيه ليس على شيء. وعليه يقومون بحزم ما يمتلكون من أمتعة العقل والمواهب ويشدون الرحال إلى حيث أي شيء ربما إلى مكانين وزمانين جديدين غير هذا المكان والزمان الذي تسمر اهلهم فيهما دون أي إحساسٍ بعجلة هذا الزمان الذي ينحت المكان ويغير الكثير من فحواه ومحتواه. من البديهي إذاً أن تتحول شعوبنا إلى مناجم تستخرج منها الأدمغة التي تمثل زبدة العقل الشرقي الذي كان من المفترض أن يقود عجلة الأمة لإخراجها من سقطتها التاريخية المدوية، وليقوم عوضاً عن ذلك بالمساهمة الفعالة في زيادة إثراء النبوغ لدى تلك الأمم التي تمكنت من المحافظة عل جاذبيتها الفائقة لتبقي على هذه الروافد النوعية من المكونات الإبداعية المتجددة. هل نحن حقاً أمةً؟ أم حطام أمة؟ أنا مقتنع بأن حلقة في السلسلة قد قطعت وأدت إلى انفصال الماضي عن الحاضر ليبقى الحاضر الذي نعيشه في حالة احتضار وقد حيل ما بينه وما بين المستقبل الذي يبدو أنه يسير بسرعة فائقه ويرفض انتاظار من هوى في حفر الإنهدام التاريخية كما هو الحال عند شعوبنا وبعض الشعوب الأخرى. أنا على يقين بأن هذه الأمة قد انسلخت فعلاً عن ماضيها الذي كانت له إضاءات مشرقة في تاريخ الحضارة البشرية، واختارت أن تتحنط معه عند نقطة الزمن الذي توقف فيه، لتفقد القدرة على مواكبة التغير السريع في الوسائل والاّليات المتجددة التي اصبحت تستعمل لتحقيق التطلعات السامية المشروعة التي نادى بها وقام من أجلها. هذه الأمة قد اكتفت باقتناء صورته الشكلية ليتحول عند البعض إلى مجرد رداءٍ وذقن وبعض الطقوس، وتم إهمال الجوهر المتمثل بالعقيدة الراسخة والعقلية المستنيرة الجبارة التي تمتع رواده بها وهم يسبرون أعماق بحار المعرفة ويضربون أروع الأمثال في المثابرة والصدق والإخلاص. لقد نسينا أننا عندما قمنا بتحنيط تلك الحقبة من تاريخنا، بأننا قمنا بتحنيط أنفسنا معها، ليعبر عنا الزمن دون أن يعبر بنا، فاتسعت الفجوة وبعدت الشقة وتغربنا عن أمسنا وعن يومنا، بينما عجلة ما نسميه نحن بالمستقبل قد أصبحت ماضٍ غابرِ بالنسبة للشعوب الأخرى التي ركبت قطار الزمن ولم تعلق بمتحف الحضارات مثل الشعوب التي أصبحت هي نفسها من محتوايات متاحفها التي تعج بالمحنططين والمحنطات.. لا أظن أن زمن المعجزات قد انتهى.. أو لعلي أتمنى أن لا يكون كذلك. زياد علان العينبوسي – نيويورك