الدوحة ـ «القدس العربي»:عكست الزيارة التي قام بها دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية للدوحة المكانة التي تحتلها قطر في مجال الوساطة الدولية، وسلطت الضوء أكثر على جهود إرساء دعائم السلام، ومحاولاتها تفكيك الألغام التي تعصف بالاستقرار في المنطقة، وهو ما أعلنه زعيم البيت الأبيض في أكثر من مناسبة.
وقبل أن يغادر ترامب الدوحة متجهاً نحو الإمارات العربية ضمن جولته الخليجية، ألمح إلى اقتراب الإعلان عن تطورات إيجابية في ملفات دولية، قائلاً: «أعتقد أن لدينا بعض الأخبار الجيدة». وربط المتابعون مباشرة بين تلك التصريحات التطمينية، وبين تأكيده أثناء الزيارة على المباحثات المثمرة التي أجراها في قطر، وحديثه عن سوريا وإيران، إضافة لغزة التي كانت محل اهتمام مرافقيه.
وأشاد الرئيس الأمريكي مراراً بالجهود القطرية، حيث جاءت تصريحاته في سياق حديثه عن جهود السلام التي تبذلها الدوحة، مضيفًا: «نعمل على تحقيق السلام ليس في هذه المنطقة فقط، وأعلم أنكم تلعبون دورًا كبيرًا في مساعدتنا بمناطق أخرى». وكشفت مصادر دبلوماسية في العاصمة الدوحة، أن البيت الأبيض سجل تفاعلاً إيجابياً في محادثاته مع الديوان الأميري القطري، وحدث نوع من التقارب والتنسيق بشأن إيجاد تسويات لأزمات المنطقة، وحلحلة الخلافات. وإذا كان ترامب لم يفصح عن تفاصيل اللقاء الخاص الذي جرى في الديوان الأميري، ولا الملفات التي تمت مناقشتها، إلا أن المصادر أكدت أنه تم استعراض الجهود الرامية لوقف الحرب الإسرائيلية على غزة، وعودة المحتجزين من تبقى منهم من الأحياء وجثامينهم، وخصوصاً وأن المستشارين الخاصين لترامب للشرق الأوسط وملف الأسرى والرهائن، أجروا لقاءات مكوكية في العاصمة القطرية الدوحة. وعقدت في مواقع مختلفة لقاءات شملت حتى قيادات مقربة من المقاومة الفلسطينية، وبعض الزعامات، من أجل جسر الهوة بين مختلف المقترحات والاتفاقات التي يتم مناقشتها.
وقبل أن يصل موكب الرئيس الأمريكي إلى مطار حمد الدولي، كانت الدبلوماسية القطرية تتحرك بحيوية، لمتابعة سير اجتماعات الوساطة التي ترعاها، بوجود فرق فنية إسرائيلية، تحاول لملمة تفاصيل الاتفاقات التي تعرض على رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو الذي يساوم حتى الآن، ويمضي في نهجه المعتاد واستكمال حرب الإبادة على القطاع دون تحقيق أي تقدم في المجال.
وإلى جانب الجهود المبذولة من الدوحة في مجال الوساطة لإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، شغلت القضايا والملفات الدولية الأخرى حيزاً من النقاشات التي دارت بين الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ودونالد ترامب، في الجلسة الثنائية التي عقدت في الديوان الأميري. وكشفت مصادر أن اللقاء كان يفترض أن يمتد لساعة واحدة، لكنه طال لساعتين، لاستكمال المناقشات حول عدد من القضايا. وشملت المباحثات التي جرت، الحديث عن إيران وملفها النووي، والوساطة التي ترعاها سلطنة عُمان في مسقط، بين طهران وواشنطن. كما تحدث الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عن سورياً وتطورات ساحتها بعد إعلان البيت الأبيض إلغاء العقوبات التي كانت مفروضة على دمشق، وتحديداً قانون قيصر. وتعول الدوحة على قرار إلغاء العقوبات الأمريكية للمضي في مشاريع دعم سوريا. وتبادل الشيخ تميم ودونالد ترامب، تفاصيل الحديث حول اليوم التالي لقرار إلغاء العقوبات على دمشق. وتعد قطر من أكثر الدول دعماً لسوريا منذ الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد المخلوع. وتعهدت قطر بتقديم دعم مالي للشعب السوري الذي عانى من العقوبات بسبب نظام بشار الأسد المخلوع. وسبق أن تقدّمت دولة قطر بمبادرة لتغطية رواتب القطاع العام في سوريا، في خطوة اعتبرت نقطة تحوّل في مسار تعافي الاقتصاد السوري بعد عقود من الفساد و14 عامًا من الصراع المتواصل. وتُعد المبادرة القطرية أول ضخّ مالي خارجي مباشر لصالح الحكومة السورية الجديدة، في ظل ظروف مالية حرجة تشهدها البلاد، وتدهور كبير في مستوى الرواتب والخدمات العامة. وسبق أن أعلن وزير المالية السوري محمد يسر برنية عن تفاصيل المنحة، موضحًا أنها تبلغ 29 مليون دولار شهريًا، وتمتد لثلاثة أشهر قابلة للتمديد. وتُصرف المنحة القطرية للعاملين في قطاعات الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية، بالإضافة إلى المتقاعدين من غير العسكريين، كما أنها ستغطي نحو خمس إجمالي فاتورة الرواتب الحالية. وأثناء الاجتماعات التي عقدت في الديوان الأمريكي تناقش عدد من المسؤولين التقنيين سبل ضمان ترجمة قرار إلغاء العقوبات الأمريكية، على سوريا واقعياً. وبسبب التطور الحاصل كان الملف السوري نقطة هامة في جدول أعمال زيارة الرئيس الأمريكي لقطر. وتعكس زيارة الرئيس الأمريكي لقطر، اهتمام البيت الأبيض بالدوحة، التي تعبر حليفاً استراتيجياً لواشنطن، وخصوصاً وأن قطر أدت أدواراً محورية في المنطقة.
النووي الإيراني ونزع فتيله
تراهن قطر منذ سنوات على التوصل لاتفاق سلمي ينهي الخلاف القائم بين جارتها إيران والدول الغربية، على ضوء التحديات التي يفرضها برنامجها النووي، المثير لمخاوف العديد من العواصم. وتؤكد القيادة القطرية في العديد من المناسبات، أنها تهدف إلى التوصل لاتفاق شامل ينهي الصراع في المنطقة، وتحديداً من خلال تجاوز العقبات التي يفرضها النووي الإيراني. وتؤكد القيادة القطرية في مختلف المناسبات، أن السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار في المنطقة، هو عبر الجلوس لطاولة المفاوضات، وتحديداً في أزمات خطيرة مثل التعاطي مع ملف إيران النووي. وأكد ترامب في تصريحات صحافية متداولة: «إيران محظوظة جدا لوجود الأمير (الشيخ تميم بن حمد) لأنه في الحقيقة يقاتل من أجلهم، لا يريدنا أن نقوم بضربة وحشية ضد إيران، ويقول إنه يمكن التوصل لعقد صفقة، حقيقة هو يقاتل وأعني ذلك حقا». ويكشف هذا التصريح مدى جدية قطر في التزامها بالنهج الدبلوماسي لحل الأزمات، وتحديداً مع إيران، التي تشارك دول الخليج حدوداً مباشرة. وتابع ترامب قائلا: «أعتقد أن على إيران تقديم شكر كبير للأمير لأنه يقاتل كثيرا، وهناك الكثير من الأشخاص الذين يريدون أن أذهب بالطريق الآخر (الضربة العسكرية) ويقولون فقط أنهي الأمر لأنه لا يمكن لأحد هزيمتنا، فنحن أقوى جيش في العالم بفارق كبير عن الصين وروسيا وأي أحد». ويكشف التصريح العفوي الذي أدلى به ترامب، الذي لا يلتزم كثيراً بمبدأ التحفظ مقارنة بالسياسيين المتمرسين، ما يجري في الكواليس من جهود قطرية لنزع فتيل الأزمة مع إيران، والسعي لتلافي انجرار المنطقة لحرب مدمرة. وعكس التصريح أيضاً نهج الدوحة الذي يركز على الحوار بدل التصعيد. وإن كان ترامب لم يسم الأطراف المعنية بشحذ السكاكين لإطلاق صواريخ أو طائرات نحو طهران، وإن كانت معروفة إقليمياً، فأنه أكد ما يردد في الكواليس من أن قطر فعلاً تسعى للنهج التصالحي بدل الصدام مقارنة بالعديد من الدول التي ترغب في جر المنطقة لأتون حرب مدمرة. تشدد قطر في مناسبات مختلفة على دعمها الكامل لمساعي إحلال السلام، حيث أشار الشيخ تميم بن حمد آل ثاني إلى أهمية التعاون مع واشنطن، بقوله: «جميعنا يريد إحلال السلام، ونأمل أن يتحقق ذلك هذه المرة، أعلم أنك رجل سلام ويمكننا العمل معًا في الشرق الأوسط أو حتى في ملفات أخرى كالسلام بين روسيا وأوكرانيا». كما أكد أمير قطر خلال لقائه الرئيس الأمريكي على مضي بلاده في مساعي السلام، وسعيها الحثيث لإيجاد تسويات لأزمات المنطقة. وفي مناسبات مختلفة شدد أمير قطر على انغماس الدوحة الكامل في مسار السلام، وهو ما تمخض عنه تجاوز العديد من العقبات في الأزمات الدولية، وانخراط الدبلوماسية القطرية للتوصل لحلول مستدامة. كما انتقد الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري مواصلة سلطات الاحتلال الإسرائيلي قصف مناطق غزة، بينما ترسل وفوداً للتفاوض في الدوحة. واعتبر المسؤول القطري الأمر بمثابة رسالة سلبية تعيق سير عملية التفاوض والوساطة التي تجريها بلاده بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني. واعتبرت قطر إطلاق سراح المحتجز الإسرائيلي الأمريكي عيدان ألكسندر «إنجازاً يساعد في إعادة المفاوضات إلى مسارها الصحيح، لكن للأسف، كان رد فعل إسرائيل على ذلك القصف في اليوم التالي، مع إرسال الوفد». وعبر رئيس الدبلوماسية القطرية عن تراجع سقف التوقعات بشأن إحراز تقدم قريب في المفاوضات التي تتوسط فيها الدوحة، بشأن قطاع غزة، لافتا إلى أن ما تقوم به تل أبيب من تصعيد: «إشارة سيئة»، من خلال مواصلة القصف على قطاع غزة بالتزامن مع إرسال وفد للمفاوضات. وتحدث الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني عن الوساطة التي تجريها الدوحة، مشيراً إلى أن الفرق القطرية، «تتواصل مع الطرفين، وتأمل أن تشهد بعض التقدم، ثم استدرك: «لكنني لست متأكداً، من أن هذا التقدم سيكون قريبا في ظل استمرار هذا السلوك».