غزة ـ «القدس العربي»:في صباحٍ ملبدٍ برائحة البارود، وقفت الشابة إيمان صقر، ذات الواحد والعشرين ربيعًا، على أطلال الحياة التي كانت. فقدت أخاها الوحيد في غارة جوية استهدفت الدوار الغربي ببيت لاهيا، بينما كان في طريقه لإحدى مخيمات الإيواء بمدينة غزة. كانت كلماتها المتقطعة كافية لرسم مأساة شعب بأكمله: «لا، سيبوا أخوي حبيبي قلبي، حملته ويوجد فيه نفس، اسعفوه»، تصرخ وهي تحاول الوصول إلى جثته الهامدة النازفة مجددًا، بينما يمنعها الحضور.
توضح إيمان، بعيون غائرة ومفجوعة، كيف باغتتهم الطائرات: «استهدفونا وإحنا رايحين على غزة. وقف ونزل من السيارة يسكرها علينا، سألني: أنتِ بخير يا أختي؟ قلت له: أي بخير يا أخويا. ما لحقت أكمل، قصفونا كمان مرة. مات».
تكمل الشابة الحزينة شهادتها قائلة لـ«القدس العربي»: «كان دايمًا يضحك، يحب الأطفال، ويحلم يفتح محل حلويات يفرّحهم. اليوم صار جسده حلوى محترقة في جنازته». يتبدى في صوتها انكسار غزة كلها، لا مجرد فتاة فقدت شقيقها. ولا تغيب عن وجهها تعابير صدمة الموت والفقد، التي تتوزع بين الغزيين منذ أكثر من عام و7 أشهر.
شهد يوم الجمعة والسبت الماضي تصعيدًا غير مسبوق من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة. ووفقًا لتقارير ميدانية وحقوقية وتوثيق «القدس العربي»، استشهد أكثر من 150 فلسطينيًا، بينهم أطفال ونساء، في محافظة شمال غزة خلال أقل من 12 ساعة.
استهدفت الغارات الجوية والمدفعية الإسرائيلية ما لا يقل عن عشرة منازل في تل الزعتر بجباليا وحي السلاطين في بيت لاهيا، ما أدى إلى تدميرها بالكامل فوق رؤوس قاطنيها. تشير التقارير إلى أن أكثر من نصف الضحايا ما زالوا تحت الأنقاض، بسبب عجز فرق الإنقاذ عن الوصول إليهم في ظل انعدام الإمكانيات.
توثق التقارير أن عشرات الجثامين تكدّست في أروقة مستشفيي الإندونيسي والعودة، في مشهد يعكس الانهيار الكامل للمنظومة الصحية. وتزامنًا مع القصف، توغلت القوات الإسرائيلية من محورين شمال بيت لاهيا وشرق جباليا تحت غطاء ناري كثيف.
وشهدت الساعات التالية لحظة انفجار إنساني مؤلم، إذ بدأت حركة نزوح موسعة لعشرات الآلاف من السكان باتجاه مدينة غزة وجنوب القطاع. امتلأت الشوارع بعائلات تحمل أطفالها على الأكتاف، وأكياس بلاستيكية تحتوي ما تبقى من حياتهم. نُصبت خيام مؤقتة على عجل على جوانب الطرق، وتحولت المدارس القريبة من غزة ودير البلح إلى ملاجئ مكتظة.
شهادة محمد عطا الله، أحد سكان بيت لاهيا، تُجسد هول اللحظات: «أول ما نزل الصاروخ على بيت جيراننا، خرجت أركض على صوت صراخ الأطفال. شفت أم ماسكة بيدين ولادها المقطعين، وهي تحاول تلمهم من بين الركام. ما في إسعاف، ما في دفاع مدني، إحنا اللي بنحاول نلملم الجثث».
يكمل محمد لـ«القدس العربي»: «المنطقة كلها كانت بتغلي نار، ما بتلحق تطلع حدا من تحت الأنقاض إلا وقصف تاني بينزل بنفس المكان. حتى الطريق للهرب صار فخا، كل شارع عليه قصف أو كمين ناري من الجو. الناس ما بين موت بالبيوت وموت على الطرق».
وحسب صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، فقد وصلت كثافة القصف الإسرائيلي على قطاع غزة إلى مستويات غير مسبوقة، بمعدل ضربة جوية واحدة كل أربع دقائق. وتشير ذات المصادر إلى أن وتيرة الهجمات الحالية تفوق حتى تلك التي سبقت الاجتياح البري في أكتوبر 2023، ما يعكس تصعيدًا لافتًا في شراسة العمليات العسكرية.
تواصلت الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة يوم السبت 17 ايار/مايو الجاري، مستهدفة خيامًا تؤوي نازحين في محيط مستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح، ما أسفر عن إصابات متعددة. كما سُمع دوي انفجارات متتالية جراء القصف المدفعي شرقي بلدة القرارة في خان يونس.
وتؤكد مصادر طبية لـ«القدس العربي» أن إحدى الغارات أسفرت عن إصابة خمسة أشخاص، بينهم طفلة وفتاة وامرأة حامل، داخل خيمة قرب أبراج طيبة. كما استُهدفت مناطق بيت لاهيا تل الزعتر مجددًا، بواسطة الروبوتات المتفجرة، ما أدى إلى تدمير واسع وتهجير مئات العائلات.
في شهادة للمواطنة أم ناصر الزعانين من منطقة تل الزعتر، توضح: «تعودنا ننام على الأرض، لكن هالليلة حسيت إن الأرض نفسها بتشتعل. شفت النار طالعة من خيمتنا، وجوزي كان واقف جنب الباب. لما طلعته، ما كان عنده إلا شظايا بكل مكان بجسمه».
تكمل باكية خلال حديثها لـ«القدس العربي»: «هربنا من بيت لبيت، من شارع لشارع، وفي الآخر، لاقونا. ما في مكان آمن. حتى الخيام اللي قالوا عنها مناطق إنسانية صارت مقابر جماعية».
يروي محمد سليم، أحد سكان حي الدرج في مدينة غزة، تفاصيل نجاته وعائلته من الحصار: «خرجت الآن رفقة عائلتي من فم الموت. قصفوا منزل جيراننا وقُتلوا جميعًا، ثم أطلقت المدفعية قذائف تجاه بيتنا. كنا محاصرين بالنار والشظايا».
ويوضح لـ«القدس العربي» أنه حاول الخروج للمرة الأولى ففتحت طائرات الكواد كابتر نيرانها تجاههم: «رجعت فورًا، لكن القصف ازداد. لما حاولت الخروج مرة ثانية، اصطدمت سيارتي بكومة من الركام، وقُصفت المدفعية الشارع على بعد أمتار. شعرت أننا نودع الدنيا».
يختم شهادته قائلاً: «كان الفاصل بين نجاتنا وموتنا بضع دقائق فقط. خرجت ومعي زوجتي وأطفالي الأربعة من طريق فرعي لم أكن أعرفه. كل لحظة كانت تحديًّا للبقاء على قيد الحياة».
ورسميًا، أعلن جيش الاحتلال عن إطلاق عملية عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة تحت اسم «عربات جدعون»، تهدف إلى هزيمة حركة حماس وتأمين إطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين.
تشمل الخطة احتلالًا كاملاً ودائمًا لأراضي غزة، مع تهجير داخلي لمعظم السكان من الشمال إلى مدينة رفح في أقصى جنوب القطاع، وتقديم مساعدات إنسانية تحت تأمين الجيش.
وتشير التقارير إلى أن هذه العملية تمثل تحولًا في الاستراتيجية الإسرائيلية، حيث تهدف إلى السيطرة الكاملة على القطاع، مع نقل السكان إلى مناطق محددة، وتقديم المساعدات الإنسانية تحت إشراف الجيش.
وقد أثارت هذه الخطة انتقادات واسعة من قبل منظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي، حيث تُعتبر محاولة لفرض واقع استيطاني جديد في غزة، وتثير مخاوف من تفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع.
يصف الناشط الفلسطيني، أحمد النجار، الوضع في شمال غزة قائلاً: «يستغل الاحتلال جنح الليل لتقدم آلياته في مناطق شرق جباليا وغرب بيت لاهيا. لا يوجد سوى عدد محدود من الصحافيين داخل مستشفى الإندونيسي، بينما آلاف النازحين في مناطق بيت حانون وتل الزعتر لا نعرف عنهم شيئًا».
يقول النجار لـ«القدس العربي» إن الاحتلال يحاصر الكلمة كما يحاصر الأجساد، ويكمل بقوله: «شمال غزة يُباد في العتمة، هكذا يريد الاحتلال: إبادة في الظلام وبعيدًا عن عدسات الإعلام».
قال المدير العام لوزارة الصحة في قطاع غزة، منير البرش، إن القطاع يشهد مجازر مروعة ترقى إلى مستوى التطهير العرقي، أسفرت عن استشهاد 250 مواطنًا خلال 36 ساعة.
يوضح البرش لـ«القدس العربي» أن أكثر من 150 مصابًا وصلوا إلى مستشفيي العودة والإندونيسي شمالي القطاع، مؤكدًا أن الاحتلال يستخدم أسلحة متطورة ومحرمة دوليًا. وأضاف: «رصدنا زيادة في عدد الأجنة المشوهين نتيجة استخدام الاحتلال لهذه الأسلحة».
أشار البرش إلى أن الاستهداف الممنهج للمنشآت الصحية يهدد بانهيار القطاع الطبي، قائلاً: «نواجه نقصًا حادًا في الكوادر والمستلزمات الطبية. حتى الماء والصرف الصحي يشكّلان عبئًا خطيرًا على صحة السكان». وأصدر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بيانًا أكد فيه أن إسرائيل تصعّد إبادتها الجماعية في قطاع غزة عبر واحدة من أوسع الهجمات وأكثرها فتكًا منذ بدء العدوان. وأوضح البيان أن الاحتلال يعتمد سياسة الأرض المحروقة، ويدمر ما تبقى من أحياء وبنية تحتية.
ويوضح أن ما يجري في شمال غزة يهدف إلى القضاء على مقومات الحياة وإفناء السكان الأصليين، تمهيدًا لفرض واقع استعماري بالقوة.
ويؤكد المرصد أن استشهاد أكثر من 115 فلسطينيًا في شمال غزة خلال ساعات قليلة، مع تدمير ممنهج للمنازل والبنية التحتية، يندرج في إطار جرائم حرب، تستوجب تدخلًا دوليًا عاجلًا لوقف هذه الإبادة المنظمة.
وفي ظل صمتٍ دوليٍّ فاضح، يواصل الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب مجازر جماعية بحق المدنيين في غزة، بدون أن يُحاسب أو يُردع. لم تعد الصور وحدها كافية لشرح المأساة، بل باتت الكلمات تعجز عن نقل ثقل الألم على الأرواح. أمام كل بيتٍ مدمر، وكل خيمة مشتعلة، وكل طفلٍ ينظر للسماء بخوف، ترتسم ملامح جريمة مستمرة، تكتب تفاصيلها غزة بالحبر والدم. فما الذي ينتظره العالم بعد؟ أن تجف غزة من ساكنيها؟ أن يُمحى الحبر ويُراق الدم حتى لا يبقى سوى الصمت؟