دمشق ـ «القدس العربي»: رحب الجناحان الرئيسيان للقوى الكردية الناشطة في شمال شرق سوريا، «قسد» و«المجلس الوطني الكردي»، بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفع العقوبات عن سوريا.
و اعتبر ممثل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا الى دول الخليج العربي سيهانوك ديبو أن الأمر سينعكس إيجابا على عموم سوريا بما فيها طبيعة العلاقة بين واشنطن والإدارة الذاتية، موضحاً أن تشديد رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع عبر خطابه الأخير على وحدة أراضي الدولة وعدم السماح بتقسيم البلاد «غير موجّه لنا»، مؤكدا أن الحل في سوريا يكمن في دولة لامركزية اتحادية، ومطالبا بحوار وطني جديد، وبتعديل للإعلان الدستوري وبتوسيع للحكومة الحالية. فيما طالب المتحدث الرسمي باسم «المجلس الوطني الكردي» فيصل يوسف، الحكومة في دمشق بالاستفادة من فرصة رفع العقوبات بترسيخ أسس الحكم الرشيد، موضحا أن القرار الأمريكي يشكل مدخلاً لعملية سياسية شاملة وفق روح وجوهر القرار الدولي 2254.
مسارات فاعلة
وقال ديبو رداً على أسئلة «القدس العربي»: «إننا «نقيم إيجاباً قرار الرئيس ترامب إيقاف العقوبات على سوريا، وبالرغم من أن الفرق يُذكر بين رفع العقوبات ووقفها أو تجميدها والتي تتجدد كل ستة أشهر، ونعلم أيضاً بأن رفع العقوبات بشكل كلي يلزم تنسيقا بين مؤسسة الرئاسة والكونغرس».
واعتبر الإشارة إلى عودة العلاقات بين واشنطن ودمشق في مرحلتها الانتقالية الحالية «خطوة جيدة وتنعكس إيجاباً على كامل سوريا، ومن المتوقع أن تتجلى بمردود إيجابي على الإدارة الذاتية التي تحظى قواتها «قوات سوريا الديمقراطية- قسد» بعلاقات وثيقة معها لأكثر من عشر سنوات ضد الإرهاب».
وأضاف: «من المهم أن تنعكس عودة العلاقات الثنائية بين دمشق وواشنطن بقوة على العلاقة بين واشنطن والإدارة الذاتية وتنقلها إلى مسارات أكثر فاعلية، سياسية كانت أو غيرها من دون حصرها في المسار العسكري فقط».
وعن أثر المواقف الأمريكية على طبيعة وتطور العلاقة بين الكرد ودمشق، قال ديبو: «من المفترض ألا نسمع من أي جهة كانت، أن قسد» تستقوي بواشنطن الحليفة، ومن المؤكد أننا سنسمع عن تواصل للإدارة الذاتية وانفتاحها مع مختلف بلدان المنطقة، وسيكون من الجيد أن يحظى طرفا الحل السوري، الإدارة الانتقالية والإدارة الذاتية، اللذان يربطهما اتفاق 10 اذار/ مارس الماضي، بالأصدقاء الإقليميين والدوليين أنفسهم، وكلما كبرت هذه الدوائر، من المفترض أن تصغر مساحات الاختلاف»، مشيراً إلى أن «هذا الشيء ينطبق نوعاً ما على الإدارة الذاتية أيضاً وخاصة في حال استطعنا أن نكوّن علاقات متوازنة مع أنقرة بعد الخطوات المتماسكة البناءة التي اتخذها القائد الكردي عبد الله أوجلان، فذلك أيضاً سيترك تأثيرات إيجابية على العلاقة بيننا وبين دمشق».
وزاد: «تربطنا علاقات مهمة مع أمريكا وفرنسا وعموم التحالف الدولي، وهي علاقات أخذت أبعاداً إنسانية في مقارعتنا ضد «داعش»، ولا نتحدث عن الكرد فقط، إنما عن جميع المكونات السورية في الإدارة الذاتية، من دون أن ننسى الأدوار الإيجابية التي قامت بها واشنطن ومبادرة الجنرال مظلوم عبدي في التقارب الكردي ـ الكردي الذي نجم عنه عقد الكونفرانس الكردي في 26 نيسان/ ابريل الماضي»، موضحاً أن «الحوار الكردي – الكردي، كجزء مهم من الحوار السيادي السوري، كان ناجحاً ومن المفترض أننا في اللحظات الأخيرة من تشكيل وفد كردي مشترك سيتوجه إلى دمشق».
ندعم خطاب الشرع
وعما إن كان تشديد الرئيس الشرع في خطابه الأخير على وحدة البلاد وعدم السماح بالتقسيم موجها إلى الكرد والأصوات المطالبة بالفيدرالية، سواء في الساحل أو محافظة السويداء، قال ديبو: «بخصوص خطاب الرئيس الشرع وتحديداً الجزء المتعلق منه في عدم السماح بتقسيم البلاد والتشديد على وحدة البلاد، نحن على يقين تام بأننا غير معنيين به، وهو غير موجه لنا بالأساس؛ لذلك ندعمه في هذه الجزئية، والجميع يعلم بأن الإدارة الذاتية من أكثر الجهات التي حافظت على السيادة السورية وقدمت في سبيلها نحو 35 ألف شهيد وجريح ومعوق حرب».
قيادي في «الإدارة الذاتية» لـ«القدس العربي»: حديث الشرع عن مواجهة التقسيم غير موجّه لنا والحل بدولة لامركزية
وتابع: «نزيد على ذلك أن السوريين كلهم معنيون بإبعاد شبح التقسيم والتفتيت في السويداء وفي الساحل وفي شمال وشرق سوريا، وليس فقط في دمشق، ونعتقد بأن الحل يكمن في تأسيس دولة لامركزية اتحادية على أساس الجغرافية وليس القومي أو الديني، وضمان الحقوق القومية والثقافية وبشكل دستوري من خلال الاتحادية الجغرافية، ومن غير المنصف القول إن الفيدرالية تؤدي إلى التقسيم، بل على العكس فإنها وكل شكل لامركزي، تعد رافعة تعزز مفهوم دولة المواطنة». وعن تعليقه على ما جاء به الرئيس الشرع بأن «سوريا لكل السوريين»، قال: «نقف إلى جانب كل صوت يدعو لأن تكون سوريا لكل السوريين، ونشدد بأنه يجب اتخاذ خطوات فعلية عملية كي لا نكون أمام أقوال فقط، في مقدمتها: مسمى الدولة من دون أي لاحقة قومية أو دينية، لأن سوريا وحدها تشكل بعداً ثقافياً ووحدة تضمن التنوع وحقوق جميع مكوناتها».
وأضاف: «أن التحديات كبيرة جداً ويلزمنا حوار وطني فعلي جديد، ونقبل بالإعلان الدستوري حين يتعدل توافقياً، والحكومة الحالية الانتقالية يجب أن ينالها التوسع أيضاً».
الحكم الرشيد
المتحدث الرسمي باسم «المجلس الوطني الكردي» فيصل يوسف علق بدوره على ما كان الرئيس ترامب قد أعلنه تجاه رفع العقوبات عن سوريا، وقال: «إن قرار ترامب برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا يُمثّل خطوة إيجابية تصبّ في مصلحة عموم الشعب السوري بعد معاناة طويلة امتدت لسنوات»، مشيراً إلى أن «التجربة أثبتت أن العقوبات، رغم الأهداف التي وُضعت من أجلها واستهدافها للنظام السابق، فقد زادت من معاناة السوريين وفاقمت من أزمتهم الاقتصادية، وهذا ما يستوجب على الحكومة الجديدة الاستفادة من فرصة رفع العقوبات بترسيخ أسس الحكم الرشيد والشفافية والمساءلة وبما يخدم متطلبات المواطنين السوريين ومعالجة معاناتهم اليومية ومختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية».
وبيّن في تصريح خاص لـ«القدس العربي» أنه «وإذ نرحب بأي انفتاح دولي من شأنه التخفيف من معاناة المواطنين، فإننا نؤكد على ضرورة ألا يقتصر هذا الانفتاح على الجانبين الأمني والاقتصادي فحسب، بل أن يكون مدخلاً لعملية سياسية شاملة وفق روح وجوهر القرار الدولي 2254، تُمكّن السوريين من بناء دولتهم المستقبلية على أسس الشراكة الوطنية، وضمان الحقوق المشروعة لكافة مكونات الشعب السوري، وفي مقدمتها الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي».
القضية الكردية
وأكد يوسف أن «المجلس الوطني الكردي» يرى أن «التحولات الجارية في الموقف الأمريكي قد تُسهم في خلق مناخ سياسي أكثر مرونة يتيح إطلاق حوار جدي بين مختلف الأطراف السورية، بما في ذلك الحوار الكردي مع الحكومة الانتقالية في دمشق»، وقال: «نؤكد أن أي حلول سياسية حقيقية لا يمكن أن تكتمل دون إيجاد حل عادل للقضية الكردية، يتجسد في الاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكردي، في إطار سوريا لامركزية، وضمان مشاركته الفاعلة في صياغة مستقبل البلاد على قاعدة المساواة والمواطنة المتساوية». وفيما يتعلق بالجهود الجارية لتشكيل وفد كردي مشترك، للمباشرة بالحوار مع دمشق قال: «إن المجلس الوطني الكردي ووفقا للرؤية الكردية المشتركة حول سوريا وحقوق الشعب الكردي ومن أجل تعزيز فرص نجاح الحوارات المقبلة مع الحكومة الانتقالية في دمشق يعمل من أجل تشكيل وفد كردي مشترك ونتوقع تشكيله بأقرب وقت».
وبشأن ما جاء في خطاب الرئيس الشرع والتشديد على وحدة الأراضي السورية، قال يوسف إن «المجلس الوطني الكردي يجدّد تأكيده على تمسكه بوحدة سوريا، ولم يدع سابقا وراهنا للتقسيم، لكنه يلفت في الوقت ذاته إلى أن هذه الوحدة لا تترسخ إلا إذا بُنيت على العدالة والمساواة، والاعتراف الصريح بحقوق جميع مكوناتها، وفي مقدمتها الشعب الكردي».
وأضاف: «نعتقد بأن مطالب السوريين باللامركزية وصيغ الحكم الديمقراطي المحلي لا تعني بأي حال من الأحوال تقسيم البلاد، بل تعكس إرادة حقيقية في بناء دولة ديمقراطية قائمة على الشراكة الوطنية، وهي مطالب مشروعة تُطرح اليوم من مختلف المناطق السورية»، مشدداً على أن «تجاهل هذه المطالب أو تصويرها على أنها تهديد لوحدة البلاد، لا يخدم الاستقرار الوطني، بل يُعمّق الشروخ المجتمعية، وعليه يدعو المجلس الوطني الكردي إلى إطلاق حوار وطني جامع يُفضي إلى بناء دولة ديمقراطية، تعددية، لامركزية، تحفظ كرامة جميع السوريين وتصون حقوقهم على قدم المساواة».