إضاءة:
ثمّة كُتاب لديهم قابلية مدهشة لابتكار الجماليات «الأدبية» الحقيقية، الجماليات التي لا تطفو على السطح كمستحضرات تجميل مائعة ورخيصة، إنما هي الجماليات التي تحقق «الشرط الأدبي» كما لو كانت الشرط الوجودي للكتابة المنتسبة للأدب، فليس كل ما يُكتب ينتمي للأدب الرفيع المقام كماهي نصوص بورخيس الألمعي وكالفينو صائد النُدرة. في المقال المنشطر انشطار التعدد نقترب من كُنة العوالم البورخيسية شيئا ما، كما ندنو من طبيعة الدافع الأدبي لدى إيتالو كالفينو، في محاولة للتحريض على قراءة نصوصهما الشيِّقة:
1ـ بورخيس النَسَّاج
مهنة غَزْل الأحلام وتخصيب الخيال
علاقة بورخيس أيقونة الأدب العالمي بالأحلام مثل علاقة النساء النسّاجات بالزرابي (السجّاد)، غزل الأحلام ليس مهنة سهلة، هي شاقة كما تشغيل وقود المتخيل المضطرب في المسافات الشائكة بين الشعور واللاشعور.
ناسج أحلام، هكذا وصف عمله في إحدى حواراته الصحافية، الهُوية الحِرَفِيَة هي ( حَرْفِيَة)، ما المانع من تشبيه غزل الحروف بغزل خيوط الصوف؟!، الحروف مثل الخيوط أجزاء مبعثرة هنا وهناك، والمَهَرة في كلا الحِرْفَتَيْنِ من يتقنون ضَمَ الأجزاء المتناثرة وجمعها في كتلة واحدة، الانطلاق من الجزء إلى الكل. هذا البوح مفتاح للنصوص البورخيسية التي هي مزيج من الأحلام والكوابيس والنصوص الكبرى والأساطير ونُدف الحضارات القديمة.. كمن يفتش في الظلام عن مصابيح مدفونة في أركان الغرفة العتيقة، تلك المصابيح/ المعادن النادرة هي نُتف الأفكار المدهشة التي حرّكت فعل الكتابة لدى هذا الكاتب الأرجنتيني الاستثنائي.
ليس هيِّناً أن تكون ناسجا للأحلام، هذه المهمة الجليلة تشترط قوة المخيلة والصفاء الذهني المُنفتح على كل الأعاجيب والغرائب التي تلعب بالكينونة البشرية، والخيال المُتوثب يتطلب مهارة استثنائية في الكتابة، فالمُتَخيل يُخرج ألاعيبه الفُجائية من قُمقم الدهشة، كُلما تقدمت الكتابة تفجّر المتخيل أنهارا لا حدَ لها من الصُور والتراكيب اللغوية المتدفقة في اندغام دلالي غير قابل للفك.
أن تكون شاعرا وقاصا معناه أن تجمع الحُسنيين، تارة يغترف من الحلم ما يجعله مُتاحا للحكي القصصي وتارة أخرى يُطلق العنان لأحلام اليقظة ويتخيل، أليس الخيال حلم يَقِظ؟، يؤمن بورخيس بأنه شاعر قبل ان يكون قاصا، لكن أليس في نصوصه السردية القصيرة والمكثفة شعريات ظاهرة وباطنة، الشاعر المضمر يسكن متنه القصصي كما يسكن الحكّاء مُستريحا على أريكة الخيال في متنه الشعري؟.
في أحد نصوصه يكتب نص « أنا بورخيس» هنا ينشطر شطرين، غير أن الانشطار البورخيسي نوع من التشظي العائد إلى صُلبه في كل الأحوال، «الأنا « يحب «بورخيس» كما بورخيس يحب «الأنا»، ليس في الأمر نرجسية مريضة كما هي الذوات المتضخمة، هي احتفاء ذاتي بمنجم هائل من الخيالات والأحلام لطالما عُدّت موردا لا ينضب لكتابة هذه النصوص البورخيسية.
مضاعفة الذات « انا بورخيس» تقنية كتابية مؤطرة بخلفية وجودية، استشعار الوجود الدلالي للذات الكاتبة، كما سمَّى أحد مجاميعه الشعرية « الآخر هو ذاته «، نوع من التأمل الروحي لهذه الثنائية الانشطارية التي تؤلف الظاهرة البورخيسية، وتصنع منها استثناء تؤكده فرادة وجودة هذه النصوص المبهرة التي حققت الشرط الأدبي/ الجمالي، نصوص كبرى تشغل مكانة مستحقة في المكتبة العالمية.
2- إيتالو كالفينو يُلقي حجر الدلالة في بِركة السؤال
لا لغة بدون خداع
يستدعي ألبرتو مانغويل مقولة لإيتالو كالفينو ليضعها تصديرا لكتابه الموسوم بـ» فن الترجمة «، المقولة هي «لا لغة دون خداع». قليل من التأمل يتيح لنا ملامسة دلالات الاختيار كما هي دلالة المقولة ذاتها، كأنما هي البؤرة المركزية للنص / الكتاب.
كالفينو يزيح عن كل لغات البشر هالة البراءة، اللغات مخادعة ولا توجد بينها أية لغة بريئة مهضومة حقوق التنزيه والتقديس مما يُفهم، لكن هل للتأويل المائل جهة « التقديس» مُسِّوغ هنا ؟ فالمقولة تتكلم عن الخداع المسكون في اللغات، ولم تُشر إلى القداسة، إلا إذا كان التأويل هنا ينزاح انزياح الضرورة الدلالية، فالبراءة تكاد تكون مرادفة معنوية للقداسة، على الأقل هذا ما يتبادر إلى ذهن أحدهم (كاتب هذه السطور).
ثم ما علاقة الترجمة بالخداع؟ هنا مربط الفرس، فالترجمة تتعامل مع الخداع والتمويه اللذين تكتنز بهما لغات الناس على اختلافها، ربما الترجمة يحق لها أن تخادع… فهي حاملة رسالة نبيلة، هي الرسولة بين الألسن الغريبة عن بعضها البعض، هي الجسر الدلالي لتحقيق الفهم المتبادل على قاعدة أخوة الإنتاج الإبداعي الإنساني المشترك في حقول الكتابة المتعددة كما الحقل البصري والسمعي أيضا… وليس آخرا مجالات الذكاء الصناعي الطارئة.
ما يهمنا، هذا الأدب المكتوب بِرَشْحِ الخيال، موطن الجمال الإنساني في أرقى تعابيره، هل يحق للترجمة أن تمارس الخداع من أجل نقل «أدبية» النصوص إلى القراء المترجم لهم؟ بمعنى آخر هل أسلوب الخداع مشروع في هكذا مضمار؟ أليس الخداع في الترجمة أصل الخيانة؟
من أقوال الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو هذه العبارة الآسرة: «يكمن النجاح في بهجة التعبير اللفظي»، بهجة التعبير اللفظي أي سروره ومرحه هو سرُّ النجاح الأدبي، إنها الغاية المنشودة / كُنه الأدبية، شرطها الجمالي. أليست الترجمة الجيدة لنصوص أدبية تقترف هذا الشرط حتى تقدم روح المظاهر الأسلوبية والدلالية لنص ما، أليست الخيانة في هكذا وضعية «إخلاص نقلي» للنص الأصلي، بما هي حرص محموم على تبيئة النص في غير بيئته بما يحقق متعة القراءة.
إن الأمر ضرب من الخيال مثل شحذ سِكين بخيط حرير! كي تكون الترجمة جيدة يقول ألبرتو مانغويل: «على المترجم أن يكون جيدا كالكاتب الذي يترجم له»، أي أن تكون له القدرة على مضاهاة النص المُراد ترجمته كمن يستطيل عنقه عموديا كي تُلامس هامتُه السماء.
كاتب من المغرب