زيارة مرسي للصين مرورا بإيران في ميزان الاقتصاد والسياسة

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم ديابأن يتجه الرئيس محمد مرسي صوب الشرق فهذا ما يثلج الصدر ويرضي الرأي العام المتطلع إلى مستقبل أفضل لمصر وللمنطقة العربية؛ فالمنطقة كلها، وليست مصر وحدها، في حاجة للتحرر من التدخل الغربي من الخارج، ومواجهة الخلل السياسي والاستغلال الاقتصادي والمالي في الداخل. وأن يشد رئيس مصر الجديد الرحال إلى بلد مثل الصين فهذا يحسب له. أما الحصيلة لم تكن بالمستوى المأمول لرحلة من ذلك النوع، حيث بدت النتيجة معبرة عن إنفصام غياب الساسة والمصلحة العامة، وحضور التجار ومصالحهم الخاصة، وهو ازدواج صنعه انفصام في شخصية الحكام الجدد؛ تلاشت معه الرؤية الشاملة، فكانت الرحلة عنوانا للفشل بجدارة.فالرئيس مرسي مر على إيران وكأنه ذاهب لتقديم واجب عزاء في شخص غير مرغوب فيه، وما بين بكين وطهران انكشف لغز تشكيل أقله من الخبراء والسياسيين وأكثره من التجار والساعين للحصول على تسهيلات واستثمارات وصفقات لشركاتهم وتجارتهم وتوكيلاتهم، وعليه لم تكن زيارة لصالح اقتصاد مأزوم إنما لمنفعة تجار متخمين، يعادون بطبيعتهم أي مشروعات عامة، وهم مع استنساخ الاقتصاد العشوائي، الذي لا يستطيع أن يستفيد من تجربة الصين، التي نجحت في مجتمع زراعي وريفي يشبه إلى حد كبير المجتمع المصري في تكوينه وتقاليده وتطلعاته.وأن يرأس الرئيس مرسي في رحلته الأولى إلى دولة بحجم الصين وفدا يتكون من أكثر التجار ورجال المال استغلالا وتوحشا؛ يجمع ‘حيتان’ الحزب الوطني المنحل و’أباطرة’ المال الإخواني، وبدا فيه حسن مالك رئيسا فعليا للوفد، وهو ثاني اثنين مع خيرت الشاطر يملكان أكبر امبراطورية مالية وتجارية في مصر، وهذا التشكيل يرقى إلى مستوى الجريمة الوطنية، ويكشف استمرار رغبة الحكام الجدد في إحياء منظومة الفساد المالية، وإعادتها إلى صدارة المشهد السياسي، وتمكينها مرة أخرى من الحكم والسياسة، وهذا نهج انتهى بتجريف مصر وتركها دولة تواجه الابتزاز والإفلاس.التجارة والسمسرة والتوكيلات التجارية لا تبني اقتصادا، ولا تحقق تنمية، ولا تقضي على فقر، ولا ترفع مستوى معيشة، وكأن مصر لم تجرب وحشية رجال التجار ورجال المال والأعمال، ومع ذلك يعيد مرسي إعادة إنتاج اقتصاديات الفساد والنهب، وإذا كان المجلس العسكري قد أعاد إنتاج حكم مبارك، فها هم الإخوان المسلمون يعيدون إنتاج ‘اقتصاد’ جمال مبارك وأحمد عز وحسين سالم، الذين جففوا ضروع الاقتصاد، وأغلقوا المصانع، وتبادلوا الصفقات، وصدّروا المواد الخام؛ زراعية وكيماوية ونفطية، على حساب احتياجات المواطن، وما كانوا يصدرونه خاما يُعاد مُصنّعا بأسعار مضاعفة، وبذلك سقطت مصر من حساب القوى الاقتصادية ذات الشأن.ورغم الحاجة الاقتصادية الماسة للاستفادة من تجربة الصين ذهب الوفد المصري بمنطق أصحاب شركات ومكاتب التصدير والاستيراد، وعلى طريقة ملاك ورش قطع الغيار ومحلات وأكشاك الهواتف المحمولة والألعاب الألكترونية، ولم يذهب بعقلية السياسي والخبير المهموم بوضع بلده الاقتصادي وترديه، وعقلية الذي عليه أن يعظم الاستفادة من تجربة دولة كانت الأفقر والأكثر تخلفا، وأن يتعرف على ما أوصلها لتصبح الدولة الأكثر تطورا، وهي الآن في منافسة حقيقية مع الولايات المتحدة، ودخلت معها مرحلة المناطحة السياسية والاقتصادية والتقنية والعلمية، وكان ذلك سبيلها للعب دور فاعل في السياسة الدولية، خاصة في المنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط.ويأتي الصراع على سورية مرآة عاكسة للحضور الصيني في رسم الخرائط الجديدة للمنطقة، وهو ما قد يعيق تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد بالشكل الذي نص عليه كتاب المواصفات والمعايير الأطلسية الصهيونية، وأضحت الصين طرفا مؤثرا في لعبة الأمم الدائرة على المسرح العربي وإقليم الشرق الأوسط، وتستهدف تغيير وجه العالم ليسير في اتجاه معاكس للوحدانية الصهيو أمريكية التي هيمنت عليه في العقدين الأخيرين. والمتأمل والمتابع لـ’المعجزة الصينية’ عن كثب سوف يجدها قد شقت طريقها مع تولي الزعيم ‘دنغ هيساو بنغ’ مقاليد الامور في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، وهو معروف في التاريخ الصيني المعاصر بكسر القيد العقائدي الماوي، وببدء سياسة انفتاح لقيت مقاومة شرسة ممن عرفوا وقتها بـ’عصابة الأربعة’، واحتفظ فيها بمنجزات الثورة الصينية، التي قادها ماو تسي تونغ ورفاقه عام 1949، وذلك على عكس سياسة انفتاح السادات، وما جره على مصر من ويلات بسبب تصفية منجزات ثورة 1952.وبمزاوجة صنعها ‘بنغ’ بين روح الثورة الصينية وانفتاح منضبط حافظ على دور الدولة قويا، فأخضعها إلى ما يمكن تعريفه بقواعد ‘السوق الاجتماعي’، على عكس ما تم في مصر بإسقاط الدولة من الحساب؛ اعتمادا على سياسة ‘السوق العشوائي’؛ غير المنضبط، وغابت دولة الشعب، وحل محلها حكم المغامرين والمضاربين والمرابين الأجانب والمصريين.برزت الصين كقوة بازغة وفتية مع خروج الاتحاد السوفييتي واختفائه من على خريطة العالم، وتعلمت من درس التناقض السوفييتي ـ الصيني، الذي لعب عليه الغرب في مخططه لاستنزاف وإضعاف الطرفين. وانهار الاتحاد السوفييتي وصمدت الصين، بعد أن تجنبت مثالب واخطاء التجارب السوفييتية واليابانية والأمريكية، ودخلت القرن الواحد والعشرين وقد حققت ما اصبح يعرف بـ’المعجزة الصينية’، ولتصبح القوة العظمى الثانية على مستوى العالم.والدرس المستفاد من التجربة الصينية أن المعجزة تتحقق بتعظيم الموارد البشرية والطبيعية وحسن تدبيرها، وتوفير الحد اللائق من الحياة الكريمة لشعب بلغ تعداده مليارا وثلث المليار نسمة، وهذا كم بشري وجد من يستثمره بشكل صحيح، وهو نفسه الكم الذي أبهر العالم في أولمبياد بكين 2008، وكان مناسبة لإعلان التربع على قمة العالم. بعد أن دخل في منافسة مع الاقتصاد الأمريكي الأكبر في العالم، لدرجة أن الرؤساء الأمريكان كثيرا ما ناشدوا زعماء الصين لرفع قيمة عملتهم، بسبب غزارة الانتاج الصيني ورخص أسعاره وجودته، وجعله في متناول فقراء العالم، وقد أدى إلى إغلاق عشرات الآلاف من المصانع الأمريكية. واحتلال المركز الثاني في صدارة الاقتصاديات القوية في العالم، والوقوف على مشارف المركز الأول.ومع ما بدا من بطء في النمو، وإشارة التقارير العالمية إلى انخفاض معدله من 9.5 فى المئة سنويا في عام 2011 الى 7.6 في المئة في الربع الثاني من العام الحالي، فإن المعدل مازال ايجابيا؛ مقارنة بما هو سائد في البلدان المتقدمة الاخرى، التي تعيش أزمة اقتصادية خانقة، والصين بلد لا يملك ترف التوقف عن النمو نظرا لحجم السكان وتزايد المطالب.وخفف المسؤولون الصينيون من أثر تباطؤ النمو. وصرح رئيس الوزراء الصيني ‘وين باو’ مؤخرا بقوله: ‘علينا مواجهة ضغوط هائلة تنحو بمعدلات الاقتصاد نحو الانخفاض والتباطؤ.. وهو ما يتعين علينا ان نتعامل معه بكل عزم واصرار’. وأدى ذلك إلى إصدار حكومة الصين قرار في تموز/يوليو الماضي يقضي بتخفيض معدلات الاقراض المصرفي للمرة الثانية خلال شهر.. تجنبا للهبوط عن نسبة 8 في المئة نموا سنويا. ولتستمر النسبة حول هذا الرقم، صعودا او هبوطا فيبقى التضخم تحت السيطرة حسب رأي الخبراء والمختصين.ذلك هو حال الصين في ظروف أزمة اقتصادية خانقة يعاني منها العالم المتقدم، وما زالت تحقق نموا بذلك المعدل، ومصر تعاني عجزا كبيرا، ومعدلات بطالة عالية، وتبديد في الموارد وافتقاد في الرؤية الاقتصادية التي تخرجها من أسر صندوق النقد الدولي وأعباء الديون الضخمة، ومن التحرر من سطوة رجال المال والأعمال والمضاربين، وتعيد التوازن إلى الخلل القائم في توزيع الثروة الوطنية وتضييق الفجوة بين الثراء الفاحش والعدم القاتل.ومع ذلك يتشكل الوفد على هذا النحو الغريب بقيادة الملياردير الإخواني ورجل مكتب الإرشاد القوي حسن مالك، مسؤول لجنة التنسيق بين رئيس الجمهورية ورجال المال والأعمال، وإذا كان حسن مالك ممثلا لمكتب الإرشاد وحزب الحرية والعدالة، فقد اختار شركاه من حيتان الحزب الوطني المنحل، وعلى رأسهم الملياردير محمد فريد خميس.ونأتي إلى السياسة وعلاقات مصر الإقليمية والدولية، لنجد أن زيارة إيران كان من الممكن أن تكون فرصة أمام الرئيس مرسي يعيد بها مصر إلى الساحة الإقليمية والدولية من أهم بابين.. الباب الأول هو حركة عدم الانحياز، ومصر صاحبة فضل في نشأتها بعد مؤتمر باندونغ بستة أعوام، مع عقد المؤتمر الأول لزعمائها في بلغراد عام 1961 بحضور 25 دولة. وولدت الحركة بتلاقي أفكار رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، والزعيم العربي جمال عبد الناصر، والرئيس اليوغوسلافي جوزيب بروز تيتو. وتوالت المؤتمرات حتى مؤتمر شرم الشيخ 2008، الذي حضرته 118 دولة وعشر منظمات. ولم تكن هناك بوابة أفضل ولا أهم من بوابة عدم الانحياز، وكان من المتوقع أن تكون خطوة محل تقدير وترحيب كثير من دول العالم الراغبة في استئناف مصر لدورها وتاريخها في دعم ونشر ثقافة الحركة وتبني مواقفها ومنطلقاتها، أما ألا يدخل مرسي من هذه البوابة فقد أضاع الفرصة، وأبقى نفسه تحت رحمة الحسابات الصهيو أمريكية، ورهينة الشبهات الطائفية والمذهبية، في ظروف يتهيأ فيها المسرح العربي والإقليمي لجولات جديدة من النار والدم من الصعب أن يسلم منها أحد. وكان ممكنا لبوابة عدم الانحياز أن تجنب مصر ويلاتها وتخفف من وطأتها. أما البوابة الثانية فهو بوابة الجيرة.. فإيران بلد جار؛ له علينا حق التعايش معه وعليه واجب التعايش معنا، خاصة أنه طرف مؤثر في معادلة الصراع ضد الدولة الصهيونية، وقوة ردع تخفف من ضغطها وعنصريتها، ومهما كان الخلاف مع إيران فهي واحدة من قوى ثلاث مؤثرة في مستقبل المنطقة العربية، مع تركيا والدولة الصهيونية، في وقت غابت فيه القوة العربية، وتركت فراغا جعلها مستباحة لكل من هب ودب.وأثبت التاريخ أن أي حديث عن قوة عربية في غياب مصر غير جاد، وكان مؤتمر عدم الانحياز في طهران أملا أضاعه مرسي، وإذا ضاعت فرصة زيارة الصين، وتحولت إلى أرصدة في جيوب وحسابات وفد رجال المال والأعمال المرافق لمرسي، وبقيت موازين القوى في صالح التجار والمرابين والسماسرة ووكلاء الاحتكارات الأجنبية وحيتان الحزب الوطني وأباطرة مكتب الإرشاد.’ كاتب من مصر يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية