بغداد ـ «القدس العربي»: وقّع رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، مسرور بارزاني، في العاصمة الأمريكية واشنطن، اتفاقات للطاقة مع شركات أمريكية، تقدّر قيمتها بعشرات مليارات الدولارات، خلال زيارة يجريها إلى أمريكا منذ أيام، مستنداً إلى حق الإقليم الدستوري، في حين اصطدمت هذه المساعي بموجة رفض سياسية قادها نواب من الوسط والجنوب، معتبرين أن حكومة أربيل منتهية الصلاحية، داعين بغداد إلى التدخل.
وقالت «جبهة نواب الوسط والجنوب» المؤلّفة من نواب شيعة، في بيان صحافي: «تابعنا التقارير الإعلامية والحكومية التي تتحدث عن قيام حكومة إقليم كردستان بتوقيع عقود لم تحدد طبيعتها تتعلق بإنتاج النفط من بعض الحقول في محافظات العراق الشمالية وتحديدا السليمانية».
«استغفال الدولة»
وزادوا: «نؤكد رفضنا لهذه الإجراءات والقرارات غير الدستورية لمخالفتها أحكام الدستور وتجاوزها على صلاحيات السلطات الاتحادية، وصدورها من حكومة منتهية الصلاحية على مستوى الإقليم، والتي تأتي استكمالا لتعاقدات غير شرعية سابقة وقعتها حكومة الإقليم».
وحمّل نواب الجبهة البرلمانية الحكومة الاتحادية ووزارة النفط «مسؤولية التنازلات المستمرة عن الحقوق السيادية في التعامل مع حكومة الإقليم، وآخرها تعديل قرارات القضاء بشأن إبطال عقود الإقليم والتراجع عنها وتعديل المادة 12 من قانون الموازنة دون الأخذ بالملاحظات والمقترحات التي قدمناها، فكان من نتيجة ذلك حصول الإقليم على إقرار بشرعية عقوده السابقة وإبطال الدعاوى القضائية ضده، في حين كان دعاة التعديل يروجون لفكرة ضرورة التعديل لاستئناف تصدير النفط عبر تركيا، وهو ما لم يحصل لغاية الآن، وهكذا استطاعت حكومة إقليم كردستان التنصل من مسؤولياتها وإدخال العراق في مشكلة تعاقدات جديدة واستمرار تهريب النفط وافتعال ذرائع للتهجم على الحكومة الاتحادية التي تسميها حكومة بغداد».
وأشارت الجبهة إلى أن «حكومة الإقليم قامت بعدها بزيارتين لإيران ولأمريكا، وتعاقدت في أمريكا بعد أن أسمعت إيران كلاما طيبا عن دفاعها عن أربيل خلال معارك «داعش»، وبهذا الشكل يتم الضحك على حكومة الإطار التنسيقي واستغفال الدولة العراقية».
وطالبوا الحكومة الاتحادية بـ«ضبط سياسة الدولة وعلاقاتها الخارجية، فليس من المعقول أن لا تعرف السلطات الاتحادية بسفر مسؤولي الإقليم ولا بقراراتهم ولا اتفاقاتهم، وعلى رئيس الوزراء الطلب من إيران وقف تسهيل تهريب النفط من الإقليم عن طريق أراضيها، والطلب من واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي عدم توقيع أي اتفاق أو قبول زيارة لمسؤولي الإقليم دون إذن السلطات الاتحادية. لقد حان الوقت لحفظ هيبة الدولة وسيادتها وإيقاف كل الأعمال التي تنتهك تلك السيادة داخليا وخارجيا».
وسارعت وزارة النفط العراقية لإعلان رفضها القاطع لاتفاقيات الطاقة الجديدة التي أبرمتها حكومة إقليم كردستان مع الولايات المتحدة الأمريكية، مؤكدة أن هذه العقود «باطلة» وفق الدستور العراقي وقرارات المحكمة الاتحادية.
بطلان العقود
وقالت في بيان رسمي إنها «تود أن توضح رفضها للإجراءات الخاصة بتعاقد وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان لاستثمار حقل (ميران) وحقل (توبخانة ـ كردمير) في محافظة السليمانية»، موضحة أن «هذه الإجراءات مخالفة للقرارات الصادرة من محكمة التمييز الاتحادية».
وزارة النفط اعتبرتها باطلة… ونواب شيعة: حكومة الإقليم منتهية الصلاحية
وأشارت إلى أن هذه الاتفاقيات، التي «تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، تتعارض مع قرار المحكمة الاتحادية العليا في الدعوى المرقمة (59/اتحادية 2012 وموحدتها 110/اتحادية 2019)».
«ورغم حاجة العراق لتعظيم استثمار الغاز وسد الحاجة المحلية لتشغيل محطات توليد الكهرباء في البلاد، إلا أن الإجراءات المتخذة من قبل حكومة الإقليم تعد مخالفة صريحة للقانون العراقي»، وفق الوزارة، التي شددت على أن «الثروات النفطية تعد ملكا لجميع أبناء الشعب العراقي، وأن أي إجراء لاستثمار هذه الثروة يجب أن يكون من خلال الحكومة الاتحادية»، مؤكدة «بطلان هذه العقود استناداً للدستور العراقي وقرارات المحكمة الاتحادية».
ويتفق الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، مع موقف وزارة النفط في أن توقيع إقليم كردستان عقوداً نفطية جديدة مع شركتين أمريكيتين دون الرجوع إلى الحكومة الاتحادية يشكل «خرقاً واضحاً لقرارات المحكمة الاتحادية»، محذراً من تداعيات هذا الإجراء على العلاقة بين بغداد وأربيل.
وقال في «تدوينة» له إن «العقود التي وقعها الإقليم مؤخراً لاستغلال النفط والغاز تمّت دون مشورة الحكومة الاتحادية، وهو ما يمثل تجاوزاً على قرار المحكمة الاتحادية التي تعتبر الثروات النفطية أصولاً اتحادية لا يمكن التصرف بها بشكل منفرد».
وأضاف أن «هذا التصعيد سيؤخر كثيراً إعادة تصدير نفط الإقليم عبر خط جيهان التركي، ويعقّد فرص التوصل إلى اتفاق نفطي شامل بين المركز والإقليم».
ووفق كلامه، فإن «الإقليم يوقع العقود بشكل منفرد، فيما تتحمل بغداد مسؤولية دفع رواتب موظفيه، وهو ما يعكس خللاً في آلية توزيع الصلاحيات والموارد ويستلزم وقفة جادة لإعادة تنظيم العلاقة على أساس دستوري».
وفي مقابل هذه الهجمة، أكدت وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان أن الاتفاقيتين المبرمتين مع شركتي «أتش كي أن» و« وسترين زاكروس» الأمريكيتين ليستا جديدتين، بل هما نافذتان منذ سنوات، مشددة على أن التغييرات التي طرأت تتعلق فقط بالشركة المشغّلة لهذه العقود، التي تم التعاقد معها وفقاً للإجراءات القانونية والتعاقدية المنصوص عليها في الاتفاقيات الأصلية.
وفي توضيح رسمي صادر عن الوزارة، شددت على تمسكها الكامل بحقوقها وصلاحياتها الدستورية «ككيان اتحادي ضمن إطار الدستور العراقي الدائم، الذي يحدد بوضوح اختصاصات إقليم كردستان وحقوقه».
وأشار البيان إلى أن «المحاكم العراقية أقرت سابقاً بمشروعية وقانونية هاتين الاتفاقيتين، وأنه لا تشوبهما أي شائبة قانونية»، مبيناً أن «الشركتين تعملان في قطاع النفط والغاز في إقليم كردستان منذ سنوات عدة، وتُعدان من المنتجين الرئيسيين، وليستا مستثمرين جديدتين».
وأوضحت أن «الهدف من هذه الاتفاقيات والعقود هو تلبية الاحتياجات المحلية من خلال زيادة إنتاج الغاز الطبيعي لتزويد محطات توليد الطاقة الكهربائية بالوقود، بما يسهم في ضمان استمرارية تأمين الكهرباء لجميع أنحاء العراق».
اتفاقيتان
وفي إطار زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، رعى بارزاني مراسم توقيع اتفاقيتين مهمتين في قطاع الطاقة، وذلك في مقر غرفة التجارة الأمريكية في العاصمة واشنطن.
وأُبرِمَت الاتفاقيتان بين حكومة إقليم كردستان من جهة، والشركتين من جهة أخرى، وهما من الشركات الرائدة والمتخصصة في هذا القطاع الحيوي.
وحسب بيان لحكومة الإقليم، تهدف هاتان الاتفاقيتان اللتان تُقدَّر قيمتهما الإجمالية بعشرات المليارات من الدولارات، إلى «تطوير قطاع النفط والطاقة في إقليم كردستان وتعزيز بنيته التحتية الاقتصادية».
وفي كلمات ألقاها ممثلو غرفة التجارة الأمريكية والشركتين، جرى التأكيد على أهمية هذه الاتفاقيات، فيما أعرب بارزاني عن شكره لغرفة التجارة الأمريكية على جهودها في التحضير لتوقيع الاتفاقيتين مع الشركتين الأمريكيتين البارزتين، مؤكداً أن «هذه الاتفاقيات، التي تُقدَّر قيمتها بمليارات الدولارات، تعد مؤشراً على أمن إقليم كردستان واستقراره، ودفعاً لجهود تنمية اقتصاده».
وبيّن أن «الشركتين تعملان في إقليم كردستان منذ سنوات عديدة، وقد أدتا دوراً فاعلاً ومؤثراً في خدمة مصالح شعب إقليم كردستان والعراق على حد سواء، كما حققتا في الوقت ذاته منافع لشركتيهما وبلدهما».
وأشار إلى أن «حكومة الإقليم ملتزمة التزاماً كاملاً بتطوير قطاع الطاقة، خاصةً وأن إصلاحاتنا تمثل خطوة مهمة نحو تأمين إمدادات الطاقة الكهربائية على مدار الساعة لسكان إقليم كردستان كافة، ونأمل أن نسهم في توفير الكهرباء لمناطق أخرى في العراق».
وفي ختام كلمته، هنأ بارزاني «شعب كردستان والعراق بهذا الإنجاز المهم، الذي سيُسهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية في إقليم كردستان».
كما نوّه رئيس الحكومة الكردستانية إلى عمق «علاقات الصداقة التاريخية والمتميزة التي تجمع إقليم كردستان بالولايات المتحدة»، لافتاً إلى «التعاون المشترك الذي يعود لسنوات خلت في مواجهة الديكتاتورية والإرهاب وتحقيق الأمن والاستقرار». وأكد أن «الأهداف المشتركة اليوم عديدة، وأن الشراكة القائمة تتجاوز بكثير مجرد مكافحة الإرهاب والتعاون العسكري، إيماناً بأن آفاق التنمية الاقتصادية والاستثمار في الطاقة يمكن تعميقها وتوسيع نطاقها وتعزيزها على نحو أوسع».