إذا لم تحدث مفاجآت في اللحظة الأخيرة، فسيواصل الجيش الإسرائيلي تعزيز القوات في قطاع غزة في إطار الحملة التي حظيت باسم “عربات جدعون”. ومثلما قبل سنة، وقبل نصف سنة، ستسيطر قوات الجيش هذه المرة أيضاً على معاقل حماس، وعلى أحياء سكنية في غزة، وستحاصر مخيمات لاجئين وتضرب قوات العدو.
لا شك أن ضرب حماس سيستمر بالفعل، على المستوى العسكري والصعيد التنظيمي. يحتمل مثلاً أن يحاول الجيش ضرب لواء مخيمات اللاجئين في وسط القطاع الذي لا يزال قائماً مع إصابة نسبية بالحد الأدنى مقارنة بالألوية الأخرى لحماس. القوات الإسرائيلية، بمشاركة الاستخبارات النوعية من “الشاباك” و”أمان”، ستضرب حتى المستوى القيادي الأعلى لحماس، الذي لم يتبقَ منه الكثير مقارنة بما كان عندما بدأت الحرب. وربما ينجح الجيش في قتل بضعة آلاف آخرين من مسلحي حماس، ممن جند معظمهم بعد بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023.
المزيد من الأبرياء سيقتلون، وستهدم بيوت، وسيتسع الدمار أكثر فأكثر. الصور التي حصلنا عليها من رفح وخان يونس والتي تذكر بفيلم الآخرة الدينية، ستأتي أيضاً من أحياء مختلفة من غزة أو في مناطق مثل دير البلح، والبريج، والمغازي وغيرها.
ولكن ينبغي قول الحقيقة، مهما كانت قاسية: هذه الأعمال سبق أن تمت في السنة وسبعة الأشهر المنقضية منذ نشوب الحرب. والصورة في القطاع وإن تغيرت، لكن ليس بشكل يغير المعادلة. حماس تقف على أرجلها، لا تستسلم، وليست مستعدة لتحرير المخطوفين. في هذا الصعيد، رغم محاولات الجيش والحكومة “إعادة تصنيف” الحرب، فالحديث يدور عن مزيد من الشيء ذاته. لا حيلة إلا وجربت، ولا توجد هنا عملية إلا وفكروا فيها قبل ذلك. الجيش الإسرائيلي سيحرك السكان الفلسطينيين للمرة التي لا يعرف أحد كم هي، ربما إلى مكان مثل رفح بدلاً من المواصي، وسيهرب الفلسطينيون إلى مناطق محمية، وسيتلقون مساعدات إنسانية تستأنف حالياً. في السطر الأخير، لكل أولئك الذين يتوقعون نتيجة مختلفة للفعل ذاته، تنتظرهم خيبة أمل: بلا إنجاز سياسي وبلا تغيير في الوضع السلطوي في القطاع، فمن غير المتوقع أن تؤدي هذه الحرب إلى نتائج جديدة. حماس ستظل تضرب القوات وتضحي بمزيد من رجالها من أجل المهمة، وبالتوازي تأمل في ضربة مكثفة قدر الإمكان للسكان المحليين كي يشتد النقد الدولي على إسرائيل. في هذا المفهوم، تعول حماس على عمليات إسرائيلية تؤدي إلى إصابة الأبرياء، على أمل أن تؤدي هذه إلى إنذار أمريكي لإسرائيل بالتوقف. كل ما تبقى لنشطاء المنظمة عمله هو البقاء على قيد الحياة والعمل من بين السكان المحليين كي يصاب هؤلاء بالأذى.
في الأسابيع الأخيرة، جرى حديث غير قليل في وسائل الإعلام عن نية جديدة لإسرائيل ولجيشها، في إطار “تغيير السياسة”، والاحتفاظ بالأرض. بمعنى، تشكيل بديل لحماس أو احتلال القطاع بشكل دائم. غير أن معنى مثل هذا العمل هو أن سرعان ما ستجد إسرائيل نفسها تقدم المساعدات الإنسانية لمليوني فلسطيني على أساس جارٍ. وفضلاً عن ذلك، ينبغي قول الحقيقة في هذه الحالة أيضاً: ليس للجيش الإسرائيلي قدرة من ناحية القوى البشرية ليكون حاضراً في كل زقاق، في كل شارع، في كل مخيم لاجئين في القطاع بشكل دائم. لا يوجد كائن حي كهذا، ولا مع مستوى القوى البشرية التي يملكها الجيش اليوم مع تآكل متصاعد في أوساط رجال الاحتياط. كما أن السيطرة على نقاط أساسية في القطاع “فقط” لن تحدث التغيير المنشود.
السؤال الذي يجب أن يُسأل: ما هدف إسرائيل في الحملة الحالية؟ ه لهو تحرير مخطوفين فقط، الذي لن ينفذ عقب العملية العسكرية، أم تغيير الواقع في القطاع؟
يبدو أن هدف “الحملة” الجديدة، أو استمرار الحرب هو هدف حكومة نتنياهو: مواصلة الحرب بكل ثمن، بغض النظر عن نتيجتها، وأساساً لأسباب سياسية. المزيد من البيوت تسوى بالأرض، والمزيد من ا لفلسطينيين القتلى، ولشدة الأسف المزيد من الجنود الذين سيصابون. لن تكون هذه أهداف الحرب. يجب أن يكون الهدف تحرير المخطوفين، وتقويض حكم حماس وضرب القضية بقدراتها العسكرية. قد تؤدي الحملة الحالية إلى ضربة جزئية لقوات حماس العسكرية، لكن ليس أكثر. من غير المتوقع أن تقوض حماس؛ لأن المنظمة لم تعد معنية بفرض سيادة في القطاع، بل ببقاء عسكري فقط. وبقاؤها العسكري يكون في خطر إذا ما دخل كيان سلطوي بديل يفرض عليها تسليم سلاحها. مجرد القرار الإسرائيلي بالامتناع عن البحث بالنسبة لـ “اليوم التالي”، لا يعمل إلا لمساعدة حماس في جهودها للبقاء.
آفي يسسخروف
يديعوت أحرونوت 22/5/2025