حتى من يعتقد أن الاستسلام لمطالب حماس ليس وارداً لأنه سيستدعي اختطافات إضافية وسيعرض سكان غلاف غزة للخطر، فهو ملزم بالاعتراف أنه طرأ مؤخراً تغيير جوهري في الظروف التي تدار فيها المفاوضات. فليست محادثات الدوحة وحدها التي علقت في مأزق، بل إن الضغط العسكري الذي يمارسه الجيش الإسرائيلي الآن أيضاً في القطاع فقد الكثير من فاعليته. الناتج الهامشي لكل إضافة جهد عملياتي الآن من جهتها، آخذ في التضاؤل. حماس اليائسة والمتزمتة تستعد الآن لمواصلة حرب عصابات في هذه الظروف، وتبدي حساسية متناقصة لمعاناة السكان. صحيح أنه هناك احتمالاً جيداً في أن يؤدي الضغط العسكري إلى نتائج إذا تواصل بقوة متزايدة لبضعة أشهر أخرى، لكن كثيرة هي احتمالات قتل المخطوفين وسقوط مقاتلين. باختصار، الساعة العسكرية لا تعمل في صالحنا الآن.
ومثلها الساعة الدولية. فالضغط الذي تمارسه عليها إدارة ترامب وأساساً أوروبا، وصل إلى قوة تعرض المصالح الحيوية الأمنية الاقتصادية والسياسية للخطر. نصبح منبوذين في الساحة الداخلية من ناحية سياسية ونفقد الشرعية الدولية في الدفاع عن أنفسنا. مثل هذا الضغط مورس علينا في حروب سابقة. في حرب التحرير، ضغطوا علينا للتوقف، وفي حرب الأيام الستة وفي حرب لبنان الأولى أيضاً، والقائمة تطول. حكومات إسرائيل على أجيالها لم تتردد للانثناء تحت هذا الضغط والخضوع لمطالب الأمم المتحدة والأسرة الدولية.
ونعم، هناك اعتبار أخلاقي وإنساني. كيهود، لا يمكننا التسليم بوضع يقتل فيه كل يوم أساساً مدنيون غير مشاركين وعشرات الأطفال يعانون من سوء تغذية وربما من جوع أيضاً. حتى لو كانت المعطيات الرقمية التي تصدرها وزارة الصحة لحماس والأمم المتحدة مبالغاً فيها، فإن ما نعرفه في إسرائيل عن معاناة السكان الغزيين ينبغي أن يشغل عضلتنا الأخلاقية.
وفي الجانب البراغماتي، نحن ملزمون أن نأخذ في الحسبان بأننا أوقعنا الآن ضرراً وخسائر وخراباً بحجوم هائلة للفلسطينيين الغزيين، وهذا سيحز عميقاً، ربما حتى لأجيال، في وعي الفلسطينيين. أثر الوعي بهزيمتهم في الانتفاضة الثانية صمد عشرين سنة على الأقل، وما يحصل الآن في غزة أفظع بكثير. من غير الوارد الاستسلام لمطالب حماس كما هي. لكن للأسباب التي عددتها، نحن ملزمون بإيجاد منحى حل وسط لصفقة يمكن لحكومة إسرائيل وحماس أن تقبلاها. حل هذه المعضلة في تسوية “اليوم التالي” وفي صفقة تحرير في دفعة واحدة لكل المخطوفين. مطالب إسرائيل معروفة، وهكذا أيضاً مطالب حماس بصفقة في دفعة واحدة. المسافة بينهما كبيرة جداً، ولهذا فالمطلوب من الوسطاء العرب والأمريكيين مطالبة الطرفين بالخروج عن المبادئ المتصلبة التي وضعوها لأنفسهم.
بدلاً من أن تطرح إسرائيل مطلباً مبدئياً يتعلق بنزع سلاح حماس (تجريد القطاع)، عليها مبدئياً أن توافق على وقف الحرب في القطاع مقابل تحرير المخطوفين جميعاً، مع ضمانات دولية يعطيها الوسطاء لحماس. الجيش الإسرائيلي قد يوافق على الانسحاب من مواقعه الحالية في القطاع، لكن حتى “الحزام الفاصل” أي مجال الحراسة في هوامش القطاع، يبقى الجيش على الأقل إلى حين تحقيق تسوية دائمة لمكانة القطاع تتقرر فيها ترتيبات أمنية جديدة.
يتعين على حماس و”الجهاد الإسلامي” أن توافقا على التعاون مع جسم عسكري أمريكي أوروبي مثل اللجنة التي تعمل، ومهمتها ستكون تدمير الأنفاق وسلاح حماس الثقيل. أما السلاح الخفيف، مثل الكلاشينكوفات، والمسدسات وما شابه، فلا احتمال لكشفها وتحييدها حتى لو أعلنت حماس عن موافقتها على ذلك، وبالتالي خسارة على الجهد. على إسرائيل أن تطالب وتقترح بأن تكشف حماس، والجهاد، ولجان المقاومة الشعبية، ومجموعات مسلحة أخرى في القطاع، عن كل السلاح الصاروخي لديهم، ابتداء من صواريخ آر.بي.جي، المضادة للدبابات مروراً بقاذفات الهاون المتوسطة وحتى الصواريخ بعيدة المدى لعشرات الكيلومترات، كتلك التي وصلت إلى تل أبيب. كما أن على المنظمات المسلحة في القطاع أن تكشف وتسلم باللجنة أو بقوة تعمل نيابة عنها العبوات والمُسيرات التي لديهم.
لكن مهمة اللجنة الدولية في نزع السلاح الثقيل التي ستضم خبراء متفجرات ومهندسين، ستكون كشف وتدمير منظومة الأنفاق لكل المنظمات في القطاع، ويتعين على هذه أن تتعاون معها. إسرائيل توفر المعلومات والإشراف المباشر. في شبكة الأنفاق التي ستدمر، يجب أن تشمل أيضاً مجالات المكوث وإنتاج السلاح التي يجب تدميرها هي الأخرى، بحيث لا يمكن إعادة بنائها. كل هذا بدلاً من المطالبة بنزع سلاح جارف لا يمكن لحماس أيديولوجياً أن توافق عليه.
بالنسبة لطلب إسرائيل نفي القيادة العليا لحماس وباقي المنظمات، فلا داعي له؛ لأن الجيش صفى كل كبار المستوى الأول والثاني للذراع العسكري للمنظمات، بخاصة حماس و”الجهاد الإسلامي”، كما أنه صفى عدداً معتبراً من بين كبار رجالات الحكم المدني لحماس. وبالنسبة للمطلب الإسرائيلي الثالث في ألا تكون حماس مشاركة في الحكم، فقد وافقت عليه حماس على أي حال.
الضفدع الوحيد الذي يتعين على حكومة الائتلاف اليميني الحالية في إسرائيل أن تبتلعه وتوافق عليه، هي مشاركة السلطة الفلسطينية في الحكم الجديد في غزة. يسود إجماع في الكابنت بأن السلطة الفلسطينية داعمة للإرهاب، وبالتالي لن تكون جزءاً من الحكم في “اليوم التالي” في قطاع غزة. لكن التجربة المتراكمة في الضفة تشير إلى أن السلطة الفلسطينية تؤدي هناك دوراً إيجابياً، بما في ذلك الحفاظ على الأمن، بالتعاون والتنسيق مع إسرائيل. في كل الأحوال، مشاركة السلطة الفلسطينية في حكم غزة في اليوم التالي تبدو طلباً لا تتنازل عنه الدول السُنية كشرط للمشاركة في حكم غزي وبديل مؤقت لا تكون حماس جزءاً منه ويعمل برعاية أمريكية.
لا ضمانة في موافقة حماس على منحى الصفقة المرقق هذا، لكنه يستجيب لمطالب إسرائيل لتحرير كل المخطوفين والتخلص من حكم حماس ووجودها العسكري الخطير في القطاع. وبالتالي، المحاولة مجدية.
رون بن يشاي
يديعوت أحرونوت 22/5/2025