لعب مفهوم «التابع» دوراً مهماً في الدراسات النقدية المعاصرة، التي تصدرت عدداً من أكاديميات العلوم الإنسانية الناطقة بالإنكليزية، خاصة دراسات ما بعد الكولونيالية. ورغم غموض المفهوم، بل الخلاف حتى على أصوله، والمقصود فعلاً به، إلا أن تجاوزه لم يعد ممكناً في أي جدل حول التاريخ والمجتمع والثقافة، خاصة ما يسمى «الجنوب العالمي».
أصل المفهوم يعود للمفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، الذي كتب، من سجنه، عن «تابعين» مُسيطَر عليهم، ليس فقط بالعنف العاري، وإنما عبر الهيمنة الأيديولوجية والثقافية، التي تفرضها مؤسسات «مجتمع مدني»، تعيد إنتاج سيطرة طبقية مترسخة تاريخياً. دار جدل طويل في ما بعد: هل كانت كلمة «تابع» محاولة من غرامشي للتحايل على الرقابة الفاشية في سجنه، وقصده الفعلي «البروليتاريا»؛ أم أنه بالفعل أنتج مفهوماً جديداً، يتسق مع عموم نظريته. اليوم يميل معظم الباحثين إلى الإجابة الثانية، فالتابع ليس البروليتاري، والفرق الأساسي بينهما ليس التعرض للاستغلال أو الاضطهاد، بل القدرة على بناء مفهوم مستقل للذات، وموقعها ومصالحها. البروليتاريا، أي العاملون الأحرار، الذين لا يملكون إلا قوة عملهم، قادرة، من حيث المبدأ، على التحول إلى طبقة، تعي وجودها الاجتماعي، وموقعها من علاقات الإنتاج، عبر «وعي طبقي»، مستوعب للمعرفة البورجوازية السائدة، وناقد لها في الوقت نفسه، وبالتالي فهي، بفضل وجودها في المدن الصناعية الأكثر تطوراً، جزء من التشكيلة الاجتماعية – الاقتصادية الرأسمالية، أو حتى الاستعمارية، وقادرة نظرياً على تجاوزها في الوقت نفسه؛ أما التابعون فيعجزون عن ذلك، إذ أن المعرفة المؤسسَة تستبعدهم وتقصيهم مبدئياً، ولا تقوم بتمثيلهم في خطاباتها، إلا بصورة دونية مشوهة، وهم يضطرون للحديث دوماً بلغة «السادة»، أي أن يترجموا وجودهم الاجتماعي، وتطلعاتهم، بل حتى خرافاتهم ومعتقداتهم، إلى لغة الهيمنة، كي ينالوا القبول، وهذا يشوه منظورهم عن ذواتهم، ويبقهم دوماً في علاقة تبعية.
حاول أعلام مدرسة التأريخ الماركسي البريطاني، وعلى رأسهم إدوارد تومبسون وإيرك هوبزباوم، استعارة مفهوم «التابع»، في دراساتهم حول نشأة الطبقة العاملة البريطانية، وهي الأكثر ترسخاً وعراقةً في العالم، وعلاقتها بأصولها الفلاحية، ليبينوا «الخبرة التاريخية»، بل حتى «التجربة الذاتية»، للعمال، التي أخرجتهم من وضعية «التابعين» إلى حال «الطبقة»، عبر إعادة تأريخ تلك التجربة بلغة وتعبيرات العمال أنفسهم، بعيداً عن الوصف المتعالي للمراقبين الخارجيين البورجوازيين. إلا أن المفهوم وصل إلى معناه، الذي نعرفه اليوم، مع مدرسة «دراسات التابع» الهندية، التي حاولت فهم «التمرد الفلاحي» في ذلك البلد، بعيداً عن الوصف الاستعماري، بل حتى وصف النخب الهندية الوطنية، التي نمت مع الاستعمار البريطاني. فما اعتبره المستعمرون والوطنيون، على حد سواء، ظواهر متخلفة، أو خرافات، أو بنى أبوية تنتمي للماضي، يحوي منطقاً ونموذجاً فكرياً مغايراً للمعرفة الغربية الاستعمارية، لا يمكن فهمه من داخلها؛ وينتمي لمجال سياسي مغاير لمجال النخب والمستعمرين، الأمر الذي دفع أعلام المدرسة إلى محاولة تحقيق قطيعة مع «المركزية الغربية»، لفهم «البارادايم» الخاص بالفلاحين الهنود. ما أراد أولئك المؤرخون قوله، إن الفلاحين هم «ذات تاريخهم الخاص»، في تفاعل معقد مع الظاهرة الاستعمارية، التي شكلوا «الآخر» بالنسبة إليها، حتى لو أنكر هذا عليهم كل المتأثرين بالغرب، بمن في ذلك «الوطنيون».
هل «التابع» يمتلك إذن منظوره الذاتي الخاص، الذي لا نستطيع فهمه لأننا مستلبون ثقافياً، أم أنه عاجز فعلاً عن «الكلام»، أي إنتاج ذاتيته المستقلة؟ اشتُهرت المفكرة الهندية غياتري سبيفاك بجدلها الفلسفي الطويل حول هذا السؤال، الناقد في عمقه لمحاولات المؤرخين الهنود لإعادة بناء «بارادايم فلاحي»، مع أنهم فعلياً أبناء لغة الأكاديمية والعقل والتحديث، وكل ما هو «غربي» في عرفهم. قد لا يمكننا الكلام من خارج منظومة «الإمبريالية الثقافية»، حسب تعبير سبيفاك، وأكثر ما نستطيعه «تفكيك» هذا الخطاب المهيمن أو ذاك. يمكن القول إذن إن هذا التاريخ الطويل لمفهوم «التابع» لم يوصل إلى إجابات وتعريفات واضحة، بقدر ما زاد من علامات الاستفهام، والخطابات المتراكبة على خطابات. إلا أن التخلي عن المفهوم يضيع إمكانيات كثيرة للتفكير بظواهر الذاتية، والذاتية المستقلة، في مجتمعات تابعة في العمق لسادة ما، إلى درجة أنها مستعدة للهتاف والتزلف، عندما تشتم رائحة أي «سيد» مقبل، حتى لو لم يرسخ سلطته بعد. هل «التابعون» هنا «ذات تاريخهم الخاص»، ويخوضون فاعليتهم السياسية، التي لا نستطيع فهمها؟ أم أن مفهوم «الذات المستقلة» نفسه زائد عن الحاجة، مع هذا النمط من التابعين؟
المحامي والقن
قد يمكن القول مبدئياً إن «الذاتية المستقلة» نفسها مفهوم بورجوازي، أي مفهوم الفئات المدينية، التي لديها ملكية خاصة، ولا ترتبط بعلاقات ولاء وتبعية لأي سيد أو شريف، كما أنها استطاعت أن تنتزع نوعاً من حرية الضمير، فلم يعد معتقدها أو سريرتها قابلة للتوجيه المباشر من رجل دين مسيطر. تَكَرس المفهوم تاريخياً مع تطور مبدأ «الذات القانونية»، القادرة على إبرام التعاقدات باستقلال وحرية، على الأقل نظرياً، التي تتمتع بالمساواة مع غيرها من الذوات القانونية. ولذلك فربما كان المثال الأبرز للذات المستقلة والحرة، في المخيلة التنويرية، هو المحامي الذي يقدم المرافعات، ليس فقط القانونية، بل السياسية والفكرية، أمام جمع من الأحرار، داخل مجلس أو هيئة ما. بالطبع، صيغت «الذات القانونية» في البداية على قياس الرجال البيض البورجوازيين المسيحيين، ومَنْ لم ينل صفة «الذات» تلك، تعرض لأبشع أنواع الاضطهاد، نظراً لأنه لم يصل بعد إلى الدرجة الحضارية و»الإنسانية» للذات القانونية الحرة، ولكنها اتسعت تدريجياً لتشمل العمال والنساء وأبناء المستعمرات، نتيجة صراعات متعددة، استولى من خاضوها على المفهوم، وأعادوا صياغته، بشكل نقدي في كثير من الأحيان، ليتناسب مع أوضاعهم.
عندما نفترض أن «التابع» هو «ذات تاريخه الخاص»، فإننا لا نخرج على الإطلاق من ذلك المفهوم البورجوازي «الغربي»، المنغرس في قلب فلسفة التنوير والتنوير المضاد. لم يحدث إلا أن متعلمين، يجيدون الإنكليزية وغيرها من اللغات الأوروبية، وجهوا مرافعاتهم تجاه من علموهم المفاهيم الأساسية للتحديث، ضمن جدل داخل السياق المعرفي «الغربي» نفسه، ولا علاقة له لا بتابعين، ولا بفلاحين يقومون بانتفاضات عفوية. ربما كان «التابع» لا يحتاج مفهوماً للذات المستقلة عن التبعية أصلاً، فهو من «عالم آخر»، غير عالم المدينة البورجوازية الحديثة، بمالكيها وعمالها، رجالها ونسائها ومهاجريها.
قد يكون استدعاء نموذج القن مساعداً في فهم التبعية. والقن هو الفلاح المرتبط بالأرض وسيدها، يُباع ويشترى معها؛ ويتبع، في معتقده وضميره، لما يحدده له مشايخه وأولياؤه وكهنته. إنه لا يحتاج مفهوماً قانونياً لإدارة المُلكية، وتداولها، فهو نفسه قابل للتداول؛ كما أنه لا يحتاج ضميراً مستقلاً، فهو يرتبط بعلاقة روحية خاصة مع أولي أمره، ولا يتصور أن يُحكم نفسه في قضايا المعتقد والأخلاق. بعبارة أخرى، لا يحتاج القن للحرية، ولا يتصورها، وأقصى ما يتمناه أن يرزقه الرب بسيد طيب، أو أن ينجح بمناشدة سيده لتخفيف شروط عبوديته للأرض، وزيادة نصيبه من منتوج عمله فيها. قد يتمرد القن تمرداً عنيفاً، في حال تعرض لظلم لا يُحتمل، ولكن تمرده لا يتجه لصياغة مفاهيم مغايرة لعالمه نحو نظام جديد، سواء كانت توسيعاً للمفاهيم البورجوازية «الغربية» عن التحرر؛ أو أي بديل آخر، يتناسب مع «خصوصيته الثقافية». تنتهي التمردات الفلاحية العفوية غالباً بالفشل أو الفوضى، أو بتعميم أنماط غير مسبوقة من العنف والاضطهاد، على أيدي الضحايا السابقين لاضطهاد السادة.
لم تعد توجد أنظمة قنانة رسمية في العالم، إلا أن نمط التبعية المرتبط بها قد يشكل جانباً من عالمنا السياسي المعاصر. السادة لم يعودوا أشرافاً إقطاعيين، أو رجال دين يسيطرون على أوقاف واسعة، بل قد يكونون مسؤولي دول، أو قادة ميليشيات، أو زعماء حركات سياسية ذات ميل شعبوي.
قامت كثير من الدول، في العهد بعد الاستعماري، بإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، وإنتاج «طبقاتها» الخاصة، إلا أنها لم تنه علاقات الولاء والتبعية، بل أعادت ربط جموع الفلاحين، المُحررين من سادتهم القدماء، بأجهزتها المتضخمة. تصبح الدولة هنا، غالباً مع رئيسها وقائدها المسيطر، السيدَ الجديد، الذي يقدم الدعم، ويفتح المجال للتوظف والتجند في مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية، على أسس عصبوية، وزبائنية. هذه العمليات، التي يميل بعض الباحثين لتسميتها «التفليح»، لم تساهم على الإطلاق بنشوء فئات اجتماعية، تمتلك استقلالاً نسبياً عن جهاز الدولة، وتفهم تعددية مواقعها ومصالحها؛ كما أنها قضت على الفئات القديمة، التي كانت تملك مثل هذا الفهم. باختصار، ظل التابع تابعاً، مع تحسن نسبي في شروط حياته، ما دامت الدولة ما تزال قادرة على الدعم، وتوزيع الريوع، ولم ينشأ، بين «مواطني» الدولة الجدد، مفهوم للذات الاجتماعية المستقلة، وبالتأكيد لم يصبحوا «ذات تاريخهم الخاص».
اضمحلال دول بعد الاستقلال، وغرقها في أزماتها وحروبها، أطلق العنان للفوضى، ولنمط جديد من السادة، قد يتضخمون لملء الفراغ الذي خلفته الدول القديمة، مع مقولات تبدو جديدة، أو حتى راديكالية، ولكنها لا تخرج في العمق عن الإطار الأيديولوجي للأنماط القومية والهوياتية الدارجة في عهود سابقة. وفي كل الأحوال فإن الأوضاع تزداد رثاثة، والتبعية لا تعود مجرد «تفليح»، أو قنانة مُحَدثَة، بل انحداراً متسارعاً نحو الهمجية، إذ لا تعود علاقات الولاء والتبعية منتجة لأطر أخلاقية أو اجتماعية أو مؤسساتية، حتى بالمعنى العالمثالثي الرث، بل أقرب لتوزيع العوائد والغنائم في إقطاعيات نفوذ جديدة، مثالها الأبرز إمارات الحرب، ومواضع سيطرة هذه الميليشيا أو تلك، ضمن «اقتصاديات ظل» ابتلعت المتن نفسه.
ربما كانت الهند، بنظامها السياسي بعد الاستقلال، الذي يفخر بأنه «أكبر ديمقراطية في العالم»، بغض النظر عن صحة الادعاء؛ واتساعها وتنوعها الشديد؛ وخصوصية التجربة الاستعمارية، وكذلك تجربة التحرر الوطني فيها، قادرة على طرح موضوع «التابع» على مستوى نظري مؤثر عالمياً، رغم كل ثغراته الفكرية، إلا أن استيراده إلى منطقتنا، كما هو، قد لا يكون نافعاً، ولا يختلف عن إسقاط أي مفهوم «غربي» على أوضاعنا، إذ لا يكفي أن يكون المفهوم من «الجنوب العالمي» لكي يتطابق مع الأسئلة المحلية. وربما يكون سؤالنا الأبرز، بخصوص التبعية، هو دورها في النزع الشامل للتحضر في المنطقة، الذي يعرقل استمرار الحياة فيها.
كاتب سوري