تكتشف المؤسسة السياسية والإعلامية الأوروبية إن لم نقل الغربية فجأة أن هناك إبادة جارية في غزة، فبعد 19 شهرا من الدم والجوع والدموع تغمرنا التصريحات والتهديدات والمقالات والتحليلات التي تفيد بأن إسرائيل وحكومتها المتطرفة ترتكب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في غزة. وتأتي هذه الصحوة المفاجئة، بعد أكثر من شهرين على خرق وقف إطلاق النار وحصار القطاع الكامل وخطط أمريكية- إسرائيلية للسيطرة على توزيع المواد الإنسانية وتكرار نموذج المرتزقة الذي استخدمه الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان. ونسمع عن مؤسسة اسمها غزة الإنسانية، التي تلقت حسب صحيفة «فايننشال تايمز» (21/5/2025)، نصائح من رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، رغم نفي معهده أنه قدم نصائح رسمية لها. ورفضت الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية الدولية التعاون مع خطة إسرائيل- أمريكا التي قالت إنها تعرض حياة المدنيين للخطر وهي خطة مبطنة لترحيل سكان شمال غزة إلى الجنوب وحصرهم في مناطق صغيرة لدفعهم على مغادرة وطنهم حسبما يبشر نتنياهو ومن معه في الحكومة المتطرفة. ولم يتوقف بتسلئيل سموتريتش عن تصريحاته الإبادية طوال الأسبوع الماضي والتي قال فيها إن الجيش يدمر ما تبقى من غزة بحيث لا يبقى أمام الفلسطينيين إلا الرحيل.
التبجح بالقتل
وباتت لغة الإبادة واضحة بل والتبجح بالقتل، فالنائب في الكنيست، تسيبي سكوت تفاخر بالقول: «نقتل كل يوم 100 فلسطيني في غزة ولا أحد يهتم»، وفي الحقيقة هناك من يهتم ويطالب بإنهاء الحرب، ولكن تصريحات هذا النائب وغيره والتي لم يكن الإعلام الغربي ليلقي إليها بالا قدر تشويه حركة المؤيدين لفلسطين وتجريم دعاة وقف إطلاق النار، باتت اليوم تلقى اهتماما من وسائل الإعلام الغربية، بل وقبل التحرك في الموقف الغربي، ولا نقول تغيرا، بدأ الإعلام حملة نقد لإسرائيل ونتنياهو تحديدا على مواصلة الحرب في غزة وخطة احتلال القطاع الكامل من أجل إنهاء المهمة والقضاء على حماس.
غطاء لإكمال المهمة
وناقش الصحافي البريطاني جوناثان كوك بمقال نشره موقع «ميدل إيست آي» (22/5/2025) أن الحملة الإعلامية ضد إسرائيل سبقت تصريحات المسؤولين مثل كير ستارمر، رئيس الوزراء البريطاني والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون ورئيس وزراء كندا مارك كارني، حتى لا يبدو التغير في المواقف مفاجئا.
ورأى كوك أن التحول هو محاولة من أجل منع الإدانة لكي تصل إلى أبوابهم مع أن خط الدم في غزة يقود إلى أبوابهم. وقال إنه بعد 19 شهرا من الروايات المضللة التي قدمتها الحكومات الغربية لجماهيرها عن غزة، يتم الترويج لرواية جديدة وإن كانت مضللة بنفس القدر.
فمع اقتراب خط النهاية لبرنامج التطهير العرقي الإبادي الإسرائيلي، يعاد كتابة سيناريو غزة الغربي على عجل. مع أن هذا بلا شك هو نفس شبكة الأكاذيب التي تخدم مصالح الغرب الذاتية. ويعتقد كوك أن «المسرحية» الحالية هي محاولة أخرى لإعطاء إسرائيل الوقت لإكمال مهمة الإبادة. فلو كانت أوروبا جادة في مساعدة غزة لأوقفت كل الدعم العسكري والدبلوماسي لها. ولتعاملت مع إسرائيل كما تعاملت مع روسيا التي فرضت عليها كما من العقوبات التي لم تفرض على دولة في التاريخ الحديث. فإذا كان الاتحاد الأوروبي غير قادر على تحديد البضائع المستوردة من إسرائيل وتحديد المنتج منها في المستوطنات، كما طالبت محكمة العدل الدولية في عام 2019، فكيف سيهدد قادة فرنسا وبريطانيا وكندا بفرض عقوبات ملموسة على إسرائيل؟
وكما هي عادة نتنياهو بالتبجح فقد اتهم القادة هؤلاء بأنهم يساعدون حماس، فردوا بأنه يقوم بالتشهير بهم.
لا يكفي
وأيا كان التحول في المواقف الغربية من إبادة غزة، فهو ليس كافيا لإجبار نتنياهو على وقف الحرب، علاوة على السماح بدخول المساعدات الإنسانية التي ظل يماطل بها حتى يوم الجمعة، ولم يدخل إلا عدد قليل من الشاحنات إلى القطاع، رغم تصريحات المؤسسات الإنسانية بأن غزة تجوع وتأكيد مسؤول أممي أن هناك 14.000 طفل غزي سيموتون لو لم يصلهم الطعام. وكان نتنياهو واضحا في سماحه بدخول «الحد الأدنى» من المساعدات بأنه ليس «خيرا» ولكن منة لأصدقائه في أمريكا و«قالوا لنا إنهم يقدمون كل المساعدات والأسلحة والدعم والحماية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لكنهم لا يستطيعون دعم صور الجوع الجماعي». وعلينا ألا ننخدغ بالصورة الحالية، فالصوت العالي من قادة الغرب، ليس إلا تمرينا في العلاقات العامة وببدو كلامهم وكأن شيئا قد تغير في الإبادة، مع أن القتل مستمر بدون هوادة، وتقتل إسرائيل حصيلة يومية من المواطنين الغزيين تتجاوز المئة إلى جانب تدمير البيوت المدمرة أصلا وتحرق وتقصف ما تبقى من بنى مدنية بحجة قصف «مراكز قيادة وتحكم» تابعة لحماس، تماما مثلما زعمت إسرائيل أن خطة توزيع المساعدات التي سيتحكم بها الجيش هي لمنع حماس من سرقتها.
الإدانة ليست كافية
وأيا كان الموقف الغربي، فالإدانة وحدها ليست كافية. ورأت الباحثة في تشاتام هاوس في لندن، سنام وكيل بمقال نشرته صحيفة «الغارديان» (21/5/2025) أن الإدانة وحدها لن تغير المسار الإسرائيلي في غزة. ولذلك، لا بد من اتخاذ إجراءات ملموسة بشأن العقوبات وإقامة الدولة الفلسطينية. لكن الكاتبة ترى أن تصاعد الضغوط الدولية على إسرائيل تكشف عزلة متزايدة عن شركائها وحلفائها، وخاصة أن حكومة نتنياهو أكدت عزمها على إعادة احتلال غزة مرة أخرى واستدعت قوات الاحتياط الإسرائيلية. وبالتزامن مع ذلك، يستمر التوسع غير القانوني للمستوطنات والعنف في الضفة الغربية بدون هوادة.
وكان البيان الفرنسي- الكندي- البريطاني جزءا من الضغط على إسرائيل واستنكارا للحملة الجديدة في غزة. كما وأعلن وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي عن تجميد المفاوضات التجارية مع إسرائيل، وفرض عقوبات على المستوطنين والمنظمات المتورطة في أعمال العنف في الضفة الغربية. وجاء هذا اللوم في أعقاب دعوة وزير الخارجية الهولندي لمراجعة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. وانتقدت هذه الخطوة، التي أيدها عدد كبير من دول الاتحاد الأوروبي، سلوك إسرائيل في الحرب، وقد تؤدي إلى فرض عقوبات. وذهب رئيس الوزراء الإسباني إلى أبعد من ذلك، واصفا إسرائيل بأنها دولة إبادة جماعية.
ومن اللافت للنظر أنه حتى إدارة ترامب، المؤيدة بشدة لإسرائيل، تنأى بنفسها عن حكومة نتنياهو، حيث تجنب ترامب التوقف في إسرائيل خلال جولته في الشرق الأوسط. كما اختار نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، تأجيل زيارته إلى إسرائيل، ما يشير إلى أن الإدارة تريد النأي بنفسها عن المشهد العام لهذه الحرب التي لا تنتهي. وتعتقد وكيل أن «جوقة» الإدانة الدولية المتزايدة تعتبر تحولا حاسما في المواقف العالمية، ولكن بدون جهود أكثر صرامة، بما في ذلك المزيد من العقوبات، فمن غير المرجح أن يغير نتنياهو وائتلافه اليميني خططهم العسكرية ضد غزة وخطط التوسع الإقليمي.
ومن المؤكد أن نتنياهو عالق بين ضغوط محلية ودولية متزايدة، ولكن حتى الآن لا يكفي أي منهما لإجباره على تغيير المسار أو الحسابات. ولا يزال ائتلافه من الشركاء اليمينيين ينظرون إلى الحرب في غزة كفرصة تحت ستار الأمن القومي لتوسيع مطالب إسرائيل الإقليمية. وقد هاجم نتنياهو نفسه، الذي يسعى للبقاء في السلطة حتى عام 2026، أوروبا والمملكة المتحدة، بحجة أن إسرائيل تقود معركة بين «الحضارة والهمجية».
معارضة من الداخل
وتتزايد المعارضة داخل إسرائيل، وتظهر استطلاعات الرأي أن 67 في المئة من الإسرائيليين يريدون إنهاء الصراع وإعادة الأسرى. ويكتسب منافسون سياسيون، مثل رئيس الوزراء السابق، نفتالي بينيت، وزعيم الحزب الديمقراطي، يائير غولان، زخما بين الناخبين الذين خاب أملهم من استراتيجية الحكومة الحربية وأجندتها المحلية. ومع ذلك، فإن التحدي الجدي لقبضة نتنياهو على السلطة يتطلب ائتلافا معارضا أكثر توحدا وتوجها نحو المستقبل. وتعرض غولان الذي كان من مؤيدي الحرب على غزة لهجوم من المعارضة ووزراء الحكومة المتطرفة عندما قال إن الجنود الإسرائيليين يقتلون الأطفال الفلسطينيين كهواية.
وقال إيهود اولمرت، رئيس الوزراء السابق في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إن ما تفعله إسرائيل الآن في غزة «يقارب جريمة حرب». وأضاف: «هذه حرب بلا هدف، حرب بلا أمل في تحقيق أي شيء يمكن أن يُنقذ أرواح الرهائن» و«الظاهر للحرب هو أن آلاف الفلسطينيين الأبرياء يقتلون، بالإضافة إلى العديد من الجنود الإسرائيليين»، معتبرا «ما يحدث أمرا مشينا».
كارثة استراتيجية
واعتبر إيهود باراك في مقال نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» (23/5/2025) أن إعادة غزو إسرائيل هو كارثة استراتيجية. وقال باراك وهو رئيس وزراء سابق إن إسرائيل بعد 20 شهرا على هجمات 7 أكتوبر 2023، تواجه خيارا مصيريا: التوصل لاتفاق يعيد الأسرى أو القيام بعملية عسكرية واسعة في غزة في ملاحقة سراب «النصر الكامل»، إلى جانب هذا يواجه نتنياهو خيارا آخر، إما مواصلة التحالف مع إيتمار بن غفير وزير الأمن وسموتريتش اللذان يريدان حربا مستمرة أو التحالف مع المجتمع الدولي.
وقال إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حذر نتنياهو: «سنتخلى عنكم لو لم توقفوا هذه الحرب». ويرى باراك أن أي صفقة ستنفع إسرائيل لأنها ستعيد الأسرى وتنهي الكارثة الإنسانية في غزة. لكن نتنياهو يخشى المضي في هذا الطريق لأنه سيؤدي لانهيار ائتلافه ويعيد فتح ملفات الفشل الأمني في التكهن بهجمات حماس، في وقت يواجه محاكمات فساد، والمعنى أن أي صفقة ستؤدي إلى نهاية حكمه الطويل. ومن جانب آخر، تحمي الحرب نتنياهو سياسيا، لكنها من الناحية الإستراتيجية كارثة. ويرى أن إسرائيل دمرت معظم قدرات حماس وأي جولة أخرى من القتال ستنتهي عند نفس النقطة. محذرا من أن محاولة «التدمير الكامل» لحركة مندمجة بين 2 مليون نسمة ليست عملية من الناحية العسكرية. وبالتأكيد فأن أي عملية عسكرية جديدة في غزة لن تقدم أية مكاسب استراتيجية، وهذا كاف لأن ينهي كل نقاش حول الحرب. ويرى الكثير من الإسرائيليين حرب نتنياهو الجديدة في غزة باعتبارها «حربا سياسية» لحماية ائتلافه الهش. وعندما تنتهي، سواء بضغط دولي، محلي أو كارثة إنسانية، فستعود من حيث انتهت، أي البحث عن بديل حقيقي لحماس. وإذا كان هذا هو الحال، فلماذا التضحية بالأسرى والجنود والأبرياء في غزة؟ ورأى باراك أن خطأ نتنياهو بدأ منذ هجمات 7 أكتوبر والتي فرضت على إسرائيل واقعا بأنه يجب منع حماس من حكم غزة مرة أخرى، إلا أن نتنياهو فشل المرة تلو الأخرى لمعالجة الأمر. واتهم نتنياهو بأنه قام بدعم بقاء حماس في غزة عام 2019 وسمح بوصول الأموال إليها لتقسيم السلطة الوطنية ومنع قيام دولة فلسطينية. ويعتقد باراك أن القاعدة الأولى كما أكد منظروها من كلاوزفيتز إلى كيسنجر وهي أن الحرب تشن لغرض سياسي. وقد فشل نتنياهو في هذا الامتحان مع أن حكومة الحرب طلبت منذ بداية الحرب تحديد معالم نهايتها «اليوم التالي»، لكنه رفض، لماذا؟ لأن الحرب ستقود إلى الحقيقة غير المريحة، وهي أن هزيمة حماس تعني استبدالها بحكومة مقبولة من الحكومات الإقليمية والمجتمع الدولي والفلسطينيين أنفسهم.
ترامب صامت
وسبب رفض نتنياهو تغيير المسار هو اعتماده على الراعي الأمريكي الذي لم يغير موقفه من الحرب أو ضرورة هزيمة حماس. وحتى في ظل التقارير التي تتحدث عن خلافات بين ترامب ونتنياهو إلا أنها تتجاوز حقيقة انقسام إدارة ترامب حول إسرائيل، فهناك في الإدارة من يرى أن إسرائيل مجرد شريك. ونقلت مجلة «بوليتيكو» (22/5/2025) عن مسؤول سابق في إدارة ترامب قوله: «هناك كادر في الإدارة لا تهمه إسرائيل، ولا يعتقد أن لها أي أهمية خاصة. وهم يعتبرونها شريكا، وليس شريكا يجب علينا بذل أقصى الجهد لتقديم خدمات له». ومما يعقد الأمر هو نهج نتنياهو المتعجرف من العلاقة مع الولايات المتحدة، مقارنة مع المعاملة الفخمة التي يلقاها ترامب من دول الخليج، والتي تقدم له الشيكات والصفقات أما إسرائيل فتأخذ منه. وقال المسؤول السابق في الإدارة: «نتنياهو من أولئك الذين يضغطون باستمرار، وهذا قد يزعج ترامب». ووضع ترامب مسافة بينه وبين حكومة إسرائيل، حيث توصل إلى وقف لإطلاق النار مع الحوثيين في اليمن استثنى إسرائيل. كما وتحدى معارضة نتنياهو في محاولته التوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن برنامجها النووي. فيما اعتبر الكثيرون قرار ترامب بعدم زيارة إسرائيل في رحلته الأخيرة إلى الشرق الأوسط بمثابة ازدراء علني لنتنياهو.
ويبدو أن الأخير يكتشف أن ما تمناه من ترامب لم يكن كما يريد. ورأت المحللة المختصة بالشؤون الإسرائيلية في لدى مجموعة الأزمات الدولية، ميراف زونسزين، في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (21/5/2025) قالت فيه إن إفراج حماس عن عيدان ألكسندر، الجندي الذي يحمل الجنسية الأمريكية والإسرائيلية، في غزة في 12 أيار/مايو، بعد مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وحماس تجاوزت إسرائيل، بدت الصور التي رافقت إطلاق سراحه وكأنها عملية أمريكية وقعت بالصدفة في إسرائيل. وكانت الرسالة واضحة: ترامب، وليس رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، هو من أخرج الجندي الإسرائيلي من غزة. وعلقت «هذه ليست إدارة ترامب التي كان نتنياهو ينتظرها بفارغ الصبر. ففي كل قضية استراتيجية وجيوسياسية مهمة تقريبا تهم إسرائيل، لا يتجاوز ترامب إسرائيل فحسب، بل يتحرك أيضا في اتجاه مختلف تماما عما كان سيختاره نتنياهو». وتعتقد أن الإدارة الأمريكية همشت إسرائيل مرارا وتكرارا.
كل هذا لا يعني أن هناك أزمة مفتوحة بين ترامب ونتنياهو أو أن إسرائيل فقدت الولايات المتحدة كأقوى حليف لها أو حتى أن ترامب سيجبر إسرائيل على وقف الحرب في غزة. في الواقع، في غزة، تركت الولايات المتحدة ائتلاف نتنياهو وشأنه في الغالب. وإلى جانب تقديم وعد السيطرة على غزة وتحويلها إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» قدمت إدارة ترامب المزيد من الدعم والأسلحة لإسرائيل، بما في ذلك القنابل التي يبلغ وزنها 2000 رطل والتي حظرها الرئيس جو بايدن، وقيل إنها طرحت فكرة نقل مليون فلسطيني إلى ليبيا.
لكن ترامب يتحدث عن «إنهاء هذه الحرب الوحشية للغاية»، بينما يعد نتنياهو الآن علنا «بالسيطرة على جميع أجزاء غزة» و«النصر الكامل». وتعتقد الكاتبة أن نتنياهو يجد نفسه اليوم في مأزق كبير، لم يعد بإمكانه إلقاء اللوم على إدارة بايدن لعرقلتها له في غزة كسبب لعجزه عن هزيمة حماس.
كما لم يعد بإمكانه إلقاء اللوم على وزير دفاعه أو رئيس أركان جيشه أو أولئك الذين يقودون فريق التفاوض، وهناك أزمة بين جنود الاحتياط الذين يعانون من مزيج من التعب وانعدام الدافع لعملية لا يعتقدون أنها ستحقق أهدافها، فيما تفضل غالبية الرأي العام الإسرائيلي وكتلة حرجة من رؤساء المؤسسة الأمنية الإسرائيلية السابقين يفضلون صفقة تبادل أسرى لإنهاء الحرب. ويبدو أن البيت الأبيض قد رأى أخيرا نتنياهو على حقيقته: زعيم إسرائيلي ضعيف لا يملك ما يقدمه لترامب، الذي يبدو مهتما بالتجارة والأعمال التجارية وجائزة نوبل للسلام أكثر من اهتمامه بمواصلة تمويل حرب لا نهاية لها. وهذا تحول كبير. فبعد فوز ترامب في الانتخابات، رأى نتنياهو حليفا يدخل البيت الأبيض. فهو، في نهاية المطاف، الرئيس نفسه الذي اعترف بضم إسرائيل لمرتفعات الجولان ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في ولايته الأولى. وهو الرئيس نفسه الذي حمى نتنياهو، منذ عودته إلى منصبه، من مذكرة اعتقاله الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بفرض عقوبات على المحكمة والإشراف على حملة شرسة لقمع حرية التعبير وتفكيك النشاط المؤيد للفلسطينيين في الولايات المتحدة. والآن، أصبح الرئيس هو من ترك نتنياهو يبدو أكثر عزلة وإذلالا وعجزا من أي وقت مضى. وقبل بضعة أشهر، بدت إسرائيل وكأنها تحقق مكاسب تاريخية في صراعها المستمر منذ عقود على الهيمنة في الشرق الأوسط: فقد سحقت حزب الله في لبنان، وتركت إيران عُرضة للخطر، وساهمت في سقوط نظام الأسد في سوريا. أما اليوم، فقد أصبحت إسرائيل مجرد صَدفة ولم يبق في إسرائيل سوى جيش يتمتع بقدرات وموارد هائلة، ماهر في المراقبة والتدمير، وقائد أتقن فن البقاء السياسي من خلال سحق المعارضة والتلاعب بالروايات. تحالف نتنياهو، المؤلف من مستوطنين يمينيين متطرفين ويهود متشددين، متماسك لأنه لا يملك ملاذا آخر. ولا يزال السؤال مطروحا حول ما إذا كان ترامب سيجبر نتنياهو أخيرا على إنهاء الحرب على غزة، لكن قدرة إسرائيل على توجيه دفة الحوار أو تشكيل ديناميكيات المنطقة قد تضاءلت بشكل كبير بسبب حملتها التي لا نهاية لها. وما يروج له نتنياهو من تحقيق نصر صفري على حماس دون ضمانات بإعادة الأسرى المتبقين، لم يعد له من يشتريه. يبدو في هذه الأيام محاصرا، والسؤال إن بقيت له حيل أخرى للخروج من هذا المأزق.
الأغنية الأوروبية
ولعل حادثة متحف واشنطن منحت نتنياهو الفرصة للخروج، من خلال حديث ممثله في واشنطن عن جبهة ثامنة في الحرب التي تخوضها إسرائيل، لكن إدارة ترامب قللت من حماس نتنياهو وقالت إن مقتل الدبلوماسيين هو حادث محلي يتعلق بمعاداة السامية. ولعل ما يلفت النتباه هو أن إسرائيل التي تقف عند مفترق طرق وتزداد عزلتها على الساحة العالمية، وتواجه عزلة متزايدة واضطرابات داخلية، رأت في المشاركة بمسابقة الأغنية الأوروبية فرصة لها للخروج من العزلة، ورغم المعارضة الشعبية والتظاهرات إلا ان التصويت تم للمشاركة في المسابقة، يوفال رفائيل. وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» (24/5/2025) أن حصولها على المرتبة الثانية لم يكن بدون حملة التصويت التي قادها نتنياهو نفسه وكتب قبل صعودها على المسرح لإداء الإغنية رسالة لمتابعيه على انستغرام حثهم فيها على المشاركة في التصويت لصالحها، ولم يكن وحده فقد كانت الحملة عامة وشاملة في كل مؤسسات إسرائيل.