نواكشوط ـ «القدس العربي»:في مشهد عالمي يلامس حدود العبث، تجد الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل نفسها مضطرة للاقتراض بمبالغ فلكية من الدول الغنية لتمويل مشاريع مخصصة لمواجهة تغيّر المناخ، أي مواجهة أزمة لم تتسبب بها هذه الدول، أساساً، بل كانت ضحية لها.
وبدل أن تسهم هذه القروض في «إنقاذ الكوكب»، تغرق تلك الدول أكثر فأكثر في مستنقع الديون، بينما يواصل الملوثون التاريخيون في الشمال الصناعي جني الأرباح، بدون أن يُطلب منهم سوى القليل من المسؤولية، إن طُلبت أصلاً.
وجاء تقرير حديث نشرته منظمة «أكسيونييد» بعنوان «من يدين لمن؟» ليضع الأمور في نصابها: فالدول الغنية، وفق تقديرات التقرير، مَدِينةٌ للقارة الأفريقية وحدها بما يقارب 36 ألف مليار دولار، كدين مناخي أولي يُفترض أن يعكس حصتها في الأضرار البيئية التي لحقت بالعالم، نتيجة انبعاثاتها المفرطة عبر العقود.
وتفترض الدراسة التي استند إليها التقرير، والتي أعدّها الباحثان جيسون هيكل وأندرو فانينغ، أن نحو 70 في المئة من الفروقات في ثروات الدول تعود إلى حجم انبعاثات الغازات الدفيئة منذ الثورة الصناعية؛ وبمعنى آخر: فالأغنياء انطلقوا في سباق اقتصادي بسيارات تستهلك الوقود وتطلق الكربون، بينما تُرك الفقراء يتعثرون على الطريق بدون حتى أن يُخبرهم أحد ببدء السباق.
وفي أكثر السيناريوهات «تواضعاً»، حيث يتم احتساب الانبعاثات بدءاً من عام 1992 فقط (تاريخ توقيع اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ)، فإن الديون المناخية المستحقة على الدول الغنية تقفز إلى 107 تريليونات دولار، أي ما يعادل 70 ضعفاً لحجم ديون الدول الفقيرة والمتوسطة مجتمعة، والمقدّرة بنحو 1450 مليار دولار.
ولا تتوقف المأساة هنا، ففيما تواصل الدول الأفريقية سداد ديونها الخارجية بشروط صارمة، تُحرم من حقها في الحصول على تعويضات مناخية عادلة، وتُضطر إلى تقليص ميزانيات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية لتتمكن من خدمة ديون لم تكن سبباً فيها أصلاً.
والأدهى من كل ذلك هو أن التمويلات المناخية التي تعهّدت بها الدول الغنية منذ اتفاق باريس عام 2015، تُقدَّم في الغالب على شكل قروض جديدة، لا منح. أي أن البلدان المتضررة تُطالَب بالاستدانة مرة أخرى للتكيّف مع كوارث لم تسهم في صناعتها؛ بل إن متوسط الفائدة التي تدفعها الدول الأفريقية على هذه القروض يبلغ 9.8 في المئة، مقارنة بنسبة 0.8 في المئة فقط، التي تدفعها ألمانيا!
فهل يمكن، بعد كل هذا، الحديث عن «عدالة مناخية» في هذه المعادلة المختلّة؟ أم أننا أمام نموذج جديد من الاستغلال المسوَّق بلغة الإنقاذ الأخضر؟
ويختتم التقرير بتوصية واضحة وجريئة مفادها أنه على دول الجنوب، وفي مقدمتها أفريقيا، أن توحّد صفوفها للمطالبة بإطار أممي جديد للتعامل مع ملف الديون، بعيداً عن هيمنة صندوق النقد الدولي، بحيث يُدرج إلغاء الديون ضمن حسابات العدالة المناخية، ويُعاد رسم قواعد اللعبة بما يُنصف من لم يشارك في صناعة الكارثة، لكنه يُطالَب وحده بدفع ثمنها.