ما الذي يجعل الناس سعداء في حياتهم؟

حجم الخط
2

لندن ـ «القدس العربي» ـ وكالات: الثروة ليست كل شيء! هذا ما أكدته دراسة دولية جديدة شملت مئتي ألف شخص حول العالم. الدراسة حاولت تقفي أثر الأشخاص السعداء وفي أي البلدان يعيشون، كما كشفت أيضا عن نتيجة مقلقة تخص إحساس الشباب باستمرار بعدم الرضا.

هل أنا راضٍ؟ ما الذي يجعلني سعيداً، عائلتي، عملي؟ لا يقول الناتج القومي الإجمالي لبلد ما أي شيء عن أحوال الناس فيه، فالمال وحده لا يجعل الناس سعداء، حتى في البلدان الغنية، يمكن أن يكون الناس وحيدين وغير سعداء.
وفي الوقت نفسه هناك حاجة إلى مستوى معين من الرخاء والأمان لكي يشعر الناس بالأمل والرضا. يعتمد ما إذا كنا سعداء ومتى نكون سعداء على أحكامنا الذاتية، وعلى رفاهيتنا الشخصية.

يوم السعادة العالمي

حدّدت الأمم المتحدة تاريخ 20 آذار/مارس من كل عام ليوم السعادة العالمي، وصادف التاريخ هذا العام إطلاق النسخة الـ13 من التقرير السنوي للسعادة.
ويستند التقرير إلى بيانات استطلاع «غالوب» العالمي من أشخاص في أكثر من 140 دولة.
ويعتمد تصنيف الدول بحسب مستوى سعادتها على متوسط تقييماتها للحياة على مدى الأعوام الثلاثة السابقة، أي بين عامي 2022 و2024.
يُعدّ التقرير ثمرة شراكة بين «غالوب»، ومركز أكسفورد لأبحاث الرفاهية، وشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة.
يطلب الاستطلاع من كل مشارك تقييم حياته ككل، وينظر التصنيف إلى تلك التقييمات الحياتية، ومن ثم يتناول التقرير ستة متغيرات رئيسية تساهم في تفسير تقييمات الحياة، وهي: نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، والدعم الاجتماعي، ومتوسط العمر المتوقع الصحي، والحرية، والكرم، ومدى إدراك الفساد.
وتمتعت الدول الخليجية هذا العام بحضور قوي ضمن القائمة، حيث احتلت دولة الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى عربيًا والـ21 عالميًا، ومن ثمّ تبعتها الكويت المرتبة الـ30، والمملكة العربية السعودية المرتبة الـ32، وسلطنة عُمان المرتبة الـ52، ومملكة البحرين المرتبة الـ59.
واحتل الأردن المرتبة الـ128، ومصر المرتبة الـ135، واليمن المرتبة الـ140، ولبنان المرتبة الـ145 ضمن المراكز الأربعة الأخيرة في قائمة الدول العربية.
وعندما يتعلق الأمر بالسعادة، من الواضح أن دول الشمال الأوروبي تُحرز تقدمًا كبيرًا في العديد من المجالات، حيث تُعتبر فنلندا أسعد دولة في العالم للعام الثامن على التوالي، تليها الدول المجاورة لها مباشرةً.
وأفادت المديرة العامة لمؤسسة «غالوب»، إيلانا رون ليفي: «لا تزال دول الشمال الأوروبي، مثل فنلندا، تستفيد من أنظمة صحية وتعليمية ترتبط بالدعم الاجتماعي عالي الجودة. كما أن مستوى التفاوت في الرفاهية منخفض بين أفراد المجتمع».
وتبقى فنلندا، والدنمارك، وأيسلندا، والسويد الدول الأربع الأولى في القائمة، وبالترتيب ذاته منذ عام 2024. كما احتلت النرويج المركز السابع مرة أخرى.
ودخلت دولتان من أمريكا اللاتينية، وهما كوستاريكا في المركز السادس، والمكسيك في المركز العاشر، قائمة الدول العشرة الأولى للمرة الأولى في تقرير عام 2025.
وشرحت رون ليفي أنّ سكان كلا البلدين يتمتعون «بشبكات اجتماعية قوية، وتصورات راسخة حول اتجاه اقتصادهم، وثقة عالية في قادتهم ومؤسساتهم».
وكانت هولندا في المركز الخامس، ولوكسمبورغ المركز التاسع ضمن قائمة الدول العشر الأولى في القائمة أيضًا.
وبعد خروجها من قائمة الدول العشرين الأولى في القائمة لأول مرة العام الماضي، احتلت أمريكا المركز الـ24 في أحدث تقرير.
وليست الولايات المتحدة الدولة الوحيدة المتحدثة باللغة الإنكليزية التي تواجه تحديات في مجال السعادة، إذ سجلت المملكة المتحدة في المرتبة الـ23 أدنى تقييم لمتوسط الحياة منذ عام 2017.
أمّا كندا، التي شهدت انخفاضًا في مستوى السعادة خلال العقد الماضي، فقد بقيت ضمن أفضل 20 دولة، وفي المركز الـ18 تحديدًا.
وجاءت أفغانستان في أسفل القائمة، بالمركز الأخير مجددًا المرتبة الـ 147.

البحث العلمي عن حياة مُرضية

أجرى فريق دولي بحثًا عن ماهية الحياة السعيدة والبلدان التي يشعر فيها الناس بالرضا بشكل خاص باستخدام بيانات المسح الجديدة كجزء من «دراسة الازدهار العالمي». ويعني «الازدهار» السعي إلى حياة ذات مغزى ومليئة بالفرح والتقدم الشخصي.
وتختلف النتائج المنشورة في مجلة «نيتشر مينتل هيلث» بشكل كبير من بلد إلى آخر. وكتب الباحثون أن هذا ليس تصنيفًا للبلدان، وذلك لأن الأمر لا يتعلق بالبلدان فقط، بل بإجابات المشاركين في الاستطلاع من هذه البلدان، والنتائج من 22 دولة لا تمثل العالم بأسره.
ومع ذلك تنطبق بعض العبارات العامة في كل مكان تقريبًا: الأشخاص الذين لديهم وظيفة أو يعيشون في شراكة أو يحضرون بانتظام المناسبات الدينية بشكل عام لديهم حياة أكثر إشباعًا.
وتوضح ليوني ستيكنماير، أستاذة علم الاجتماع التطبيقي في جامعة كايزرسلاوترن لانداو التي لم تشارك في الدراسة: «الاختلافات بين الجنسين ضئيلة، فالأشخاص المتزوجون يبلغون باستمرار عن ازدهار أعلى من الأشخاص في الحالات الزوجية الأخرى، والأشخاص العاملون والمتقاعدون أفضل من أولئك الذين لا يعملون، ويرتبط المستوى التعليمي العالي والمشاركة الأكثر تواترا في المناسبات الدينية، على سبيل المثال القداس الكنسي، بازدهار أعلى».

مسح يتناقض مع تقرير السعادة العالمي

فبالإضافة إلى البيانات الديموغرافية والأسئلة المتعلقة بالطفولة، تم تحليل مجالات الحياة المختلفة: الصحة، والرفاهية الذاتية، والمعنى في الحياة، والشخصية، والعلاقات، والأمن المالي والتوصل انطلاقا من نتائج ذلك مؤشر «الازدهار».
يهدف مفهوم «الازدهار» إلى الإحاطة بجودة جميع مجالات حياة الشخص. وتحقيقًا لهذه الغاية، تم استطلاع آراء أكثر من مئتي ألف شخص في جميع أنحاء العالم، وستتكرر هذه الاستطلاعات سنويًا مع نفس الأشخاص في السنوات المقبلة من أجل التمكن من تحليل التغيرات مع مرور الوقت.
ويقدّر الباحثون بشكل خاص مجموعة البيانات الواسعة للدراسة الجديدة والتي تختلف بعض نتائجها بشكل كبير عن تقرير السعادة العالمي السنوي، كما يقول البروفيسور الدكتور هيلكه بروكمان، الأستاذ المشارك في علم الاجتماع في جامعة كونستانتور بريمن: «لا يتطابق ترتيب الدول مع ترتيب تقرير السعادة العالمي لهذا العام والذي يرى أن الدول الإسكندنافية الغنية تحتل الصدارة. وعلى العكس تحتل إندونيسيا المرتبة الأولى في تقرير السعادة العالمي، ولكنها تحتل المرتبة 83 في تقرير السعادة العالمي لعام 2025».

السعادة في الشيخوخة والقلق في الشباب

كما أن النتائج المتعلقة بـ«الازدهار» على مدار الحياة مثيرة للدهشة بشكل خاص: يفترض العديد من الباحثين في مجال السعادة تطورًا على شكل حرف U للرضا عن الحياة.
ومع ذلك، فإن الرفاهية الذاتية تختلف بشكل كبير على مدار الحياة اعتمادًا على البلد: يزداد «الازدهار» مع التقدم في العمر في أستراليا والبرازيل واليابان والسويد والولايات المتحدة الأمريكية. أما في إندونيسيا وكينيا وتركيا فيبقى على حاله على مدار العمر، بينما ينخفض في الهند وتنزانيا على مدار العمر.
وتقدم الدراسة الجديدة بشكل عام تفسيرات قليلة حول الأسباب المحتملة، كما أنها لا تقدم أي توصيات. «تظل الاختلافات الخاصة بكل بلد محيرة أيضًا. ويرجع ذلك إلى أن مفهوم الازدهار يتحدث عن السياقات بعبارات عامة جدًا بدون توضيحها بشكل أكثر دقة»، كما تقول ستيكنماير. ومع ذلك فإن البيانات التي تم جمعها يمكن أن تساعد في «تفكيك الاختلافات الوطنية وتفسيرها سببيًا».
وتقول الأستاذة المبتدئة في علم الاجتماع التطبيقي في جامعة كايزرسلاوترن لانداو إنه من المحزن والمقلق أيضًا أن الأجيال الشابة «تتخلف بشكل كبير على مستوى الأجيال السابقة من حيث رفاهيتها الذاتية والعقلية».
وبشكل عام «هناك مستوى منخفض بشكل مدهش من الازدهار في الفئات العمرية الأصغر سنًا. وكما يشير المؤلفون أنفسهم، فإن هذا أمر مثير للدهشة من منظور علمي ومثير للقلق من منظور السياسات».
وتُظهر الدراسة الجديدة بوضوح مدى قوة اعتماد الرضا على الصحة النفسية والجسدية والعلاقات الاجتماعية الوثيقة والاستقرار المالي والمادي.
وأن «ظروف الحياة المجهدة في مرحلة الطفولة ترتبط بازدهار أقل في مرحلة البلوغ»، وفقًا لستيكنماير مثل العلاقة مع الوالدين أو الوضع المالي في الأسرة أو صحة الفرد في مرحلة المراهقة المبكرة. وتقول عالمة الاجتماع هيلكه بروكمان: «إن الظل الطويل لأحداث الطفولة المبكرة مثل إساءة معاملة الأطفال يصبح مرئيًا أيضًا».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية