استعدادا لمؤتمر 2 حزيران في باريس: أي مؤتمر لأي إجراءات وأي آمال؟

حجم الخط
1

يعقد التحالف الدولي في الثاني من حزيران / يونيو المقبل مؤتمرا تحت الرئاسة المشتركة لرئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، ووزيري خارجية أمريكا وفرنسا، جون كيري ولوران فابيوس. فهل نحن مقبلون على مؤتمر قديم – جديد ينتمي إلى خانة المعاد المكرر، أم أن نقاطا مفصلية ستثار تحت قبة المسؤولية الدولية أمام ما يحدث في العراق وسورية، وأيضا أمام صراع شمله التدويل بما لا يترك مجالا للارتياب؟
قد يشكل فحص مختصر للواقع الذي تعيشه المنطقة الآن مدخلا من المداخل التي يمكن أن تساعد على فهم أدق لرهانات صارت تقحم في الحلبة أكثر من طرف.
أولا، المكون الاجتماعي السني والشيعي، الذي دخل منذ زمان محك السياسة فتعدى الوجه الطائفي إلى أبعد. وهذا الأبعد يتمثل في عجز المشهد العراقي في الوقت الراهن عن قيادة دفة الصراع ضد الإرهاب، بدمج مكونات البلد وفصائلها في نسيج واحد لا يطغى فيه سنة ولا شيعة بل ينقل العنصر الطائفي إلى وحدة وطنية.
ثانيا، والترتيب عفوي اعتباطي يعد نقاطا مهمة لا يصنفها، فكل النقاط المعروضة هنا على درجة واحدة من الأهمية، ثانيا إذن، التوجه الأمريكي، أو العقيدة الأمريكية، كما يقال أيضا في أدبيات الجيوسياسة. العقيدة الامريكية معروفة، فهي عقيدة «الالتزام المحدود»، أي بعبارة أخرى الامتناع كليا عن التدخل البري مهما طرأ من تغيير على المشهد. ونشدد على هذا العبارة: مهما طرأ من تغيير على المشهد. فقد عرفت المنطقة في الآونة الأخيرة تغييرات من الطراز الرفيع، وإلا فكيف نسمي سقوط كل من تدمر السورية والرمادي العراقية بسهولة ميدانية باتت موضع أكثر من علامة استفهام… ليس لمجرد أنباء تناقلت عن عزوف الجيش النظامي العراقي عن القتال، ولكن أيضا، وربما قلت أولا، عن أسباب هذا العزوف إن وقع فعلا. فليس سرا أن تكون ما يمكن تسميته بعملية الارتماء في الأحضان، أو على الأقل الحلف الموضوعي، سولت نفوس عدد ليس بالزهيد من وجهاء سنة العراق لإحساسهم بالغبن والتهميش من قبل طبقة وصلت إلى سدة الحكم بعد الانسحاب الامريكي من العراق. وأكثر من علامة استفهام يمكن وضعها أيضا على كلام أوباما الذي أدلى به في المقابلة التي اجرتها معه مجلة «الأتلاتنيك» الأمريكية حين صرح بما يلي: «إذا كانت إرادة العراقيين في القتال عديمة، فلا يمكننا القتال في أماكنهم، والضمير المتصل يعود هنا إلى امريكا والتحالف الدولي. ويعدّ هذا الكلام ترجمة بالأمريكي الفصيح لامتناع الولايات المتحدة عن التوجه لخيار التوغل البري، وهو خيار لم تستبعده فرنسا منذ البداية.
فرنسا، صاحبة المبادرة المقبلة المتمثلة في هذا المؤتمر، ولذلك الكل ينتظرها. وهذا الانتظار والترقب مؤسسان على مدى الإدراك الدبلوماسي الفرنسي بأن الأمور متطورة وليست مستقرة، متحولة وليست ثابتة، وعلى أنّها، بالتالي، تستدعي تحولا طارئا عن استراتيجية أمريكية لم تتزحزح عنها منذ كشفت في 10 من سبتمبر المنصرم، التي تتمثل في حصر الدعم جويا وفي تكوين وحدات قتالية عراقية على الأرض آهلة لتحمل «الصدمة». هذا «البرنامج» لم يعد ملائما، والجمــيع يعلم ذلك. فهل ستكون الدبلوماسية الفرنسية، وكما عودتنا في تاريخها، حاملة المشعل البديل؟
أما النقطة الثالثة، وهي من الأهمية بمكان، فتتمثل في الأطراف الفاعلة في المنطقة، بين نفوذ وتمدد وإذعان. هناك أولا العنصر الإيراني، الذي يعتبر الاتفاق النووي بشأنه الشغل الأمريكي الشاغل، خاصة أنه لم يعد يخفى على أحد، أن إيران تعد بمثابة آخر أمل امريكي في الوقوف سدا منيعا امام انفراط الدولة السورية بالكامل. وهنا أيضا نترقب الموقف الفرنسي: فمن المعروف أن فرنسا توخت الحذر الشديد في مفاوضات مجموعة 5+1 بشأن النووي الإيراني، والرسالة الضمنية واضحة، قد يكون الطرف الإيراني طرفا في المباحثات بشأن مستقبل سورية… لكن «طرفا في المباحثات» لا يعني حلفا يلحق بركبه دونما تدبر ولا شروط. وهناك أيضا الطرف التركي، الذي لا يتصدر المشهد في التغطية الإعلامية، رغم أنه حظي باهتمام المحللين الامريكيين ذوي النفوذ (المتوقع) أمثال خبراء معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الذين دعوا قبيل اجتماع كامب ديفيد في 14 مايو الماضي إلى إنشاء منطقة حظر جوي في شمال سورية لدعم قوى المعارضة السورية التي تدعي واشنطن أنها «تؤطرها». ومسألة الحظر الجوي هذه من أكثر مطالب تركيا إلحاحا، مقابل دعم صريح منها لعمليات التحالف الدولي عن طريق سماحها للطائرات الامريكية بالإقلاع من قاعدتها الجوية «إنجيرليك».
أخيرا وليس آخرا، الطرف الروسي. والطرف الروسي ليس من النوع القابل للاستمالة اليسيرة ولا دغدغة المشاعر. فلئن كانت أمريكا قد اتجهت فعليا لتحقيق التقارب مع روسيا على أعلى المستويات فلأنها تدرك جيدا، وإن يكن ضمنا تحت الكواليس، أنها صارت تتقاسم أكثر فأكثر مصلحة مشتركة معها، وهي الاستقرار في المنطقة، ليس بأي ثمن، ولكن على الأقل بثمن المفاوضات، وهذا يعني بالعربي والأمريكي والروسي الفصيح ألا استشراف للواقع السوري المستقبلي بدون مفاوضات تشرك المعارضة وتشرك النظام.
في الثاني من يونيو المقبل، المجتمع الدولي على المحك، وبمبادرة فرنسية هذه المرة. عسى الثوابت الدبلوماسية التي سماها البعض «سياسة فرنسا العربية» تطل من جديد وبتميّز.

٭ باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

بيار لوي ريمون٭

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية