كان العلامة ناصر الدين الأسد، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى الأسبوع الماضي، من كوكبة الأعلام الكرام الذين انتهت شهرتهم بأن جنت على حقيقتهم، أو بعض منها. فقد تضافرت موسوعيته المشهودة، حيث كان مجال إنتاجه مترامي الأطراف أدبا وشعرا ونقدا ولغة وترجمة وتاريخا وتحقيقا، مع سطوع نجمه الباكر في سماء الأدب (منذ صدور كتابه “مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية” الذي عدّه الجمهور القارىء آنذاك ردا على كتاب أستاذه طه حسين، وما هو كذلك)، على نحو آلت معه شهرته الأدبية والنقدية إلى طمس مقوم هام من مقومات شخصيته الثقافية الفذة. ولهذا فقد كان لناصر الدين الأسد، في عالم الثقافة العربية، وجه يكاد يكون غير معروف: وهو أنه مفكر إسلامي أصيل.
كان مفكرا إسلاميا من حيث الجوهر، ولو لم يكن كذلك من حيث العنوان والاصطلاح. ويظهر هذا من وجهين: الأول أن كل من يحاوره وينصت إليه يدرك سريعا أنه أمام مثقف حر تساوى عنده الاقتضاء المعرفي مع الاقتضاء الأخلاقي فأصبحا متلازمين، ولهذا فقد كان يصدر في معظم تصوراته في الفن، والتربية، والحضارة، واللغة وسواها من المجالات عن فهم إسلامي نيّر وعن أخلاقية قرآنية صافية. أما الوجه الثاني فهو أن بعض مؤلفاته التي لم تنل من الشهرة ما نالته أعماله الأدبية والنقدية – ومنها “نحن والعصر: مفاهيم ومصطلحات إسلامية”، “نحن والآخر: صراع وحوار”، و”تصورات إسلامية في التعليم الجامعي والبحث العلمي” – إنما تتضمن رؤيا إسلامية متماسكة لما أشكل أو تأزّم في علاقة أمّتنا بذاتها وبالعالم.
رؤيا يبسطها بصفاء نموذجي وبيسر أخاذ. ذلك أن ناصر الدين الأسد، تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته، لا يأخذ بالبسط والتفسير والتيسير أخذا منهجيا أو بيداغوجيا فحسب، بل إن يسر العبارة هو أساس الأسلوب عنده تماما كما أن سماحة النفس هي أساس الشخصية فيه. موهبة أنعمها الله عليه جعلت القول الفصيح ينساب على لسانه وقلمه انسيابا رفيقا في كل حال.
من ذلك أن في كتاب “نحن والعصر” فصلا بعنوان “الإسلام والثقافة العربية في عالم جديد” يصعب أن تجد له نظيرا في البيان والتبيين لعظم الدور الذي اضطلع به الإسلام في نحت الثقافة العربية وخصائصها الأساسية منهجا ومحتوى و’تطبيقات للمنهج والمحتوى على مر العصور”. وبما أن من أهم خصائص الثقافة العربية أنها “تقوم على أساس تداخل المعرفة وتكاملها، وأنها ثقافة تجمع علوم الدين وعلوم الدنيا، علوم الرواية وعلوم الدراية، علوم الأوائل وعلوم العصر”، فإنه قد دعا في كتابه “تصورات إسلامية في التعليم الجامعي والبحث العلمي” إلى إصلاح التعليم الجامعي في البلاد العربية بمنهج يسعى لتحقيق التكامل بين المعرفة الدينية والمعرفة الدنيوية. كيف؟ بجعل علوم الدين عنصرا ثابتا في مقررات التعليم الجامعي في البلاد العربية والإسلامية. أي بتمكين جميع الطلاب أيا كانت اختصاصاتهم، من طب وهندسة وزراعة وتاريخ وأدب وعلوم إدارية الخ، من قدر من التكوين في علوم التفسير والحديث والفقه “على أن تكون من المصادر الأصلية”. وبهذا تتحقق غاية منهجية أخرى هي وصل الطالب بمصادر المعرفة بدل إعطائه نتائجها الجاهزة.
ولعل ناصر الدين الأسد هو الوحيد الذي تفرد، دون سواه من الأكاديميين العرب والمسلمين، بالدعوة إلى “تكاملية المعرفة” على هذا النحو. ذلك أن اهتمامه قد كان منصبّا على بحث أنسب الطرائق العملية لترسيخ القيم التربوية والعلمية الإسلامية ونشرها أفقيا بين ملايين الطلاب. ولهذا فإن الرأي عنده أن الأفضل من إقامة كليات شريعة منفصلة هو أن تتم إشاعة المعرفة الدينية الحق بين الجميع. وقد كان يتساءل مثلا: لماذا لا يقرأ الطلاب المسلمون، على اختلاف اختصاصاتهم، كتاب “الرسالة” للشافعي، أول من كتب في أصول الفقه؟
ولا بد من الملاحظة هنا أنه بينما دعا الكثيرون إلى “إسلامية المعرفة”، فإن هذا المثقف العروبي المسلم الذي حقق “مصحف الشروق المفسّر الميسّر” (أي مختصر ابن صمادح التجيبي الأندلسي لتفسير الإمام الطبري) قد نفذ إلى الجوهر باكتفائه بالقول بوجوب “تكاملية المعرفة”. ذلك أن “التكاملية” قيمة ومضمونا إنما تغني عن “الإسلامية” اسما أو عنوانا. ولكن أهمية هذه النقطة هي أنها ربما تفسر، بقدر ما، لماذا لم يكن الرجل يصنف “مفكرا إسلاميا”، بالمعنى المتعارف.
رحم الله ناصر الدين الأسد وأكرم مثواه. لقد كان أمة في رجل.
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي