أيهذا الغموض المرعب الذي صدم الإنسان في بداياته الأولى؟ وهل كان بالإمكان أن يواجهه الإنسان بغير ذاك الوعي، الذي يبدو أكثر غموضا ورهبة من غموض ورهبة هذا العالم؟ هل كانت بداية وعي الإنسان بذاته وكينونته في هذا العالم الغفل الذي لا يبالي منحة أم محنة؟ لماذا كلما زاد وعي الذات بذاتها وموضوعها ضاقت كل الاحتمالات الممكنة، واتسعت دائرة القلق، وانفصل الإنسان عن أصل غفل، على الأقل يضمن الطمأنينة والعيش بسلام؟ هل كان الوعي ضروريا لفهم العالم بأشيائه وتفاصيله، من أجل إعطاء معنى ما لوجود ما، حتى لو كان ثمن هذا الوعي مكلفا، بحيث أصبح المعنى نفسه أكثر غموضا من الكينونة نفسها، وأصبح الوعي مصدر قلق وعبث وجوديين لا مصدر راحة وطمأنينة؟
إن الوعي الإنساني، حسب هذا الفهم وجميع الفهومات الواردة في المدونات والسجلات الفلسفية، هو أحد أعقد تجليات الوجود الإنساني. إنه ليس مجرّد فهم أو إدراك للحياة، بل شرط لمواجهتها والتصدي لها، من خلال التمرّد عليها بحثا عن حيوات أخرى بديلة. وحين يتجاوز هذا الوعي عتبة «الطبيعي»، ويتضخّم إلى ما يُعرف بالوعي المفرط، أو الفائض، يتحوّل من أداة للفهم إلى عبء ثقيل، بل إلى مصدر لا ينقطع للألم.
إن أقصى درجات الوعي تشعر الإنسان بالعزلة والاغتراب بما يجعله يحس بالفقدين: فقد الألفة وفقد المعنى. والعكس صحيح. قدر كينونتنا إذن، إما أن نفقد أصالتنا بخضوعنا للدوكسا الوجودي، ما يجعلنا نقع في فخ الفراغ والعبث وغياب المعنى، وإما أن نقنع أنفسنا بوعي الدوكسا هذا، حتى لو كان مزيفا سعيا وراء وعي مزيف والخروج بسلام، لأن خطأ نظرية التعايش مع الواقع، في صوابها أحيانا .في ضوء هذا النظر الفلسفي الوجودي، الذي يرى في القلق والغربة أبعادا جوهرية للكينونة، تتبلور أهمية هذا السؤال: هل الوعي المفرط منحة تفتح باب الحكمة، أم محنة تقود إلى العزلة والعبث الوجودي؟
يولد الإنسان وفي داخله نواة للوعي تنمو مع التجربة والتفاعل مع العالم. غير أن هذا الوعي، حين يتضخم، لا يكتفي بإدراك الأشياء، بل يكشف زيفها، ويعرّي خلفياتها، ويدفع بالذات إلى التشكيك في الثوابت والمسلمات ليتركها عارية أمام مسؤوليتها الوجودية. في هذا السياق، يصبح الوعي معاناة داخلية إذ إنه لا يمنحك الطمأنينة، بل يجرك جرا نحو القلق والسؤال الدائم عن المعنى. ففي لحظة الصمت، حين يغيب ضجيج الواقع، يواجه الإنسان هشاشته وضعفه، ويشعر بما وصفه كامو بـ»العبث»، أي إدراك انفصال الرغبة في المعنى عن عالمٍ لا يقدّمه، بل يصنعه الإنسان بنفسه: «أن تحسّ بالعبث لا يعني أن الحياة بلا معنى، بل إن المعنى ليس معطًى، بل يُصنع» (أسطورة سيزيف).
من أبرز ما قدّمه رائد الفلسفة الوجودية جان بول سارتر في تأملاته في هذا الموضوع، انطلاقا من أطروحته الشهيرة «الإنسان يُلقى في العالم ثم يبدأ بصياغة نفسه»، هو ربطه الوعي بالحرية، بوصفها قدرا لا مفرّ منه. ففي كتابه «الوجود والعدم» يكتب سارتر: «الإنسان محكوم عليه بالحرية»، أي أنه مجبر على الاختيار وتحمل نتائج اختياراته في عالم يفتقر للمرجعيات الثابتة. فلا معنى جاهز وثابت أو مفروض، بل الحرية المطلقة ومعها القلق المطلق. وكل واحد منا يتحمل مسؤولية حريته في أن يعطي معنى لحياته. حرية ليست سهلة وإنما هي مرعبة جدا جدا..
والأكيد أن هذا الوعي الحرّ لا يمنح الإنسان الطمأنينة، بل على العكس يزرع فيه القلق والألم المؤديان إلى الإحساس بالاغتراب. فالاختيار هنا ليس مفاضلة بسيطة، بل مسؤولية ثقيلة في عالم لا نهائي من الاحتمالات والإمكانات. ولهذا، فالوعي المفرط يصبح عبئا لا بسبب خطأ في الإدراك، بل لأنه يدرك حجم الحرية واللايقين الذي يتخبّط فيه الكائن البشري. في الاتجاه نفسه تسير فلسفة الدنماركي سورين كيركغارد، حين اعتبر أن القلق هو الحالة الأصلية للوجود الحر. فالإنسان يعاني من القلق لأنه حر بما يكفي، وأن عليه أن يختار مساره بنفسه، دون ضمانات. ففي كتابه «الخوف والارتعاش»، يشير إلى أن «القلق هو دوخة الحرية… إنه إمكان السقوط في اللامحدود» (كيركغارد).
إن الوعي حين يتعمّق، يدرك الإنسان أن كل قرار هو نسبي ويحمل إمكان السقوط، وأن كل معنى يُبنى فقط على رمال متحركة من الاحتمال. هذه «الدوخة» ليست عرضا نفسيا، بل تجربة أنطولوجية يعيشها من اختار أن يرى حقيقته المقلقة دون أن يخدع نفسه. حين ينظر الإنسان إلى نفسه من خلال نظرة الآخر، يتحوّل الوعي إلى مسرح للاغتراب. ففي مسرحيته «الجلسة المغلقة»، يصوغ سارتر مقولته الشهيرة: «الآخر هو الجحيم». هذه العبارة تُحيل إلى أن الذات، حين تُدرك وجودها بوصفها موضوعا لنظرة الآخر، تفقد أصالتها، وتُصاب بالاغتراب عن ذاتها.
أكيد أن هذا يؤدي إلى عزلة مزدوجة: لا فقط أمام العالم، بل داخل العلاقات التي يفترض أن تكون مصدر الطمأنينة. فكل علاقة تُعيد تشكيل الذات وفقا لمعيار خارجي، لتغدو غريبة حتى عن صورتها الذاتية. أما ألبير كامو فرغم تشخيصه الحادّ لعبثية الوجود، فإنه يقدّم بديلا أخلاقيا لا يقوم على الإنكار أو الاستسلام، بل على التمرد الخلّاق. فالوعي المفرط، من منظور كامو، هو لحظة تأسيس للصدق والخلق والمقاومة: «أن تحسّ يعني أن تعاني، وأن تفهم يعني أن تتألم أكثر» (أسطورة سيزيف).
لكن هذا الألم لا يُنتج العدم، بل يفتح إمكان التمرّد على اللامعنى عبر الفعل، والإبداع، والمحبة، والكتابة. لهذا، يرى كامو أن سيزيف، رغم عبثية مصيره، «يجب أن نتصوّره سعيدًا» (المصدر نفسه).
ما بين سارتر وكيركغارد وكامو، يتضح أن الوعي الزائد ليس مرضا، بل هو أثر جانبيّ لفهم أعمق للوجود، إنه لا يقتل، لكنه «يجرح باستمرار»، كما يُقال. إنه وعي يسبق الفقد، ويوقظ الحنين، ويستشعر اللاجدوى، لكنه أيضا يُحرّض على السؤال، وعلى الخلق، وعلى الحياة كما لو كانت مقاومة. وفي هذا التحريض، يغدو الألم الناجم عن الوعي أكثر جمالية من راحة غُفل. إنه جوهر الكينونة لا بوصفه معاناة، بل باعتباره محركا للإبداع، والتماس مع الحقيقة في هشاشتها. من هنا، يكون الوعي المفرط، رغم مأساته، هدية ثقيلة تُصقل الروح.
في ضوء ما سبق، يمكن القول، إن الوعي المفرط هو امتحان فلسفي للكينونة. إنه لا يمنحنا المعنى، بل يُجبرنا على بنائه. لا يضمن الأمان، بل يفضح هشاشته. لكنه مع ذلك، قد يكون مفتاحا لفهم أعمق للذات والعالم، ولصوغ تجربة وجودية تتجاوز الاستهلاك والسذاجة، نحو تأملٍ صادقٍ ومُوجع، لكنه جدير بالحياة، بل إن الوعي المفرط قد يصبح أحيانا بوابة نحو الحكمة والإبداع، والكتابة الحدودية. فالكثير من المبدعين الجديرين بهذه الصفة، حملوا هذا الوجع كشرطٍ للخلق، وكسؤال مفتوح لا يبحث عن جواب، بل عن صدى ورجع فقط.
كاتب مغربي