غاب مدة طويلة، إلى أن أُعلِنَ عن قرب ظهوره مُحاضِرًا في مدينة تطوان.
إنه رئيس الحكومة المغربية السابق، الدكتور سعد الدين العثماني. والإشارة هنا إلى صفة الدكتور لم تأت اعتباطًا، لأن الأمر يتعلق بشخصية ذات اختصاص في الطب النفسي، ويمتلك عيادة معروفة في هذا الشأن. وقد وجّهتْ إليه كلية الآداب الدعوة لإلقاء محاضرة في مجال تخصصه، الأسبوع المقبل، بالإضافة إلى توقيع كتابه الجديد حول «الصحة النفسية الإيجابية».
كان يمكن أن نمرّ على الخبر مرور الكرام، لولا أن الجهة المنظمة أضافت ـ في ملصق التظاهرة ـ إلى الصفة العلمية للدكتور العثماني، صفته السياسية، باعتباره رئيس حكومة سابق.
الظاهر أن سيادته يدرك «خطورة» المعطيات الرسمية التي أُميطَ اللثام عنها أخيرًا، والتي تفيد بأن حوالي نصف المغاربة عانوا ـ أو ما زالوا يعانون ـ من اضطرابات نفسية خلال مرحلة ما من حياتهم. طبعًا، أكيد أن «صاحبنا» سوف يعزو ذلك إلى عوامل نفسية أو اجتماعية أو عائلية، لكنه لن يقترب أبدًا من «عش الدبابير»، بالإشارة إلى السياسة غير الشعبية لحكومة عزيز أخنوش.
لماذا؟ بكل بساطة، لأن سعادة الدكتور العثماني الذي يعرف كيف ينتزع «الاعترافات» و»الفضفضات» من وعي أو لا وعي مرضاه، اختار الصمت منهاجًا وأسلوبًا في الحياة، فهو على ما يبدو يؤمن بالمثل الذي يقول «مَن كثُر كلامه كثر خطأه»، أو لعلّه يجسّد شعار «كم حاجة قضيناها بتركها»!
ولهذا السبب غير المعلن، اختير ما بين 2017 و2021 رئيسًا للحكومة المغربية، خلفًا لعبد الإله بن كيران الذي أعفي من مهمة تشكيل الحكومة، علمًا بأن هذا الأخير اشتُهر بلسانه الحاد وسجالاته التي كانت تخلق الفرجة لدى الإعلاميين والمتلقّين، وتُقلق الفُرقاء السياسيين.
وحينما حاورت «القدس العربي» سعد الدين العثماني، بعد حوالي عام على تنصيبه، كان حريصًا على تطبيق شعاره المومأ إليه والالتزام به بمنتهى الدقة. ورغم محاصرته بالأسئلة المهنية القوية من لدن محاوريه الثلاثة، وهم رئيس التحرير الأستاذة سناء العالول، ومدير مكتب الصحيفة في المغرب الزميل الراحل محمود معروف، وعبد ربه كاتب هذا العمود، فإن رئيس الحكومة السابق كان كمَن وضع قفلاً على شفتيه، يستحيل معه أن تنتزع منه اعترافًا صغيرًا أو جملة واحدة تشفي الغليل، فجاء كلامه ـ للأسف ـ مليئًا بالكليشيهات وبـ «لغة الخشب»، كما يقول الفرنسيون!
ومن ثم، لا غرابة أن فترة ولاية معاليه كانت من أضعف المراحل في تاريخ حكومات المغرب المعاصر، كما أنها اتّسمت بالتوقيع على اتفاقية «التطبيع» المشؤومة مع الكيان الصهيوني. وانتقلت عدوى هذا الضعف إلى حزب «العدالة والتنمية» حين كان أمينا عاما له، فمُني بهُزيمة مدوية إبّان انتخابات 2021، ما زالت تداعياتها مستمرة إلى الآن!
حكومة على «سرير نفسي»!
الرجل، اليوم، وضع مسافة كبيرة بينه وبين السياسة، ولذلك لن نخوض معه فيها، بل نسأله من زاوية تخصصه النفسي فقط، عن «التشخيص» الذي يمكن أن يقدّمه لشخصية ما، كرئيس الحكومة الحالي الذي يجمع بين إدارة الأعمال الخاصة وتدبير الشأن العام، ويردد آناء الليل وأطراف النهار أنه حقق للمغاربة في ظرف وجيز ما لم تحققه الحكومات السابقة طيلة أكثر من نصف قرن! والناس في حيرة من أمرهم، هل يُصدّقون كلام أخنوش الذي يصوّر المغرب كأنه صار «جنة أرضية»؟ أم يُصدّقون ما تراه أعينهم وما يلمسونه على أرض الواقع المتردّي؟
ويزداد الأمر غرابة كون حزب «التجمع الوطني للأحرار» الذي يقوده رئيس الحكومة، تولّى رئاسة عدة حكومات خلال فترات متتالية، علاوة على رئاسة مجلس النواب والمستشارين. كما أن عزيز أخنوش نفسه كانت له حظوة خاصة في حكومات سابقة، بما فيها الحكومة التي كان يرأسها حزب «العدالة والتنمية».
مُجدَّدًا، نسأل سعد الدين العثماني، بصفته طبيبا نفسيا، عن وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الذي ـ على ما يبدو ـ يجد نشوة خاصة في اقتياد إعلاميين إلى السجن، كما هو الشأن بالنسبة للصحافي حميد المهداوي الذي يلاحقه بشكايات متتالية، مسنودًا بضوء أخضر من لدن رئيس الحكومة. ما يجعل الصحافي المذكور مهددًا بالسجن وبدفع غرامة مالية تصل إلى مليون دولار أمريكي، حسب ما يطالب به محامي وزير العدل!
واللافت للانتباه أن طموح معاليه معزّز بمدوّنين وإعلاميين يستعجلون وضع الصحافي حميد المهداوي في الزنزانة، بدون أي شفقة أو رحمة أو ضمير إنساني. بل الأدهى من ذلك، أن «داعيةً» شهيرًا كتب تدوينة بلغة الحسم: «اليوتيوبر حميد المهداوي على باب السجن»، ما فُسِّرَ من لدن كثيرين بأن ثمّة حملة منظّمة، هدفها التهييء لهذا الحادث غير المرغوب فيه من لدن الحقوقيين والإعلاميين وشرائح عديدة من المجتمع المغربي. تمامًا، مثل حملات التجييش والشحن الإعلامي التي سبقت اعتقال صحافيين مغاربة، منذ بضع سنوات، بتهم أخلاقية.
وإذا كان داعية شهير نسي أو تناسى أن الإسلام دين عدل ورحمة، قد ذاق مرارة الزنازين حينما لاحقته تهمة الإرهاب، قبل أن يستفيد من عفو ملكي، فإنه استبق حكم القضاء المغربي في جميع مراحله، وقرر أن حميد المهداوي على أبواب السجن، حيث ستتكرر ـ لا قدر الله ـ قصصه مع الزنازين والسجناء وحرّاس السجن وإدارته ووجباته الغذائية!
ولذلك، نطلب من الطبيب النفسي، سعد الدين العثماني، الذي حمل حقيبة رئاسة الحكومة المغربية لسنوات، أن يجيب عن السؤال التالي: مَن يريد أن يُسوّد صفحات المغرب الحقوقية، بعدما اقتنع الشعب بأن البلد قطع مع ما كان يُعرف بـ»سنوات الرصاص»؟!
حالتان من فرنسا وأمريكا!
وما دمنا مُقتنعين بأن سعادته لن ينبس ببنت شفة، ولن تُحَلّ عقدة لسانه تجاه أشجان الناس «الغلابة» في المغرب، فلنولّ وجوهنا إلى خارج الحدود، لنطلب منه ـ على سبيل المثال فقط ـ أن يقدّم لنا تفسيرا «إكلينيكيا» لحالة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي شاهده العالم، وهو يتلقى ضربة قوية من زوجته السيدة بريجيت قبل نزولهما من على سلم الطائرة الرئاسية!
وليشرح لنا معاليه التبريرات التي قدّمها ماكرون للحدث الذي جعله عرضة للشفقة من لدن أنصاره، وللتشفي من لدن أعدائه؛ حينما قال، والحرج بادٍ على ملامح وجهه، إن المسألة كانت مجرد دعابة من لدن زوجته… ونِعْمَ الدعابة أن يتلقى القائد لكمة أو صفعة قوية من لدن شريكته في الحياة خلال نشاط رسمي! ولم يقل لنا سعادة الرئيس كيف تتصرف معه زوجته حين يكون الأمر جِدًّا لا هزلاً!
«فرنسا أُمّنا التي رضعنا حليبها»، سيردّد الطبيب النفسي ورئيس الحكومة السابق مبرّرًا عدم الجواب على هذه الحالة!
حسنًا، فلنطلب من معاليه أن يقدّم لنا التوصيف السيكولوجي لزعيم دولة عظمى، يستدعي رؤساء وقادة من العالم، ليُجلسهم بجانبهم، على كرسي الاعتراف أو على «الكرسي الكهربائي» ـ لا فرق! ـ ثم يشرع في تقريعهم و»بهدلتهم» أمام الصحافيين، استجابةً لحالة نفسية غريبة، لا ندري هل هي أعراض مَرض بعينه؟
نعم، إنه دونالد ترامب، حالة متفردة، تستدعي التحليل الدقيق. ولكن، هل يقدر رئيس الحكومة المغربي السابق والطبيب النفسي على هذه المهمة. لو تولّاها لأسدى خدمة كبيرة للعلم وللتاريخ وللإنسانية… ولكن، أنَّى له ذلك؟
كاتب من المغرب