الأمم المتحدة- “القدس العربي”: وجّه الممثل الدائم لإسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، رسالة رسمية إلى رئيس مجلس الأمن الدولي عبّر فيها عن احتجاجه الشديد على تصريحات وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، توم فليتشر، متهماً إياه بتجاوز حدود التفويض الأممي وبتبني مواقف “غير محايدة” عبر استخدامه مصطلح “الإبادة الجماعية” لوصف الوضع في غزة. وطالب دانون بتوزيع الرسالة كوثيقة رسمية من وثائق مجلس الأمن. وقد حملت الرسالة تاريخ 16 أيار/مايو، لكنها لم تصل إلى الصحافة المعتمدة لدى المنظمة الدولية إلا بتاريخ 29 أيار/مايو.
استهل دانون رسالته بالتعبير عن “صدمته وانزعاجه الشديد” من تصريحات فليتشر خلال إحاطته لمجلس الأمن يوم 13 أيار/مايو، والتي خُصصت لمناقشة الأوضاع الإنسانية في غزة. وقد اقتبس دانون من فليتشر قوله: “ما هي الأدلة الإضافية التي تحتاجونها؟ هل ستتحركون الآن – بحزم – لمنع الإبادة الجماعية وضمان احترام القانون الإنساني الدولي؟ أم ستقولون بدلاً من ذلك: لقد فعلنا كل ما في وسعنا؟”.
وعلّق دانون على هذا التصريح موجّهاً حديثه لفليتشر: “لقد تجرّأتم، بصفتكم مسؤولاً رفيع المستوى في الأمم المتحدة، على الوقوف أمام مجلس الأمن وتوجيه تهمة الإبادة الجماعية دون دليل أو تفويض أو قيد. كان ذلك تصريحاً غير لائق تماماً وغير مسؤول، وحطم أي مفهوم للحياد. بصفتكم ممثلاً أممياً رفيع المستوى، أنتم ملزمون بالامتناع عن إطلاق أحكام مسبقة على قضايا دولية معقدة، لكنكم فعلتم العكس. لم تقدموا إحاطة؛ بل أطلقتم خطبة سياسية”.
وتساءل ممثل إسرائيل عن الجهة التي خوّلت وكيل الأمين العام إصدار ما يمكن تفسيره كتهمة قانونية بحق إسرائيل، قائلاً: “استخدام كلمة ’إبادة جماعية‘ كسلاح ضد إسرائيل ليس مجرد تحريف، بل هو تدنيس لمصطلح ذي وزن قانوني وأخلاقي فريد”.
وأضاف دانون أن هناك تدهوراً متزايداً في دقة استخدام اللغة السياسية، إذ أصبح اللجوء إلى “أفظع المصطلحات، من قبيل التشهير والشيطنة”، أمراً شائعاً. “لكن إذا وُجد مكان واحد ينبغي أن تبقى فيه الكلمات – والحقيقة – ذات أهمية قصوى، فهو قاعات الأمم المتحدة، حيث يُفترض أن يتحلى مسؤولوها بالحياد والرصانة. لقد فشلتم في تلك المسؤولية، وقوضتم بذلك نزاهتكم الشخصية ونزاهة منصبكم ومصداقية المؤسسة الأممية”.
وزعم أن إسرائيل تعاملت مع فليتشر ومكتبه “بحسن نية وعلى أعلى المستويات”، مضيفاً: “منحتكم دولة إسرائيل فرصة كبيرة لإعادة توجيه مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في مسار جديد وموثوق، لكن لم تمضِ سوى خمسة أشهر حتى ضاعت تلك الفرصة. لم تصحّحوا الانحياز الذي عانى منه المكتب قبلكم، بل أصبحتم صوته الأعلى. كان من المحبط للغاية رؤية المكتب تحت قيادتكم يواصل التخلي عن مبادئ الحياد والنزاهة”.
وتابع: “أنتم ووكالتكم مطالبون بأن تسألوا أنفسكم: هل بذلتم فعلاً كل ما في وسعكم لمنع فظائع السابع من أكتوبر؟”.
ووجّه دانون سلسلة أسئلة مباشرة لفليتشر: “ماذا فعلتم لتسريع إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين الذين ما زالوا محتجزين تحت الأرض؟ ما المساعدة التي قدمتموها لهم؟ ما الإجراءات التي اتخذتموها لمحاسبة حماس على فظائعها بصفتها السلطة المسؤولة عن غزة؟ قبل إصدار الأحكام، أجيبوا عن هذه الأسئلة”.
وكان فليتشر قد قدّم خلال الجلسة إحاطة شاملة وصريحة حول تدهور الأوضاع الإنسانية في غزة، في ظل الإغلاق الكامل للمعابر ومنع وصول المساعدات لأكثر من مليوني شخص. ومن أبرز ما قاله، وما أثار غضب إسرائيل: “تفرض إسرائيل، عمدًا وبلا خجل، ظروفًا لاإنسانية على المدنيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة. لأكثر من عشرة أسابيع، لم يدخل غزة أي شيء – لا طعام، ولا دواء، ولا ماء، ولا خيام. هُجّر مئات الآلاف قسرًا، وحُبسوا في مساحات آخذة في التقلص، حيث أن 70% من أراضي غزة إما مناطق عسكرية إسرائيلية أو خاضعة لأوامر إخلاء”.
وأضاف: “هل ستتحركون الآن لمنع الإبادة الجماعية وضمان احترام القانون الدولي الإنساني؟ أم ستقولون: ’لقد بذلنا كل ما في وسعنا‘؟ يجب أن ينتصر هذا المجلس. أوقفوا تسليح هذا الصراع، طالبوا بالمحاسبة. وإلى السلطات الإسرائيلية: أوقفوا قتل المدنيين، ارفعوا الحصار الوحشي، ودعوا العاملين في المجال الإنساني ينقذون الأرواح”.
يُذكر أن توم فليتشر، البريطاني الجنسية، عُيّن في منصبه الحالي كوكيل للأمين العام ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) بتاريخ 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.
وقبل توليه هذا المنصب، شغل منصب مدير كلية هارتفورد في جامعة أكسفورد (2020–2024)، وكان نائباً لرئيس مؤتمر الكليات بالجامعة (2022–2024). كما عمل سفيراً لبريطانيا في لبنان (2011–2015) ومستشاراً للسياسة الخارجية لثلاثة رؤساء وزراء بريطانيين (2007–2011).