الخرطوم ـ «القدس العربي»: في وقت يستعد رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس لأداء القسم وإعلان حكومته بعد سنوات من فراغ المنصب، تحتدم المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع، مع محافظة الجيش على تقدمه وبعض المد والجزر في ولايات كردفان بالتوازي مع استمرار محاولات إستعادة إقليم دارفور، الذي يمثل مركز انتشار وسيطرة قوات الدعم السريع. في الأثناء تحاول قوات «حميدتي» من جانبها تشكيل حكومة موازية وقطع تقدم القوات الحكومية نحو مواقع نفوذها.
وفي ظل الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، يتصاعد الوضع الإنساني الكارثي في السودان، بسبب النقص الحاد في الغذاء والمياه النظيفة، خاصة في مناطق المعارك المحتدمة والمدن المحاصرة، بينما تجاوز عدد النازحين واللاجئين 13 مليون داخل وخارج البلاد، يعيشون أوضاعا إنسانية بالغة التعقيد. وفاقم الأزمة الانتشار المتسارع لوباء الكوليرا الذي أصاب الآلاف وأودى بحياة المئات في نطاق واسع من البلاد، بينما بلغت ذروتها في العاصمة السودانية الخرطوم، حيث توافد مئات الآلاف من العائدين من الولايات الأخرى ومن خارج البلاد، بعد إعلان خلوها من الدعم السريع الأسبوع قبل الماضي، بعد عامين من الحرب التي دمرت بنيتها التحتية وجعلت عودة الحياة تحديا كبيرا في ظل امكانات محدودة يتوجه معظمها للدعم الحربي.
دعوات لإعلان الطوارئ الصحية
أطلق التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» بقيادة عبد الله حمدوك، نداء عاجلا لإعلان حالة الطوارئ الصحية في السودان، في ظل التفشي المتسارع للوباء.
ودعا إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية من دون عوائق إلى جميع المناطق المتضررة، وإزالة القيود الأمنية والعسكرية وتوفير وتكثيف حملات التطعيم في المناطق الأكثر عرضة للخطر للحد من انتشار الوباء، بالإضافة إلى توجيه الموارد والإمدادات بشكل مكثف إلى الخرطوم والنيل الأبيض والقضارف وشمال كردفان والجزيرة، حيث تتركز غالبية الحالات.
وأكد على ضرورة البحث في أسباب ارتفاع معدل الوفيات في جنوب كردفان وشمال كردفان لتحديد العوائق أمام الرعاية الصحية وتقديم العلاج، داعيا إلى اتباع منهج شفاف ومسؤول في إدارة هذه الكارثة.
وأطلق نداء عاجلا إلى منظمة الصحة العالمية والمنظمات الدولية ذات الصلة، والمنظمات التطوعية غير الحكومية والمجتمع الدولي والمجتمع المدني السوداني.
وأطلقت غرفة طوارئ منطقة كرري بمدينة أمدرمان نداء عاجلا إلى كل من لديه خبرة في العمل الطبي للتوجه فوراً إلى مركز الكوليرا بمستشفى حوادث الأطفال في أمدرمان، حيث يوجد نقص حاد في الكوادر الطبية. كما ناشدت من يستطيع توفير المحاليل الوريدية والفراشات إرسالها إلى المستشفى بشكل عاجل. وكانت منظمة أطباء بلا حدود قد حذرت من أن الوضع في السودان يشهد تصعيدا مقلقا، في ظل الانتشار المتسارع لوباء الكوليرا، ودعت الجهات المانحة والأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية إلى دعم عاجل لجهود تعزيز المياه والصرف الصحي والنظافة الصحية للحد من تفشي المرض.
ونوهت إلى أن استمرار انقطاع التيار الكهربائي يهدد عمل المستشفيات ومحطات المياه، ويجعل الوقود ضرورة حيوية لتشغيل المولدات.
ودعت المنظمة الوزارات المعنية في السودان إلى تسريع جهودها لاستعادة الكهرباء والمياه في المناطق المتضررة.
وعزت شبكة أطباء السودان الارتفاع المتسارع لحالات الإصابة بالكوليرا إلى استخدام المياه الملوثة نتيجة انقطاع التيار الكهربائي وشح المياه النظيفة، داعية إلى تدخل عاجل من السلطات الصحية بجانب نشر التوعية بمخاطر المرض والتحذير من استخدام المياه غير المكلورة أو التي تجلب من المناطق المكشوفة وأطراف النيل.
وأظهرت مقاطع مصورة مرضى بينهم أطفال يفترشون الأرصفة في محيط مستشفى النو بمدينة أمدرمان الواقعة غرب العاصمة الخرطوم. إلا أن الحكومة قالت لاحقا إنها نقلت المرضى من الشوارع المحيطة بالمستشفى إلى مرافق صحية هيئتها لاستقبالهم.
وتحدثت وزارة الصحة السودانية عن تراجع معدل الوفيات مشيرة إلى شروعها في إجراءات صحية وبيئية واسعة لمحاصرة الوباء.
وفي ظل التباين الواسع بين الإحصاءات الحكومية وإحصاءات المعارضة، أجرى رئيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، رئيس الوزراء السابق، دكتور عبدالله حمدوك، اتصالات بالعديد من الجهات الإقليمية والدولية المعنية العاملة في المجال الصحي الإنساني، واطلعهم على الأوضاع الصحية الكارثية في السودان، خاصة تفشي الكوليرا وأوبئة أخرى في العاصمة الخرطوم وبعض الولايات.
وحذر من أن الأوبئة تحصد مئات الأرواح يوميا في ظل نظام صحي منهار تماما، داعيا كافة الجهات والمنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل لإنقاذ السودانيين وبذل كلما يمكن لاحتواء هذه الكارثة الصحية.
وصول رئيس الوزراء الجديد
وفي خضم الأوضاع بالغة التعقيد في السودان، وصل رئيس الوزراء السوداني الجديد كامل إدريس إلى البلاد، الخميس الماضي، وسط وعود بصلاحيات واسعة لتشكيل حكومة تدير البلاد، في الفترة الأعقد من تاريخها.
وعلى الرغم من التصريحات الحكومية حول صلاحيات الحكومة المرتقبة، إلا أنها تقف أمام تحديات لا حصر لها، أبرزها مراكز القوة في البلاد، فضلا عن الحصص الموزعة مسبقا للحقائب الوزارية وفق اتفاقات معلنة وأخرى غير معلنة.
وقال وزير الثقافة والإعلام، المتحدث باسم الحكومة خالد الإعيسر أن البلاد تشهد مرحلة تاريخية بوصول كامل إدريس، رئيس الوزراء الجديد، مشيرا إلى أن الحدث بداية لمرحلة جديدة في تاريخ الحياة السياسية السودانية.
وأضاف في تصريحات صحافية خلال استقبال إدريس بمطار بورتسودان الخميس الماضي، «نرحب بدكتور كامل إدريس في هذه المرحلة الجديدة التي تمثل بارقة أمل وتتسم بكل علامات الانتقال الديمقراطي المدني المنشود».
وجاء تعيين الوزراء كامل إدريس بمرسوم دستوري صادر عن رئيس مجلس السيادة، القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، في التاسع عشر من آيار/مايو الماضي.
وإدريس، سياسي ودبلوماسي وأكاديمي بارز، وهو مرشح رئاسي سابق نافس الرئيس السوداني السابق عمر البشير في انتخابات العام 2010، كمرشح مستقل لرئاسة البلاد.
ولد في قرية الزورات، شمال السودان، حاصل على بكالوريوس الفلسفة من جامعة القاهرة، وبكالوريوس آخر في الحقوق من جامعة الخرطوم.
ونال درجة الدكتوراه في القانون الدولي من المعهد العالي للدراسات الدولية في جامعة جنيف في سويسرا، وشغل منصب المدير العام للمنظمة العالمية للملكية الفكرية لعشرة أعوام، في الفترة بين تشرين الثاني/نوفمبر 1997 وأيلول/سبتمبر 2008. عمل كذلك كأمين عام للاتحاد الدولي لحماية المصنفات النباتية الجديدة.
لديه عدد من المؤلفات والدراسات في الفلسفة والقانون والسياسة، عمل كمحاضر في عدد من الجامعات المحلية والدولية، وقاد جهود تطوير قوانين الملكية الفكرية في البلاد.
وفي أعقاب الثورة السودانية، في كانون الأول/ديسمبر 2018 والإطاحة بحكومة الرئيس السابق عمر البشير في نيسان/ابريل 2019، برز إسم كامل إدريس كمرشح لرئاسة وزراء الحكومة الانتقالية، ضمن عدد من المرشحين أبرزهم الدكتور عبد الله حمدوك، الذي وقع الاختيار عليه وقتها. وتولى المنصب حتى الانقلاب العسكري في تشرين الأول/اكتوبر 2021.
وحسب مصادر تحدثت لـ«القدس العربي» اشترط إدريس خلال المشاورات التي سبقت تعيينه، منحه صلاحيات كاملة، لتعيين الحكومة المرتقبة وإدارة شؤونها.
ومن المنتظر، أن يعلن رئيس الوزراء السوداني الجديد كامل أبو إدريس إعفاء الحكومة المكلفة والشروع في إعلان حكومة جديدة، تدير السلطة التنفيذية في البلاد.
ومن المتوقع أن تحتفظ الأطراف الموقعة على اتفاق سلام جوبا بحصتها الوزارية التي نص عليها اتفاق السلام الموقع بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية التي ضمت عددا من الحركات المسلحة والتنظيمات المعارضة في تشرين الأول/اكتوبر 2020. فيما لا يزال غير معلوم إذا كانت ستحتفظ بذات الحقائب الوزارية التي من أبرزها وزارتي المالية والمعادن.
وبناء على ذلك أعلن البرهان، إنهاء تكليف أعضاء مجلس السيادة بمهام إدارة الوزارات، حيث كان كل عضو مسؤول عن إدارة عدد من الوزارات، بما فيها وزارتا الداخلية والخارجية، الأمر الذي تسبب في الإطاحة بعدد من الوزراء المكلفين، بعد تضارب رؤاهم مع القرارات السيادية.
حكومة موازية
وتأتي القرارات الدستورية وترتيبات إعلان الحكومة بالتزامن مع تصريحات لقيادات في الدعم السريع تحدثت عن ترتيبات لإعلان حكومة موازية خلال أيام.
وعلى الرغم من التقدم الميداني للجيش السوداني، وسيطرته على نحو 70 في المئة من البلاد، ما تزال قوات الدعم السريع تمضي في خطوات تشكيل حكومتها التي قالت إنها ستدير السودان من مواقع سيطرتها، فيما تتحدث بعض المكونات الموالية لها عن حكومة منفى.
وفي السياق قال رئيس المجلس الاستشاري لقوات الدعم السريع حذيفة أبو نوبة، إنهم بصدد الإعلان عن حكومة خلال أيام.
ومنتصف نيسان/ابريل الماضي، قال زعيم قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، التي تقاتل الجيش السوداني منذ منتصف نيسان/ابريل 2023، أن حكومتهم المزمع تكوينها ستتشكل من تحالف مدني واسع، مشيرا إلى أنها ستوفر الخدمات الأساسية في جميع أنحاء السودان، و«ليس فقط في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع». وأشار إلى أنهم بصدد إصدار عملة جديدة، ووثائق هوية جديدة.
ومنذ آيار/مايو الماضي تحاول قوات الدعم السريع الاستحواذ على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، آخر معاقل الجيش في إقليم دارفور، غرب السودان. حيث كانت تحاول إعلان سيطرتها الكاملة على الإقليم ومن ثم إعلان حكومتها الموازية، إلا أن خططها بدأت تتغير في ظل استمرار سيطرة الجيش على الفاشر واستعادته عددا من المدن التي كانت مراكز نفوذ وانتشار للدعم السريع.
المعارك تحتدم في ولايات كردفان.
في الأثناء تحتدم المعارك في ولايات كردفان ذات الأهمية الاستراتيجية لكلا الطرفين، حيث يعول الجيش على استعادتها ومحاصرة الدعم السريع في إقليم دارفور غرب البلاد، ومن ثم توجيه قوته الكاملة نحو مواقف نفوذ الدعم السريع في الإقليم الواقع غرب البلاد.
وخلال الأسبوع الماضي، شهدت ولايات دارفور سقوطا واستردادا متتاليا لمدن استراتيجية أبرزها الدبيبات في ولاية جنوب كردفان.
والخميس الماضي قالت قوات الدعم السريع، أنها استعادت السيطرة على الدبيبات بالكامل، بعد معارك احتدمت لأيام ضد قوات الجيش، مؤكدة استيلائها على مركبات قتالية وكميات من الأسلحة والذخائر.
بالتزامن استهدفت قوات «حميدتي» بالمسيرات الانتحارية مواقع الجيش السوداني في مدينتي الخوي بغرب كردفان والحمادي بجنوب كردفان.
وفي 23 آيار/مايو الجاري، أعلن الجيش السوداني، استعادة مدينة الدبيبات جنوب كردفان، والسيطرة عليها بشكل كامل، الأمر الذي تسبب في قطع أحد طرق الإمداد الهامة لقوات الدعم السريع عبر ولايات كردفان وامتدادها إلى دارفور، حيث تعد المدينة ملتقى طرق هام يصل ولايات كردفان ودارفور. إلا أن الدعم السريع استعادتها بعد أيام، بينما لا تزال المعارك محتدمة حولها.
وتعتمد قوات الجيش الممر الممتد من العاصمة الخرطوم وسط البلاد إلى ولايات كردفان، وامتدادها نحو إقليم دارفور غرب البلاد، حيث تتقدم قواتها نحو مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور- آخر معاقل الجيش في إقليم دارفور- المحاصرة منذ آيار/مايو من العام الماضي.