وقفة في جامعة هارفارد تفضح جريمة الإبادة… و«قدامى المحاربين» يضربون عن الطعام تضامنا مع غزة

رائد صالحة
حجم الخط
1

واشنطن- نيويورك ـ «القدس العربي»:  على مدار 24 ساعة متواصلة، توافد عشرات من الطلاب والأكاديميين والنشطاء إلى ساحة جامعة هارفارد الأمريكية في وقفة حداد قرأوا خلالها أسماء قرابة 12 ألف طفل فلسطيني قتلتهم القوات الإسرائيلية في قطاع غزة، في مشهد مهيب يعكس فداحة المأساة الإنسانية المستمرة منذ أكثر من 600 يوم من الحرب والحصار. وجاءت الفعالية، التي نظمتها حملة «لكل منهم اسم»، بالتزامن مع إعلان منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أن نحو 50 ألف طفل فلسطيني استشهدوا أو جُرحوا منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023، مشيرة إلى أن القطاع أصبح «أخطر مكان في العالم على الأطفال».

وقالت الدكتورة لارا جيرمانوس، الطبيبة في كلية الطب بجامعة هارفارد، إن قراءة أسماء الأطفال استغرقت يومًا كاملًا، بمعدل 500 اسم في الساعة، مؤكدة أن القائمة لا تشمل جميع الضحايا. وأضافت: «من بين هؤلاء على الأقل 825 رضيعًا لم يحتفلوا بعيد ميلادهم الأول، و895 طفلًا في عامهم الأول، و3.266 طفل في سن ما قبل المدرسة، و4.032 تتراوح أعمارهم بين 6 و10 أعوام، و3.646 من طلاب المرحلة المتوسطة، و2.949 من المراهقين».
وأكدت جيرمانوس أن هذا النشاط جاء «لتكريم أرواح هؤلاء الأطفال، ولتذكير العالم أن بوسعنا وقف هذه الكارثة بالمطالبة بوقف شحنات الأسلحة إلى إسرائيل»، وفقًا لمنصة «كومن دريمز».
وقد اتُّهمت وزارة الصحة في غزة مرارًا بالمبالغة في أرقام الضحايا، إلا أن تقارير صادرة عن الجيش الإسرائيلي نفسه، إلى جانب دراسات منشورة في مجلة «ذا لانسيت» الطبية، أكدت دقة هذه الأرقام أو رجّحت أنها أقل من الواقع.
ووصف مدير «يونيسف» الإقليمي، إدوارد بيغبيدر، المشاهد الأخيرة من غزة بأنها دليل جديد على «الثمن الباهظ وغير المقبول للحرب على الأطفال»، مستعرضًا صورًا مروعة لجثث أطفال من عائلة النجار انتُشلت من تحت أنقاض منزلها في خان يونس، وطفلا عالقا في مدرسة محترقة في غزة.
وأضاف بيغبيدر: «هؤلاء الأطفال لا يجب اختزالهم في أرقام. هم ضحايا لانتهاكات جسيمة تشمل التجويع، والتشريد القسري، وتدمير المدارس والمستشفيات والبنية التحتية، أي تدمير الحياة نفسها في غزة».
وتزامنت الوقفة مع استمرار العدوان الإسرائيلي تحت مسمّى «عملية مركبات جدعون»، والتي تهدف بحسب المراقبين إلى تطهير غزة ديموغرافيًا وتهيئتها للاستيطان الإسرائيلي.
وفي السياق، أشار منظمو الفعالية إلى أن الحصار الإسرائيلي المطبق أدى إلى وفاة المئات من الأطفال والمسنين بسبب الجوع وانعدام الرعاية الطبية. وأكدوا أن «استخدام التجويع كسلاح حرب هو جريمة»، في ظل تقارير متطابقة من منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، وأطباء بلا حدود، ولجنة أممية مستقلة، اعتبرت ما يجري في غزة إبادة جماعية.
ويواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مذكرات توقيف من المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الإبادة والتجويع القسري. وفي الوقت نفسه، تنظر محكمة العدل الدولية في دعوى قضائية ضد إسرائيل رفعتها جنوب أفريقيا، مدعومة من عشرات الدول.
وتزامنت الوقفة مع تصعيد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومها على جامعة هارفارد، متهمة إياها بالفشل في مواجهة «معاداة السامية»، في حين يرى منتقدون أن القرار جزء من حملة «حرب على الوعي» تهدف إلى إسكات المعارضة ودفع المؤسسات الأكاديمية إلى التماهي مع السياسة الرسمية.
وقالت البروفسورة ساندرا سوزان سميث، من كلية كينيدي بجامعة هارفارد وأحد منظمي الوقفة: «بينما نرحب بعدم استجابة الجامعة لكل مطالب الإدارة الأمريكية، فإننا نشعر بقلق عميق من الإجراءات القمعية التي اتخذتها الجامعة لتقييد حرية التعبير والتظاهر ضد الإبادة».
وطالبت سميث إدارة الجامعة باعتماد سياسة استثمار أخلاقية تضمن عدم توجيه جزء من صندوقها الاستثماري الضخم ـ البالغ 50 مليار دولار ـ نحو دعم انتهاكات حقوق الإنسان.
وفي ختام الفعالية، دعا المشاركون إلى وقف فوري لإطلاق النار وتوفير المساعدات الإنسانية لغزة. وقال بيغبيدر: «أطفال غزة بحاجة إلى حماية، إلى غذاء وماء ودواء. لكنهم قبل كل شيء بحاجة إلى تحرك جماعي فوري لوقف هذا الجحيم». وفي نيويورك، أطلق تحالف قدامى المحاربين الأمريكي وحلفاؤهم «صائمون من أجل غزة» إضرابًا عن الطعام أمام مقر بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة في مانهاتن، احتجاجًا على ما وصفوه بالإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل في غزة بدعم مباشر من الحكومة الأمريكية.
وبدأت الحملة، التي تحمل طابعًا رمزيًا وإنسانيًا، في 22 أيار/مايو الجاري وتستمر حتى 30 حزيران/يونيو المقبل، بمشاركة سبعة ناشطين يتواجدون يوميًا من الساعة 9:30 صباحًا حتى الثالثة بعد الظهر، من الإثنين إلى الجمعة، متعهدين بالاكتفاء بما لا يزيد عن 250 سعرة حرارية يوميًا، وهو المعدل الذي يُعتقد أن سكان غزة يعيشون عليه اليوم في ظل الحصار الخانق.
وطالب المشاركون في الإضراب بتقديم مساعدات إنسانية شاملة إلى غزة تحت إشراف الأمم المتحدة، ودعوا إلى وقف فوري لشحنات الأسلحة الأمريكية إلى إسرائيل.
وأكد المضربون أن استمرار الدعم العسكري يسهم في تعميق الكارثة الإنسانية، وأن وقف الإبادة يبدأ بكبح آلة الحرب التي تغذيها السياسات الغربية. وبالنسبة لهم، لم يعد الصمت الدولي مقبولًا، بل بات تواطؤًا فعليًا مع المجازر اليومية التي تطال المدنيين في القطاع المحاصر.
وتُشرف على هذه الحملة منظمة «محاربون من أجل السلام» بدعم من أكثر من 40 منظمة، بينما سجّل أكثر من 600 شخص أسماءهم للانضمام إلى الصيام التضامني حول العالم. وتتولى منظمة «أصدقاء سابيل ـ أمريكا الشمالية» إدارة قاعدة بيانات المشاركين، وتنظيم عملية التضامن على المستوى العالمي.
«من سيوقف الإبادة في فلسطين إن لم نفعل نحن؟»، هكذا صرّح أحد المشاركين، في رسالة تعكس القلق العميق من التواطؤ الدولي. ويتهم المشاركون الحكومة الأمريكية بشكل مباشر بدعم الجرائم الجارية، كما يشيرون إلى مسؤولية بعض الحكومات الأوروبية التي تواصل تزويد إسرائيل بالسلاح. أما الصمت العربي، فيرونه مريبًا ومخزيًا، باستثناء دول مثل لبنان واليمن وإيران، التي حاولت التحرك لصالح الفلسطينيين لكنها تعرّضت بدورها للقصف.
ورغم هذا الواقع القاتم، يرى الناشطون بصيص أمل في التحركات الدولية، خصوصًا دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، ورفع نيكاراغوا لقضية ضد ألمانيا بسبب دعمها العسكري لإسرائيل. كما تستمر التظاهرات الحاشدة حول العالم، بينما تلعب منظمات يهودية تقدمية مثل «الصوت اليهودي من أجل السلام» دورًا مهمًا في دعم الحراك الطلابي داخل الجامعات الأمريكية، رغم حملات القمع والاتهامات الزائفة بـ«معاداة السامية».
«مشاهدة مئات الجرحى والمصابين يوميًا يمزقني من الداخل»، قال مايك فيرنر، أحد الصائمين ومدير سابق لمنظمة «محاربون من أجل السلام»، مضيفًا: «هذا الجنون سيتوقف فقط عندما يطالب عدد كافٍ من الأمريكيين بوقفه». أما القس أدي دومسكي من «أصدقاء سابيل» فقالت: «أشعر كأم بمسؤولية إطعام طفلي، لكنني أرى أيضًا أن من واجبي الاستجابة لمعاناة أطفال غزة الجوعى».
وذكّرت كاثي كيلي، رئيسة مجلس إدارة منظمة «عالم بلا حروب»، بصيام الحائزة على نوبل، ميرياد ماغواير، لأربعين يومًا، وقالت إنها شعرت بواجب أخلاقي بأن تكون مع أطفال غزة. وأكدت كيلي: «علينا أن نطالب بوقف شحنات السلاح فورًا، فالمسؤولية الأخلاقية لا تحتمل المماطلة».
وفي تعبير صريح عن تحول الضمير، أعلنت جوي ميتزلر، البالغة من العمر 23 عامًا والمتخرجة في أكاديمية القوات الجوية الأمريكية عام 2023، أنها تركت الخدمة بسبب ما وصفته بـ«التطهير العرقي المستمر في فلسطين». وقالت: «تم تدريبي على احترام العدالة، وهذا ما يدفعني اليوم لإدانة تواطؤ حكومتي».
وفي اليوم السابع من الإضراب، منعت شرطة نيويورك المشاركين من الجلوس أمام مقر بعثة الأمم المتحدة، حتى على المقاعد الصغيرة التي جلبوها معهم. إلا أن مايك فيرنر علّق قائلًا: «نعود كل ليلة إلى أسرّة آمنة ومياه نظيفة. بينما يشاهد أهالي غزة أطفالهم يموتون جوعًا أمام أعينهم. تضحيتنا بسيطة، لكنها رسالة إنسانية».
وختم فيرنر قائلًا: «نطالب بالإغاثة الإنسانية الكاملة لغزة تحت إشراف الأمم المتحدة، وبوقف شحنات السلاح الأمريكية. هذه خطواتنا نحو وقف الإبادة الجماعية».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية