الخنق الاقتصادي للضفة الغربية… الأهداف الإسرائيلية والمطلوب من الفلسطينيين

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: عكس بيان سلطة النقد الفلسطينية (بمثابة البنك المركزي) يوم الخميس الماضي، حول أزمة تراكم الشيقل لدى البنوك العاملة في فلسطين، قمة جبل الجليد في الأزمات الاقتصادية التي تعيشها الضفة الغربية.
وجاء في البيان أن الشيقل في البنوك الفلسطينية وصل إلى حدود باتت تهدد تمويل التجارة وتنذر بالمزيد من تراجع الأنشطة الاقتصادية بعد أن وصل مستويات تهدد استمرار تمويل التجارة مع الجانب الإسرائيلي عبر القنوات المصرفية، وأن المصارف الفلسطينية أصبحت غير قادرة على استقبال مزيد من النقد بعملة الشيقل، بسبب عدم قدرتها على شحن فائض الشيقل إلى البنوك الإسرائيلية.
وتابع البيان: «تراكم الشيقل في السوق الفلسطيني على مدار السنوات الماضية، وسقوف الشحن التي يضعها الجانب الإسرائيلي لم تستجب للزيادة الطبيعية في حجم الاقتصاد الفلسطيني خلال هذه السنوات، والسقوف الحالية تَحول دون قدرة المصارف الفلسطينية على شحن فائض الشيقل وتغذية حساباتها بما يُسهم في تمويل عمليات التجارة وتسوية الالتزامات بين الجانبين».
ورأت سلطة النقد أن المصارف الفلسطينية تحمّلت وتتحمل أعباءً مالية كبيرة نتيجة عدم قدرتها على شحن فائض الشيقل، كما يتحمل المواطن أعباءً إضافية بسبب عدم قدرته على تنفيذ عملياته المالية من خلال المصارف بعملة الشيقل، ولجوء بعض العملاء إلى بيع الشيقل وشراء عملتي الدينار والدولار، ما أدى إلى خلق سوق سوداء لتجارة العملة.
وعكس ازدحام المواطنين على أجهزة الصرافة التابعة للبنوك في الضفة الغربية جانبا من المشهد، حيث توقفت البنوك عن قبول ايداعات مالية بعملة الشيقل ووضعت سقفا لقبولها وهو ما يعيق جانبا من التعاملات المالية في الضفة وفي التجارة الداخلية والخارجية.
وحذرت «النقد» من أن استمرار الأزمة من شأنه التأثير سلباً في السيولة اللازمة لتمويل التجارة محلياً وخارجياً، منذرة بتراجع إضافي في الأداء والنشاط الاقتصادي في فلسطين.
وقالت سلطة النقد، إنها خاطبت كل الجهات ذات العلاقة للمساعدة على شحن فائض الشيقل المتراكم في السوق الفلسطيني من دون تحقيق نتائج إيجابية إلى الآن، وأن الأمر يستدعي تحركاً دولياً عاجلاً لإيجاد حل جذري لتراكم الشيقل في السوق الفلسطيني، وحثت الجانب الإسرائيلي على الوفاء بالتزاماته تجاه عملته، والسماح بشحن فائض الشيقل إلى البنوك الإسرائيلية.
وعلق الخبير الاقتصادي والأكاديمي نصر عبد الكريم على البيان بإنه «غير موفق»، «فبدل معالجة سلطة النقد هذه الأزمة بالخفاء، فإن بيانها أثار الكثير من المخاوف، حيث تعمل المخاوف الكبيرة إلى أن تترجم إلى سلوك وردات فعل غالبا ما لا تخدم الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية».
وأضاف عبد الكريم: «كان يفترض بسلطة النقد لفت النظر إلى الأزمة، أما أن تصدر بيانا باللغة العربية يذهب للجمهور الفلسطيني ويحمل صيغة مليئة بالمصطلحات المبالغ فيها، وهي عادة لا تطلق من بنك مركزي للدولة حتى لا تثار انطباعات سيئة، فهو أمر جانب الصواب، حيث لا يعتبر الحل بيد الفلسطينيين، وبالتالي يمكن أن نطرح سؤال: ما الفائدة منه؟».
وشدد نصر: «كان يفترض أن يقول البيان إن هناك أزمة تكدس ويترتب عليها بعض القيود كي يتفهم المواطن إجراءات البنوك وبعض القيود التي تم فرضها، أما دفع المواطنين للذعر فهذا أمر غريب».
واعتبر أن «البيان لم يقدم فائدة للفلسطيني البسيط، وبالتالي كيف انعكس عليه التحذير. الحل كما قلت ليس بيده، ونحن كفلسطينيين لسنا أصحاب قرار بذلك، كان يمكن أن يتوجه البيان للمجتمع الدولي وبالإنكليزية مثلا».
بدوره، اعتبر المحاضر الجامعي في الاقتصاد طارق الحاج، أن الأزمة ليست جديدة، فهي قديمة متراكمة منذ فترة طويلة، ولم يتمكن الفلسطينيون من إيجاد حل لها، وبالتالي تحملت البنوك إلى الحد الأعلى.
وشدد في حديث صحافي على أن عدم استقبال إسرائيل لفائض الشيقل في البنوك الفلسطينية، يأتي ضمن الضغوط التي تمارس على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وهو أمر سيقود إلى انخفاض الحركة التجارية الخارجية.
وأكد على أن «التجارة البينية الداخلية الفلسطينية سوف تتأثر، إذ إن من يشتري بضاعة مثلًا من الخليل، يدفع شيكات بعد استلام البضاعة، ولن يستطيع التاجر تحصيل قيمتها. فثقة المواطن بالبنوك سوف تتزعزع، وهذا كله سيكون له تأثيرات اجتماعية ونفسية وتجارية داخلية وخارجية وتأثيرات على تمويل المشاريع».

قرصنة محلات الصرافة

وخلال الأسبوع الماضي شنت السلطات الإسرائيلية، عملية أمنية واسعة النطاق ضد محلات الصرافة، ادعت فيها أنها تهدف إلى تفكيك شبكات تحويل الأموال التي تقول إن إيران تستخدمها لدعم التنظيمات «الإرهابية» في الضفة الغربية المحتلة.
وشنت القوات الإسرائيلية حملة مداهمة لمحلات صرافة تعود لـ«الخليج»، و«فخر الدين»، في مختلف مدن الضفة الغربية حيث صادرت أموالا وذهبا.
وعلق صاحب محلات الخليج للصرافة على عملية القرصنة بإنها محاولة لـ«إفقار الضفة الغربية» عبر القرصنة على تحويلات الفلسطينيين المغتربين لأهاليهم في الضفة.
الخبير الاقتصادي عبد الكريم يقرأ ما جرى بأنها عملية أمنية لتوجيه ثلاث رسائل، الأولى، للسلطة الفلسطينية، ومفادها أن المناطق في الضفة الغربية لم تعد تخضع لأي من التقسيمات السابقة، وبالتالي يمكن للاحتلال أن يجتاحها في أي وقت، وفي أي زمان ومكان.
وتابع: «عمليات القرصنة هذه لم تحدث لأول مرة، فاقتحام محلات الصرافة منذ طوفان الأقصى وحتى اليوم مكنت إسرائيل من سرقة نحو 30 مليون شيقل على صيغة ذهب وأموال نقدية».
واعتبر الرسالة الثانية التي ترسلها دولة الاحتلال لبقية محلات الصرافة التي لم تتعرض للاقتحام، إنها رسالة ترهيب ومفادها أن نية الاقتحام موجودة بادعاء تجفيف منابع «الإرهاب/ أي المقاومة».
ورأى أن عملية السطو على الكثير من أفرع الصرافة، وفي نفس اللحظة، مسألة تخلق خوفا ذاتيا يدفع إلى ممارسة رقابة صارمة أكثر للتأكد من مسألة التحويلات المالية، رغم أن الجميع يعرف أن كافة المحلات مراقبة بشكل صارم جدا، وهو ما يسقط الذريعة الأمنية التي تدعيها إسرائيل.
أما الرسالة الثالثة والحديث للخبير عبد الكريم، فتأتي وفق الإطار الاستراتيجي للحرب الشاملة التي تشنها إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتالي ما جرى هو وجه من أوجه الحرب الاقتصادية.
ويرى عبد الكريم أن الحرب لها وجه اقتصادي مهم جدا. حيث السيطرة على الموارد وتقويض حل الدولتين، إنها حرب اقتصادية شاملة تبقي الفلسطيني مخنوقا وينكل به في كل المجالات على أمل خلق حالة من انزياح المواقف عند الفلسطينيين للقبول بتسويات لا تلبي الطموح الوطني، بحيث لا يقاوم المواطنون أي حل يطرح على الطاولة لاحقا.
ويرى أن أساس هذه السياسات هو تطويع المواطنين ومحاولة فرض سقوف على طموحاتهم السياسية من خلال الوضع الاقتصادي الخانق.
ويشدد عبد الكريم أن جذر المشاكل الاقتصادية بالضفة الغربية احتلالي، فالتردي الأخير المرتبط بالعامين المنصرمين نتج عنه أن فقد الاقتصاد الفلسطيني أكثر من ثلث حجمه، إلى جانب تحييد قطاع غزة من النشاط الاقتصادي (يشكل خمس الناتج المحلي)، والسبب كما هو معروف مرتبط بالوضع الأمني والسياسات الأمنية التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية.

خنق في ثلاثة ملفات

واعتبر عبد الكريم أن هناك ثلاثة ملفات يمكن اعتبارها محاولات إسرائيلية للي يد الفلسطينيين وخنقهم اقتصاديا، الأول معاقبة الفلسطينيين باحتجاز أموال المقاصة، ومن دون وجه حق. وهو ما يجعل السلطة الفلسطينية والحكومة غير قادرة على الإيفاء بالتزاماتها أمام المواطنين والموظفين في القطاع الحكومي، ما يجعلها في واقع صعب وبدلا من التفكير بالخلاص تنشغل بالاحتياجات اليومية.
وقبل خمسة أيام، صادق الكنيست الإسرائيلي، بالقراءة الأولى، على مشروع قانون جديد يقضي بتعديل قانون تجميد الأموال المحوّلة للسلطة الفلسطينية، ويسمح لحكومة الاحتلال باستقطاع مبالغ سنوية من أموال المقاصة، تحت بند «تعويض المتضررين من عمليات إرهابية».
يذكر أن مشروع القانون قدّمه عضو الكنيست أفيخاي بورون، وحظي بتأييد 18 عضو كنيست مقابل معارضة 3 فقط، وأُحيل إلى لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست لمواصلة دراسته تمهيدًا للتصويت عليه بشكل نهائي. وبموجب التعديل المقترح، سيتم سنويًا – حتى تاريخ 31 آذار/مارس من كل عام – تحديد مبلغ الاستقطاع من قبل ما تُسمى اللجنة الوزارية لشؤون الأمن القومي في حكومة الاحتلال «الكابينت»، ليوازي ما دفعته إسرائيل من تعويضات للمتضررين، استنادًا إلى قانون تعويض ضحايا الأعمال العدائية، وقانون ضريبة الأملاك، وقانون التعويضات الإسرائيلي.
ويشمل التعديل العمليات المنفّذة من الضفة الغربية وقطاع غزة، أو من قبل مقيمين فيهما.
ويأتي هذا التحرك في ظل تصاعد التوترات السياسية والأمنية، واستمرار المساعي الإسرائيلية لفرض قيود مالية مشددة على السلطة، ضمن أدوات ضغط متعددة تستخدمها حكومة الاحتلال في الصراع السياسي القائم.
أما الملف الثاني حسب الخبير عبد الكريم فهو العمال الفلسطينيين الذين كانوا يعملون في الداخل الفلسطيني المحتل، حيث تساءل: «من يقول لي ماذا حل بهؤلاء العمال طوال 18 شهرا؟ حيث لم يدخل عليهم فلس واحد طوال هذه الفترة بفعل منعهم من العمل في الداخل المحتل».
وتابع: «كيف نساعد هؤلاء؟ وكيف نفكر فيهم في ظل عدم وجود أي نظام حماية اجتماعية ممأسس؟ والحقيقة أن هؤلاء (أكثر من 150 ألف عامل) تركوا وشأنهم وحيدين».
ورأى أن الحكومة لم تستجب لواقع العمال الجديد بعد طوفان الأقصى حيث توقفوا عن العمل نهائيا، «في حدود معرفتي ليست هناك استجابة كافية على مدار 19 شهرا بعد أن كانوا يضخون في السوق الفلسطيني سيولة تقدر بمليار شيقل شهريا».
أما ثالث الملفات فهو تقطيع أوصال الضفة الغربية وتقسيمها إلى كانتونات، وهو أمر يعيق التجارة الداخلية ويرفع التكلفة ويزيد الوقت ويربك جميع القطاعات الاقتصادية.
ويرى عبد الكريم أن وضع الحالة الاقتصادية في الضفة غير متكاملة، فكل منطقة تعمل وفق نظام تجزئة للأسواق دفع بتشكل كانتونات اقتصادية غير متواصلة ولا تشكل رافعة لأي مشروع دولة فلسطينية.
واعتبر ان العدوان الاقتصادي الذي تفرضه الحكومة الإسرائيلية جزء من مخطط سياسي لحل يريد الاحتلال فرضه لكنه لم ينضج بعد.
وحول المساعدات المنتظرة من العرب والأوروبيين بعد عمليات الإصلاح التي قدمتها السلطة شدد على أنها تأخرت، وأن في ذلك التأخير انتظار نتائج العدوان على غزة من ناحية، ومحاولة تقييم استمرارية السلطة الفلسطينية بوضعها الحالي، فهل سيتم تجديدها، أم تغير وضيفتها بعد الحرب على غزة؟ فكل الأمور قيد النقاش في هذه المرحلة.
واعتقد عبد الكريم مسألة عدم ترجمة وعود الدعم المالي للسلطة بممارسات إلى أنها ارتبطت بعامل غير الإصلاح، إنه عامل انتظار ما سيؤول إليه الصراع مع الاحتلال.
أما عن السيناريو المنطقي والواقعي فأشار إلى أن الواقع يقول إنه لا يمكن لإسرائيل إخفاء الفلسطينيين وتجاوز حقوقهم. وبكل الأحوال لن يقود الصراع الدائر حاليا، في النهاية، إلى ما يريده نتنياهو، فالشعب الفلسطيني لا ولم يسلم بما تريده إسرائيل طوال أكثر من سبعين عاما، فيما العالم لم يعد يتحمل إبادة الشعب الفلسطيني.
وقال إن السؤال الاقتصادي المركزي اليوم موجه للحكومة والقيادة الفلسطينية التي يقع عليهما توزيع أعباء الأزمات الاقتصادية التي نمر بها وبطريقة عادلة. فمثلا الموظفون أصبحوا يتحملون نتائج كبيرة، وكذلك المزارعون الصغار والعمال والأسر الأشد فقرا، «كل هؤلاء يعانون، والسؤال: هل يتم التفكير بآليات جديدة لإعادة تقسيم الأعباء المالية في الضفة وغزة؟ نحن بحاجة إلى حل.. وحل مقنع لأزمة الرواتب ولكل الأزمة المالية للسلطة، صحيح أن الموارد ليست كافية لتغطية كافة الالتزامات لكن علينا تحديد التزامات وفق أولويات مقنعة ومن ثم المضي بتحقيق ذلك».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية