رواية «كارمن» التي كتبها الفرنسي بروسبير مريميه سنة 1864، بعد عودته من رحلة إلى جبال إسبانيا، بعد عشر سنوات عثر عليها مواطنه جورج بيزيه ليضع لها الألحان التي خلدت هذه الشخصية تحت عنوان «أوبرا كارمن». القصة التي يغلب عليها الطابع المأساوي تدور أحداثها حول الجندي خوسيه نافارو من إقليم الباسك شمال إسبانيا، وهو جندي مطيع وطموح للترقي في المناصب، تتحول حياته ومصيره حين يلتقي الغجرية كارمن التي يقوده حبها إلى حبل المشنقة بدلاً من طموح الترقي في الرتب العسكرية. الجندي خوسية يعشق كارمن لكنه يعجزعن كبح جماح روحها المتمردة التي تأبى الترويض، ولا تتردد في الدخول في علاقات عاطفية بعد أن ضحى بحياته في سبيل حبها، فهذه طبيعتها التي لم يفهمها المسكين فقام بتهريبها في البداية فعوقب وتم تخفيض رتبته، ليترك عالمه، ويتخلى عن طموحه وأحلامه ويعمل مع عائلتها كمهرّب. ورغم ذلك تمردت عليه وضاقت بقيد هذا الحب، فاستل سكيناً وطعنها، وقبل أن يواريها التراب في الغابة بكاها ثم سلم نفسه للشرطة التي كان أحد رجالها لتقوده إلى حبل المشنقة!
في مصر شاهدت «كارمن» مرات عديدة على خشبة المسرح، منها معالجة مصرية قدمها محمد الفيل وأحمد فؤاد نجم من إخراج مراد منير، ووضع ألحانها عمار الشريعي، وفيها أصبحت كارمن «لولى» الغجرية المصرية وتم تمصير الحكاية مع الاحتفاظ بالحبكة الرئيسية ممثلة في بناء الأحداث السردية لقصة كارمن وتنسيقها وتقديمها في مشاهد حافظت على الإطار السردي للحكاية. وجاء العرض في بنائه أقرب إلى الأوبريت، فثمة مقاطع حوارية غير ملحنة، وألحان سهلة سريعة الحفظ، بالإضافة إلى حوار كلامي يطرح موقفاً درامياً، لكن البنية العميقة للعرض تعتمد على الغناء والاستعراض والموسيقى وفنون الفرجة.
ومرة أخرى من إخراج محمد صبحي حملت نفس الاسم «كارمن» بطريقة المسرح داخل المسرح، إذ تم إدخالها كمسرحية ينوي المخرج تقديمها داخل مسرحية أخرى، وظروف عرض هذه المسرحية من خلال بنية مركبة تجمع بين حكايتين تتداخلان ضمن مكانين وزمانين متباينين في محاولة لإيجاد لغة مشتركة ومرجعية تمس الجمهور في الوقت الحاضر مع أوبرا كارمن الإسبانية. وينتقل العرض بين الحكايتين على جميع المستويات بطريقة القطع الدرامي ليتداخل الزمان والمكان بين أوبرا كارمن / إسبانيا والفرقة المسرحية الآن في مصر. وقدمتها أيضاً مصممة الرقصات ريم حجاب بهويتها الإسبانية من خلال تمسك العرض بالحبكة والأسماء وخط سير الأحداث، والملابس والحركة واكتفت بتمصير الحوار، من خلال لغة شعبية مزيج من لغة عصرية يغلب عليها السجع، وكلمات تحاول أن تنتظم في قافية واحدة لم تكن كثيراً في صالح الحوار أو البناء الدرامي حين كانت تلهث وراء القافية والسجع. وحاولت العودة بكارمن إلى أصولها الفنية من خلال الغناء والاستعراض الشعبي الإسباني والغناء المصري الشعبي أيضاً مثل «يا بدع الورد يا جمال الورد» لأسمهان، وأغنية شعبية هي «على ورق الفل دلعني» لبدرية السيد مع موسيقى من الفولكلور الشعبي الإسباني. جسد العرض هذه النزعة إلى الحرية والرغبة في التمرد على كل القيود من خلال اللغة، فلم تكن كارمن شخصية واحدة بل عدة شخصيات في دلالة واضحة على هذا التمرد الذي تعيشه كارمن من خلال مجموعة من اللوحات التي جمعت بين الاستعراض والغناء والأداء الحركي الذي يجمع بين ما هو مصري وثقافة النص الأصلي.
وفي مسرح الطليعة اختار هذه الأيام المخرج ناصر عبد المنعم شخصية كارمن في إعداد جديد كتبه الشاب محمد علي إبراهيم، من خلال مجموعة من اللوحات التي اعتمدت في بنيتها العميقة على الرقص والموسيقى والغناء، موسيقى جورج بيزية وأيضا مقتطفات من موسيقى الغجر في إسبانيا مع الرقصات الشعبية الإسبانية في القرن التاسع عشر، لتستعيد كل مفردات المنظر المسرحي زمن الحدث في جبال إسبانيا ومدينة إشبيلية في القرن التاسع عشر، وفي هذا الإعداد تلعب المرأة الغجرية قارئة الطالع دوراَ محورياً في الأحداث بل في أحيان كثيرة القوة الفاعلة التي تحرّك الأحداث، فهي تشاهد كل شيء قبل حدوثه مثل العراف الإغريقى تيريزياس، تُخبر الشخصيات بمصائرهم، تعبر مثل طيف في فضاء الحكاية فهي تؤدي دور القدر في المسرحية، وإن كان ظهورها المتكرر وخطابها المباشر فقدت معه الشخصية الكثير من دلالتها الرمزية.
واختار المخرج الحانة لتكون الفضاء الرئيسي للحكاية وتحتل خشبة المسرح وحين تختفي تظهر في مقدمة المسرح فضاءات ثانوية وإن كانت تلعب دوراً مهما في الحبكة مثل التمثيل الرمزي للسجن الذي يقبع فيه الجندي خوسيه ومصنع التبغ، وسور المدينة وجبال إشبيلية، من خلال ديكور رمزي يغلب عليه الطابع التجريدي صممه أحمد شربي، عكس الحانة التي ظهرت بمفردات واقعية أقرب إلى صورتها في الحياة. وفي المساحة الرمزية المخصصة للسجن الذي يقبع فيه المجند البائس خوسيه نافارو ضحية كارمن، تنطلق الأحداث ما بين السجن والفضاءات الأخرى الرئيسية والثانوية من خلال تقنية الفلاش باك التي اختارها العرض أسلوباً لسرد الأحداث. حيث يشاهد الجمهور مصرع كارمن في البداية ليروي خوسية لمصارع الثيران، عشيق كارمن الأخير، الحكاية أو قل مأساته التي عاشها وقادته إلى النهاية المؤلمة، حيث اختار المخرج أن تكون الحكاية على لسان ضحية كارمن يرويها لعشيقها الأخير، في مفارقة لا تخلو من دلالة أمام الجمهور مع حكي تم تسجيله مسبقاً لتخرج الكلمات من فم الضحية إلى فضاء الحكاية وتتحول إلى مشاهد حية يشاهدها الجمهور. فالرؤية الدرامية للإعداد اعتمدت الضحية راوياً للأحداث أو لمأساته ومأساة كارمن، من خلال مشاهد مبعثرة احتلت فيها الحانة الفضاء الرئيسي للحدث وزينها مهندس الديكور بزجاجات النبيذ وأوراق اللعب في دلالة على أهمية القدر وسطوته على مسار الأحداث ومصائر الشخصيات. وفي عمق المسرح، غرفة كارمن مع عشاقها، فضاء التمرد، يشاهده الجمهور من خلال الحانة في إضاءة خافتة ومشاهد متكررة، حيث يعرض مجموعة من المشاهد تتخللها الموسيقى سواء من ألحان جورج بيزيه لأوبرا «كارمن» أو موسيقى وأغاني الغجر التي استعان بها المخرج من إعداد حازم الكفراوي والتي حملت بعداً درامياً، فهي أيضا تشارك في رواية الحدث مع كلمات خوسيه نافارو. وشكّلت هذه الموسيقى فى أحيان كثيرة ما يسمى بالديكور السمعي الذي يعطي إيقاع الحدث ويؤكد على درامية الزمن/ زمن الأحداث الذي حاول العرض استعادته. ليس فقط من خلال الحفاظ على شخصيات النص التي تجسد زمن الحدث، بل وأيضا من خلال الصورة التي رسمت الواقع في القرن التاسع عشر لتلعب الموسيقى دورا رئيسياً في الأحداث من خلال توريط المتفرج ضمن هذه الحالة الموسيقية التي تؤكد على زمن الحدث من خلال التداخل بين النص والصورة بكل مفرداتها مع الموسيقى.
وإن كانت مشاهد الرقص المتكررة التي صممتها سالي أحمد سواء كانت جزءاً من الحدث أم مجرد زخارف بصرية في المشهد، جعلت من كارمن راقصة أكثر منها غجرية! فإذا كان الرقص الشعبي الإسباني جزءا أساسيا من بنية العرض، إلا أن اقحامه في كل المشاهد لم يكن مبرراً، بل فقد دلالته في أحيان كثيرة، وإذا حذفنا بعض الرقصات لن يتأثر العرض.
أبرز هذا الإعداد شخصية كارمن المتزوجة وزوجها المجرم الخطير، وفي مشهد طويل يحكي عن مغامراته، ومن أجل تهريبه أقامت علاقة مع الضابط زورنيجا من أجل هذا الزوج، معلمها وعاشقها كما جاء في العرض، ويحتفظ بسكين تلعب دورا في الحكاية، سكين شاهدة على بداية حياته كمجرم خطير، وأيضا سوف تُنهي حياته. أما الجندي خوسيه فتحول في العرض إلى ضابط تم تخفيض رتبته بعد تهريب كارمن وظل في الخدمة وتحول إلى قاتل، قتل زورنيجا قائده، ثم قتل زوج كارمن حتى يحصل عليها وفقاً لقانون الغجر، وذلك قبل أن يطعنها ويضع نهاية للمأساة. أما كارمن التي أدت دورها ريم أحمد فتحولت إلى عاشقة تلهو وتستدرج العشاق / الزبائن إلى الحانة ليخسروا أموالهم في القمار مع أليخاندرو شريكها، ثم تحصل منه على نصيبها في مشهد يتكرر وهي تصرخ «أعطني نقودي»، وهذا سلوك يليق بعاهرة وليس بكارمن المتمردة العاشقة. أما ميكائيلا التي قدمها النص الأصلي في علاقة ثرية ومثيرة مع خوسيه، علاقة حب في سياقها الرومانسي، وكان خوسيه يحلم بالزواج منها وفي خضم علاقته مع كارمن كانت ميكائيلا تمثل الحياة المفقود لخوسيه الحب والأمان الضائع، وهمزة الوصل بينه وبين أمه، حيث حولها العرض إلى علاقة غيرة وعناد مع كارمن، أقرب إلى فتاة ليل ترتاد الحانة!
وبدت الشخصيات الإسبانية التي احتفظ العرض بزمن الحدث من خلالها أقرب إلى شخصيات ترتدي ملابس إسبانية وتحمل أسماء الشخصيات الأصلية لكن أفعالها مختلفة، لقد تم تمصير أفعال الشخصيات مع الاحتفاظ بملابسها وأسمائها! فثمة صورة متقنة الصنع لزمن الحدث من خلال المنظر المسرحي الذي قدمه المخرج ناصر عبد المنعم، تتناقض أحياناً مع الأحداث وأفعال الشخصيات التي تتحدث لغة عربية فصحى فشل الممثلون في تطويعها والتفاعل معها.
ويبقى أن القصة التي كتبها مريميه ووضع ألحانها بيزيه يغلب عليها الطابع المأساوي الذى يجسده بناء الشخصيات وأفعالها، فالعلاقة بين خوسية الجندي الحالم بالترقي والغجرية المتمردة كارمن صراع حتمي لا يمكن علاجه، فهذا سقط في شرك الحب وهذه نمرة شرسة لا يمكن ترويضها. وأيضا الصراع النفسي داخل كل شخصية، فالصراع الحتمي في شخصية كارمن الفتاة التي تنشد الحرية والتمرد على كل الأعراف والتقاليد كإنسان مسؤول عن أفعاله، وليس كما قدمها العرض العاشقة التي تخدع عشاقها، الصورة النمطية للبغي في السينما المصرية. أما خوسيه الذي تمرد على نظام الجندية وتخلى عن حلمه في الترقي وحلم العائلة، حين طعن كارمن بسكينه، أنهى الصراع الذي كان يعيشه لصالح النظام الأخلاقي السائد في المجتمع، ووفقا للقوانين والأعراف السائدة كان من المفترض أن تبادله الحب بعد أن ضحى من أجلها.
وهذا لم يحدث، فهي تعي أنها تخضع لقوة عليا تواجهها بشراسة، وتعرف أيضا أنها ستسحقها وأن الكارثة قادمة، فهي تتمع بقدر من الحرية، ولأن وجود القدر لا ينفي حرية البطل التي تعد من المقومات الأساسية للفعل الدرامي للمأساة، فطالما تتمتع الشخصية بهامش من الحرية توجد مسؤولية وهي سمة أساسية من سمات البطل المأساوي. فقد أعتبر هيغل أن المأساوي ظهر مع ظهور الإنسان المسؤول عن فعله وبذلك ربط بين المأساوي وتشكل الفردية، وكارمن مسؤولة عن أفعالها في هذه الحكاية، فهي تعي جيدا أفعالها وأيضا نتائجها، إذ تجسد شخصية كارمن الصدام بين عالمين، عالم المدينة والحضارة، وعالم الغجر البدائي، الصدام بين ثقافتين، بين روحين، روح مستكينة وروح تأبى الاستقرار أو الخنوع!
فقد جعلت من الرجل الذي كان يحمي القانون ناتج الحضارة وأحد تجلياتها، ينتهك القانون في سبيل الحب، وهذا ما ابتعد عن العرض، وقدم صورة نمطية لفتاة تلهو وتتمرد على عشاقها، ترقص وتلهو بعد أن خلعت ملابسها المأساوية.