بغداد ـ «القدس العربي»: سجّلت المحكمة الاتحادية العليا، أمس الأحد، دعوى جديدة مقدمة من موظفين في إقليم كردستان العراق، يطالبون فيها وزارة المالية الاتحادية باستمرار صرف مرتباتها في مواعيدها المحددة، تنفيذاً لقرار سابق صادر عن المحكمة، في وقتٍ صعّد فيه المسؤولون والسياسيون الأكراد من موقفهم الرافض لقرار «المالية» بخصوص وقف الرواتب لموظفي الإقليم، مؤكدين أن القرار سياسي وله عواقب وخيمة، فيما انتقدوا تقديم السلطات الاتحادية معونات لدول أخرى فيما «تبخل» بها على الشعب.
وذكرت المحكمة في بيان صحافي أنه «أقيمت دعوى من قِبَل موظفين من إقليم كردستان بخصوص المطالبة باستمرار صرف الرواتب في إقليم كردستان وفي مواعيدها المحددة وفقاً لقرار هذه المحكمة بالعدد (224 وموحدتها 269/اتحادية/2023 في 21\2\2024)».
وأوضحت أن المدعين «طلبوا إصدار أمر ولائي بإلزام وزارة المالية الاتحادية بصرف الرواتب تنفيذاً لقرار هذه المحكمة المذكور أعلاه المتضمن إلزام كل من رئيس مجلس الوزراء في الحكومة الاتحادية، ورئيس مجلس الوزراء في حكومة إقليم كردستان ـ العراق بتوطين رواتب منتسبي جميع الوزارات، والمحافظات والجهات غير المرتبطة بوزارة، وجميع منتسبي الجهات الحكومية الأخرى، والمتقاعدين، ومستفيدي شبكة الحماية الاجتماعية في الإقليم لدى المصارف الحكومية الاتحادية العاملة خارج الإقليم وتخصم من حصة الإقليم المحددة بموجب قانون الموازنة».
المطالبة بصرف معاشاتهم في موعدها
ولا يزال السياسيون الأكراد يواصلون حملات الرفض لقرار وزارة المالية بوقف صرف أي مخصصات مالية لإقليم كردستان، بضمنها مرتبات الموظفين هناك.
وعدّ عضو المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني هوشيار زيباري، قرار وزارة المالية العراقية «سياسياً مبرمجاً» ضد الإقليم، محذراً من «عواقب» وشيكة.
وقال في «تدوينة» له: «ما هي مصلحة (رئيس الحكومة محمد شياع) السوداني ومصلحة الإطار التنسيقي الحاكم في تفجير أزمة تمويل رواتب موظفي الإقليم في هذا الوقت بالذات والبلد مقبل على انتخابات وطنية؟».
وأضاف: «ربما هناك مسائل فنية، ولكن القرار من وزارة المالية هو قرار سياسي ومبرمج ضد الإقليم الدستوري بامتياز، وستكون له عواقب بلا شك».
ويتفق وزير الأوقاف والشؤون الدينية في إقليم كردستان، بشتيوان صادق، مع زيباري بشأن «سياسية» القرار الاتحادي، مشيرا الى أن السلطة في بغداد تراجعت عن تنفيذ الدستور وحقوق شعب كردستان.
الوزير الكردي ذكر في تصريحات أثناء مشاركته في مؤتمر للطفولة، في مدينة أربيل عاصمة الإقليم، أن «قرار وزيرة المالية العراقية، طيف سامي، بعدم صرف الرواتب له تأثير على حياة كل فرد في المجتمع» مشيراً إلى أنه «في السنوات الماضية، خاصة منذ عام 2014، صدر مثل هذه القرارات باستمرار ضد إقليم كردستان».
وأضاف: «كنا نعتقد أنه لأننا عانينا كثيراً مع الشيعة سابقاً (في عهد نظام البعث) فإن هذه الحكومة ستستفيد من الماضي وسنتمكن معاً من بناء وطن جديد» مبيناً أنه «كان لقادة الكرد دور مهم في إعادة بناء الدولة العراقية الجديدة وإعادة كتابة الدستور، لكن للأسف هؤلاء الإخوة الذين في السلطة الآن، بعد أن عززوا قدراتهم قليلاً، تراجعوا عن الدستور وحقوق شعب كردستان».
زيباري حذر من «عواقب» وشيكة لقرار وقف رواتب موظفي الإقليم
وأكد أن «قرار وزارة المالية العراقية تجاه إقليم كردستان سياسي بنسبة 100٪» معلناً أنه «بينما نفذنا جميع مطالبهم، لكن للأسف ما زالوا مستمرين حتى الآن على تلك السياسة التي كانت تُطبق في الماضي ضد شعب كردستان».
وأفاد بأن «حكومة إقليم كردستان تؤمن بحل المشاكل عبر الحوار والدستور» معلناً أن «النقطة الوحيدة التي يمكننا من خلالها التأكيد على حقوقنا والوصول إليها، هي وحدة الأطراف السياسية وشعب كردستان. ما يحدث الآن هو ظلم يمارسه المسؤولون في بغداد ضد شعب كردستان».
كذلك انتقد عضو مجلس النواب العراقي عن كتلة الحزب «الديمقراطي» الكردستاني، محما خليل، قيام وزارة المالية الاتحادية بإيقاف تمويل رواتب الموظفين والعاملين في القطاع العام في إقليم كردستان.
وقال في كلمة له أثناء تقديم حكومة الإقليم إعانات مالية للناجين الإيزيديين من قبضة تنظيم «الدولة الإسلامية» أمس، إنه «مع اقتراب حلول عيد الأضحى أقدمت الحكومة الاتحادية على قطع رواتب الموظفين في اقليم كردستان» موضحاً ان «العراق يقدم المعونة لدول أخرى بينما لا يقوم بذلك إزاء شعبه».
وكان 43 حزباً وطرفاً سياسياً كردستانياً، قد أدانوا قرار وزارة المالية الاتحادية، معتبرين أنه «غير دستوري» و«سياسي».
وجاء هذا الموقف عقب اجتماع عقدته تلك الأحزاب والقوى السياسية الكردستانية في مقر المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، في منطقة بيرمام في عاصمة إقليم كردستان.
وذكرت تلك الأحزاب والقوى السياسية في بيان مشترك، أنهم عقدوا «اجتماعًا مشتركًا لمناقشة الوضع السياسي في كردستان والعراق، والمشكلات والعقبات القائمة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، وبشكل خاص القرار غير الدستوري وغير القانوني الصادر عن وزارة المالية في الحكومة الاتحادية بشأن إيقاف وعدم إرسال رواتب موظفي إقليم كردستان».
ووفقا للبيان، فإنه «بعد مناقشات وتبادلات ضرورية حول هذا الموضوع، أجمع جميع الأطراف على أن هذا القرار هو قرار سياسي موجه ضد إرادة شعب كردستان وضد الكيان السياسي والقانوني لإقليم كردستان».
وأكدت الأحزاب في بيانها أنه «استنادًا إلى الدستور الدائم للعراق وقرارات المحكمة الاتحادية، وقانون موظفي ورواتب العراق والاتفاقيات المبرمة بين حكومة الإقليم والحكومة الاتحادية، يجب على الحكومة الاتحادية الالتزام بمسؤولياتها والتزاماتها تجاه شعب إقليم كردستان، وألا يتم ربط حقوق ورواتب موظفي الإقليم بالصراعات السياسية».
وشدد البيان على وجوب أن «تتوقف الحكومة الاتحادية عن سياسات التجويع والضغط على الإقليم، لما لهذه السياسات من تبعات تؤدي إلى تفاقم الأزمات وتجاهل التغيرات المتسارعة في المنطقة، وهو أمر لا يخدم مصلحة أي طرف».
الجبوري: طرح فكرة انسحاب الأكراد من العملية السياسية بمثابة «زلزال»
وأكدت أن «مواقفنا وقراراتنا وخطواتنا يجب أن تصب في مصلحة المواطنين وإقليم كردستان، ونعتبر أن الحوار والتفاوض هو أفضل طريق لحل هذه الأزمة، كما أننا نعتبر جميع الخيارات مفتوحة أمامنا بما يخدم المصالح العليا لإقليم كردستان».
موجة الرفض هذه لم تقف عند هذا الحدّ بل امتدت إلى العاصمة بغداد، عندما عبّر الحزب الشيوعي العراقي عن رفضه تحميل المواطنين تبعات «المواقف السياسية» أو استخدام لقمة عيشهم أداة «للمساومة والابتزاز».
المكتب السياسي للحزب ذكر في بيان صحافي انه «أصبح من غير المقبول استمرار حالة الشد والجذب، والجفاء والتشنج، التي تطبع العلاقة بين مؤسسات الدولة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان. فالتجاذبات والاختلافات السياسية، وما يتبعها من عقوبات وإجراءات اقتصادية ومالية، تلقي بظلالها الثقيلة على المواطنين العراقيين كافة، ومنهم بطبيعة الحال مواطنو الإقليم».
وأضاف: «وقد تجلى هذا الخلل بشكل صارخ مؤخرًا في قرار وقف تمويل رواتب موظفي إقليم كردستان، وهو إجراء نعدّه بمثابة حرمان شريحة واسعة من أبناء شعبنا من مصدر دخلهم، ما يفاقم أوضاعهم المعيشية ويزيد من معاناتهم» مؤكداً انه «آن الأوان لمعالجة الملفات العالقة كافة بين الطرفين عبر حوار جاد، صريح، وشفاف، يفضي إلى اتفاقات رسمية، خصوصًا فيما يتعلق بملف الموازنة والنفط وعائداته والجمارك، وذلك على أساس فهم مشترك وواضح للدستور».
وأكد الحزب في بيانه أن «العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم يجب أن تُبنى على أساس المصالح العليا للمواطنين في عموم العراق، بمن فيهم شعب الإقليم، بعيدًا عن منطق العقوبات الجماعية وليّ الاذرع».
وختم قائلاً: «نحن في الحزب الشيوعي العراقي نرفض بشكل قاطع تحميل المواطنين تبعات المواقف السياسية، أو استخدام لقمة عيشهم أداة للمساومة والابتزاز. فالقضايا العالقة ينبغي أن تُحل بالحوار الوطني المسؤول، بعيدًا عن المساس بأي حق قانوني لأي مواطن، في أي بقعة من أرض العراق».
أما السياسي العراقي مشعان الجبوري فرأى أن طرح فكرة انسحاب الأكراد من العملية السياسية كموقف مقابل وقف تمويل مرتبات الموظفين الأكراد «زلزال» قد يعصف باستقرار العراق وانهيار جزء من الشرعية الوطنية.
وأضاف في «تدوينة» له إن «الكرد كانوا شركاء أساسيين في إسقاط صدام، وفي فتح الأبواب الدولية للمعارضة، وانسحابهم لن يكون مجرد غياب مكون، بل انهيار جزء من الشرعية الوطنية، ومن الصعب ان يتحمل العراق تبعاته».
وكان السوداني، ورئيس الجمهورية عبد اللطيف جمال رشيد، قد أكدا ضرورة إيجاد حلول جذرية للالتزامات المالية بين بغداد وكردستان.
وذكر بيان لمكتب السوداني أن الأخير «استقبل رشيد، وشهد اللقاء استعراض الأوضاع العامة على المستوى الوطني، والتطورات السياسية والاقتصادية وسير تنفيذ برامج الحكومة».
وجرى خلال اللقاء التأكيد على «ضرورة إيجاد حلول جذرية في إطار الدستور والقانون، بشأن الالتزامات المالية بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق، من خلال الخطوات وفق ما نص عليه الدستور وقانون الموازنة وقرار المحكمة الاتحادية، وأهمية إقرار قانون النفط والغاز».