بلاغة الأصوات وجماليات التشكيل البصري في شِعر مُنير الإدريسي

منير الإدريسي من الأسماء الشعرية الجديرة بالمتابعة والاحتفاء، حاز جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب دورة 2006ـ 2007 عن مجموعته الشعرية الأولى «مرايا الرّيش الخفيف» ـ منشورات اتحاد كتاب المغرب 2008 ـ ليُواصل الطريق الماتع والمُضني بين الممرّات الوعرة لـ»سيد الكلام».
يكتب قصيدة النثر بطريقته الجميلة محتفظا بصوته الخاص بين أصوات الشعراء الآخرين، في تجربته الإبداعية نلحظ بصمات لروح الموسيقى والتشكيل (الرسم والنحت) تصطف جنْباً إلى جنْب هموم الذات والتأملات والصداقات والحب، بينما أثقال الزمن المعاصر تُلقي ظلالها. يحضر اليومي في نصوص الشاعر، كما تحضر العناصر والتفاصيل الصغيرة المكتنزة بهموم الذات والعالم، فللعزلة مساحات هائلة في المُنجز الشعري المعاصر، ولطالما كانت العزلة فضاء ملائما لتخصيب المخيلة، وسانحة للتحرر من سطوة العادة/ إيقاع الحياة الرتيب بما هي روتين وواجبات اجتماعية والتزامات شخصية، لذا يقتنص الشاعر لحظات، أو هي تقتنصه بإلحاح الرغبة المحمومة في اقتراف نص جديد. الشعراء يعيشون حياتهم مُحتفين بمُقيم جوّاني بين أضلعهم (الشعر)، بين شغاف القلب وهُلامية الروح، في النظرة للذات والأشياء والموجودات المحيطة بهم.. المرئية واللامرئية أيضا، تلتقط عين الشاعر ما لا يلتقطه غيره، وإن توافق الناس على أن ثمّة حاسة سادسة، فللشعر حواس لا يحُدها ترقيم.
في ديوان «انتباه المارة» (منشورات بيت الشعر2016 ) يستحضر منير الإدريسي صديقه الأثير الرسام الذائع الصيت كلود مونييه، في مقطع رائق من نص «الصباح الباكر»:
ومثل مونيه، عندما أقوم بتقشير ماندرينات التأمل
تشتعل شرارتها فيَّ
لبعض النهارات لونٌ ومذاق، الّلون ناصع البياض يشِي بالبراءة والهدوء النفسي مُتحررا من المُنغصات والمُفعم بنُكهة الحب الضروري، لتَحمُّل أعباء الحياة، من نص «نهار أبيض» نقرأ:
أما أنا فأُمعنُ في الظلِّ الذي يمتدُّ
من ثنية ركبتيها، الآن،
وفي حزام صندلٍ يشدُّ قدميها
من المفصلِ
كاشفاٌ عروقَ وردة
أن يصيخ الشاعر السَّمع معناه إبداء تقدير رؤيوي من لدُنْهُ لهيْبة الأصوات، للصوت حق السَّمع علينا، ليس في الأمر سِمِّيع بالمعني الطرَبي المُتداول بل يتعداه إلى سمع يخترق جدار الصوت ويتلمس دلالاته الملموسة والترميزية المُوحية في فضاء الذبذبات الحيَّة المُغرية بالقفزات الكَوْنية المُتشظية في نسيج المخيلة اللامحدود، حاسة السمع تكاد تكون مضاعفة لدى الشعراء، كما عيونهم اللاقطة ما لا يُلتقط عادة وراء الحُجب، لهذا يحتفي مُنير ببلاغة الصوت مُصيغاً له السَّمْع، في نص» دورة أصوات « ما يلي:
في الساحة الواسعة
أصوات
لا متناهية..
لأطفال وسنونوات
تركب عجلة شاسعة جداً
من أمنيوم ضوء المساء
دورة الأصوات هي دورة حياة، الأطفال وطيور السنونو، وهي تمرح مرح البراءة.. تقودها بهجة الحياة، كل ذلك والشاعر ينصت:
في إنصاتٍ كبير، أظل لزمن
مُتنبهاً فيها، وهي تلهو بدوّاسات العُلُوِّ
الشاعر مولع بالموسيقى حدَّ الولَه، قد نقتسم جميعا محبة المعزوفات الراقية، لكن يقِّلُ بين الشعراء من يكتب قصيدة بإلحاح لطيف من أذنه الطَرَبية الولهانة، بنغمات تخدش قسوة الوقائع اليومية، تُلامس روحه المُموسقة، دون أن يُربك ذلك نثرية النص (قصيدة النثر) ـ أي لا يُصاب النص بإغراء التقفية (القافية) أو الإيقاع الغنائي الرنّان ـ كما في قصائد التفعيلة ـ وأي موسيقى أرقى من الكلاسيكيات الخالدة، لهذا يحدث أن تلمسك الموسيقى.. تلمس روحك وحواسك مثلما نستشفه من نص «يد الموسيقى»:
أرتقي مع بتهوفن أراضي سماء واسعة.
تحت صفصافة هذا المساء
تستظلُّ نوتات وتشربُ نبيذ
صوت كمنجاتٍ
يدُ الموسيقى تخطفُ
السُّمُو بالموسيقى تهذيب الروح من شوائب القبُحيات التي تداهمنا في حياتنا اليومية عندما نرتطم بالتفاهات المحيطة، وكميات الابتذال المتراكمة كمطرح نفايات المدينة، الموسيقى تنقذنا من وقائع بغيضة، كأنما تقول لنا إن الوقائع الجميلة تنتصر ما دامت الحياة، هكذا تكون الشاعرية (تحت صفصافة هذا المساء) شاعرية ثملةٌ بالمحبات، إذ يجتمع النبيذ مع الكمنجات مع بهجة الخاطر وتدفق المشاعر، بوْح شاعر في أمسية رائقة تلينُ لها أعْتى الأمزجة كمزاج الحجر.. فما بالك بالشعراء وهُم أرَقُّ قلباً وأليْنُ شُعوراٌ.
في نص «وجه» من ديوان «بنظارة أشف من الهواء»، منشورات مؤسسة مقاربات للنشر والصناعة الثقافية ـ المغرب 2021، ثمّة هدأةٌ مُتاحةٌ لتفحُص وجه من وجوه هاربة من زُحام المدينة العملاقة تلوذ بالفضاءات الخضراء، كيف للوجه الهارب من آلة اليومي الرهيبة وقسوة الحياة الضاغطة أن يدفن ملامحه تحت الأشجار كي يستنشق هواء نظيفا ويَنْعمَ ببعض الهدوء، لكن يحدث أن يحمل الوجه الهارب وجهه الآخر كناية عن تبدلات الأحوال المزاجية. نقرأ:
غالبا بوجه آخر
شبيه بإحدى وجوه سيزان أو مونييه
استحضار بول سيزان الرسام الفرنسي الانطباعي الذي اشتهر بالتصوير التشكيلي في الهواء الطلق، منحازا إلى المشاهد الطبيعية بما هي موجودات مفعمة بالحياة، سيزان المُغرم بالطبيعة الصامتة احتفى بتشكيل الملامح البشرية كما في (لاعبو الورق) وبرسم بورتريهات للوجوه، وأيضا لمشاهد المُستحمِّين والمُستحمَّات، هذا قبل أن ينتقل إلى مرحلة التجريد. استحضر الشاعر إسما آخر، رائد الانطباعية الرسام الفرنسي كلود مونييه، الذي اشتق اسم المدرسة الانطباعية من لوحته «انطباع.. شمس مُشرقة»، استدعاء هاتين القامتين لم يكن اعتباطيا، بل جاء ذكرهما في سياق دلالي يكتظ به المقطع الأول، فالجُملة الشعرية ليست مجرد وحَدة لغوية بسيطة، بل هي مُكَوِّن أساسي في معمارية النص. هذا الاستدعاء يُميط اللثام عن المرجعية الثقافية لصاحب النص العارف بعوالم الفنون البصرية والسمعية.
في المقطع الموالي من النص ذاته نلمس شعرية المفارقة:
وجهٌ يُحَسُّ أكثر من أن يُرى
يتورّد في النّسيان
له ضحكة الماء في متنزّه.
المفارقة في الإحساس بالوجه بدل رؤيته، ظاهريا، هكذا هي مفارقة، أمَّا باطنيا فذلك دلالة على عمق عملية التأمل التي تتجاوز السطح إلى القعر، ملامح إنسانية مُتعبة تنوء تحت حِمل صُروف الدهر، لذلك يكون الشاعر في طليعة المُلتقطين لِما يعتمل في دواخل الإنسان/ موضوع النص.
تتبدد مِسحة الحزن المضمرة، التي تطفو دلاليا، ليَحُلَّ الوَرْدُ بما يعنيه من تفاؤل وإقبال شهي على ملذات ومُتع الحياة، يتضح ذلك في الجملة الشعرية التالية: (يتورّد في النسيان). كأنما ملامح الوجه الكئيبة تنبسط في النسيان حتَى لكأنها ورود تتَفجَّرُ حُمرة زاهية سالبة للعيون تسرُّ الناظرين، في تعالق مع وجه يُحَّسُ أكثر مما يُرى، تنضج الحكاية لتتضح طبيعة الظاهرة البشرية المعقدة، التي تُلازمها تغيرات الأحوال، فالحياة تعب ونكد وبهجة وفرح. يشرئب الفرح مبتهجا كعادته في الجملة الموالية:
له ضحكة الماء في متنزّه
ليس الإنسان وحده من يحق له الفرح، فللموجودات من عناصر الطبيعة الحق في الفرح، وكُلَّما فرحت العناصر فَرِح الإنسان في تفاعل سيكولوجي وعضوي دائم، وَلَدُ آدم عنصر من عناصر الطبيعة، تُرابي المنشأ، هو المخلوق من الطين. الماء يضحك مثل « زنابق الماء» في لوحة زيتية شهيرة لكلود مونييه، إذ سَطْحُ الماء يعكسُ الضوء وأجواء البيئة كما تطفو عليه الزنابق والورود.
في نص «مكنسة حارس الحديقة» ثمة تكثيف دلالي في جُمل شعرية قليلة لكنها كثيرة المعنى، بعد أن ترك الحارس المكنسة مركونة بين العشب سنحت فرصة تأمل للشاعر حتى يجعل من المكنسة المتروكة نصّاً شعريا تخترقه المفارقة:
أسنانها فوق، تكشط الآن غيوما بيضاء
مثل جملة مستعملة آن لها أن تستريح في كرّاسة الشاعر.
المفارقة إياها نجدها في نص «الغابة»:
حتى إنّ الإبريق الذي فاض منه الحليب مسّه ضوء كوكب الزهرة فبرد
أشعلت لصوت بومة
عود ثقاب أطفأه نفَسي السّريع من الخوف
ولأثر حوافر الخنزير البريّ تمتمت بتعويذة
علاقة الشاعر بالعناصر والأشياء مأخوذة برغبة الالتقاط والقنص، قنص اللحظات الصغيرة الصامتة كقنص الطرائد في البرّية، العلاقة مع الكائنات الحيّة والجمادات علاقة شعرنة مدفوعة بقوة المتخيل:
صانع الكرسيِّ
لم يضع في ذهنه هذه الإمكانية
ستنبت للكرسيِّ
أجنحةً
عندما يجلس عليه الشاعر
كل شيء يصير مادة للتخيُّل في هُنَيْهة، شتَّى أصناف الجمادات والأشياء التي نحتاجها في حياتنا اليومية، الشاعر أيضا يحتاج إلى هذه الأغراض مثل الناس، لكن عدا الحاجة المادية إلى الشيء ثمّة حاجة أبقى وأدْوَم…فكرة قصيدة.. جُمل شعرية تكسر المألوف وتقلب المواضعات.. الغاية منها صناعة الجمال.. عبر مقاطع من كلمات بتراكيب ودلالات مغايرة لم تدُر بخلد صانع الكرسي مثلا.
الإشارات إياها غيض من فيض شعري تُثْرِيهُ تحولات المغامرة الإبداعية المُنفتحة على الجديد، فالشاعر منير الإدريسي يُواصل اقتراف الجمال عبر كتابة قصائد شفيفة تنضح بالصُّور المُتهادية كالسُّفن في أعالي البحار، غير أن هذي القصائد تتهادى بمَكْر المفارقة وألَق الدهشة، في هدوء المثابر على مراودة أصوات الجمال المنبعثة من كل مكان في الوجود يُكلِلُه حُسن الإصغاء بتشغيل مُتساوق للمتخيل الجامح.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية