في قلب سوريا: صالون ثقافي تحدّى الخوف والرقابة

حين تم كتمُ أنفاسنا في أواخر الثمانينيات، وأغلِقَت المنابرُ الثقافية في وجوهنا تماماً، وأمسى النشر في المنابر الورقية الدمشقية حِكْراً على نخبة معينة من الكتاب الملحقين بالنظام الأسدي، والمُطبلين له، والدائرين في فلكه، قام معاذ حسن في عام 1991 بفتح بيته لكتاب محافظة طرطوس، وجعل منه صالوناً ثقافياً، وخصص يوماً مُعيناً لاستضافتهم، والاحتفاء بنتاجهم، وما إنْ مرت فترة قصيرة لا تتجاوز بضعةَ أشهر حتى أمسى الصالونُ وما يدور فيه محوراً لنقاشاتنا الشفهية، وجلساتنا الحوارية، ومحفزاً لنا على القراءة والكتابة والحوار معاً.
وفي صالون معاذ ترسخت أسماء كتاب بدأوا تجاربهم الأدبية في منتصف عقد الثمانينيات وأوائل التسعينيات من القرن المنصرم كأنيس إبراهيم، ومحمد الحاج صالح، وغسان كامل ونوس، وعبدالحميد يونس، ورباب هلال، ويونس محمود يونس، ومحمود حمدان، وعدنان محمد، وإياس حسن، الذي كان قد عاد حديثاً من باريس، واحتفى الصالون بأسماء أخرى كانت تجذرت في الفضاء الثقافي السوري، وأثبتت قدرتها على التوهج على مستوى سوريا عموماً، كمحمد عمران، وحيدر حيدر وأحمد يوسف داود، وهم من كتاب المحافظة أساساً، وإن كانوا قد شاركوا في الأنشطة الثقافية السورية، داخل سوريا وخارجها، وتسلموا مناصب مهمة فيها، وأمسَوا معروفين خارج سوريا تماماً.
وقام الصالون باستضافة أسماء أدبية وفكرية ونقدية من خارج محافظة طرطوس، منها: عبدالرزاق عيد، ونبيل سليمان، ومحمد جمال باروت، وخطيب بدلة، وأحمد عمر، وتاج الدين الموسى، حيث أجرى روادُ الصالون حواراً مطولا ومعمقاً مع نبيل سليمان حول تجربته الروائية، أما جمال باروت فقدم محاضرة مهمة عن مفهوم الحداثة، وهو الموضوع الذي كان يشغله في ثمانينيات القرن المنصرم، وكلل نشاطه حول الموضوع نفسه بإصدار كتابه «الحداثة الأولى» عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات في عام 1991.
كما استضاف الصالون من دمشق الأديب الساخر يوسف أحمد المحمود، الذي كان محرراً في صحيفة «الثورة» آنذاك، وقُدمتْ خلال الأمسية، التي استُضيف فيها، قراءاتٌ مختلفةٌ في نتاجه، وجرى التركيز فيها على قصصه الساخرة، وعلى روايته «مفترق المطر» بشكل خاص التي كانت قد نالت إعجاب القراء في المحافظة، كما حظيت بإعجاب الطيب صالح أيضاً، إذ عدها من أميز الروايات السورية والعربية على الإطلاق. وقد استضاف الصالون ضمن أمسياته أيضاً الناقد والأكاديمي السوري علي نجيب إبراهيم من جامعة اللاذقية؛ حيث تحدث عن القصة القصيرة في محافظة طرطوس خصوصاً، وأولى اهتماماً لمجموعة المترجم والقاص السوري عدنان محمد «السباق»، التي كانت قد صدرت حديثاً، وكشف عن تجليات الشعرية في بنيتها الفنية، وآليات تشكيل معمارها السردي، وقامت مجلة « البناء» اللبنانية بنشر وقائع ما دار في الندوة في مقال خاص كتبه مراسلها في دمشق.

ولم يقتصر الصالون على استضافة الأسماء السورية، بل حرص على استضافة أسماء عربية أيضاً، منها يمنى العيد، ومنى فياض، وعلي حرب من لبنان، وكانت يمنى العيد قد أضحت اسماً مرموقاً في الحقل النقدي العربي الحديث، وشكلت كتبها تجربة مهمة في تلاقح التجربة النقدية العربية مع الفضاء النظري للمنهجية النقدية الفرنسية بشكل خاص، أما كتب المفكر علي حرب فقد أحدثت نوعاً من القطيعة المعرفية مع آليات قراءة النص الفلسفي والفكري وتحليله، وعًدَتْ مع كتب المفكرَيْن محمد أركون ومطاع صفدي، وما كان قد تُرجِم ونُشِر في مجلة «الفكر العربي المعاصر» وشقيقتها» العرب والفكر العالمي»، فتحاً جديداً في قراءة التراث والفكر العربي وتحليله، فضلا عما كان قد ترجمه مطاع صفدي نفسه من كتب فلسفية لميشيل فوكو، وظهرت كلها عن «دار الإنماء العربي» في بيروت، ولقيت احتفاءً كبيراً من المتلقي السوري الذي كان قد أتخِم من كتب اليساريين المتشددين، الذين حولوا الأدب إلى مرآة عاكسة لأفكارهم الضاجة بالأيديولوجيا والدعاوى السياسية، وهي الأفكار التي أدرك السوريون أنها أصبحت بالية، وخارج التاريخ، ولاسيما بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق.
ومع أن صالون معاذ حسن لم يتجاوز الخطوط الحمر، التي وضعها النظام الأسدي للناشطين في الثقافة السورية آنئذٍ، ولم يخترق ما هو محظور إلا بذكاء، وظل حذراً في اختيار موضوعاته وحواراته وضيوفه، إلا أن النظام المذكور ضاق به، وبأنشطته المُقلِقة، واستدعى صاحبه غير مرة إلى فرع الأمن السياسي في المحافظة، وحذره من تجاوز الخطوط الحمر، واستضافة شخصيات ثقافية يمكن أن تشكل خطراً على «الأمن القومي»، أو تُلحِق «وهَناً» بعزيمة الأمة! وهو الشعار الذي رفعه النظام في وجوه معارضيه، وسُجِن بسبب اختراقه مفكرون سوريون معروفون كالأكاديمي السوري المرموق عارف دليلة، والكاتب السياسي البارز ميشيل كيلو، وغيرهم.

وأخيراً أعلن النظام السابق أنه ضاق ذرعاً بمعاذ حسن وصالونه، وأصدر أمراً إلى صاحبه بإغلاقه في بداية عام 2001، بعد أن ظل نافذة ثقافية مفتوحة طوال عقد من الزمن؛ وهكذا تم إجهاض تجربة ثقافية ناجحة لم يُتَح لها الاستمرارُ في فضاء ثقافي مسكون بالرعب، ومُلفع بالمحظورات، غير أن إغلاق هذه النافذة لم يحُلْ دون استمرار معاذ حسن في نشاطه الثقافي؛ إذ ظل مهموماً بالكتابة، ومثابراً على الإنتاج، والنشر في المنابر الثقافية داخل سوريا وخارجها، وقد كلل تجربته الثقافية بإصدار أربعة كتب، خصص أولها لمقاربة تجربة «حي الرمل» في طرطوس بوصفه نموذجاً للأحياء الطرفية، التي قوضت بنيتَها التغيراتُ الاجتماعية التي أصابت المدينة السورية خلال العقود الخمسة الأخيرة من حكم الأسدَيْن، أما كتابه الثاني «مقاربات في سوسيولوجيا الإخفاق/ المجتمع العربي نموذجاً» أرواد للنشر، طرطوس، 2015، فقد تناول فيه التجربة الفكرية والنهضوية والسياسية المُجهَضة في العالم العربي عموماً، وفي مواجهة إسرائيل بشكل خاص، في حين خصص كتابه الثالث لتناول «فكرة الزمان والوعي التاريخي» أرواد للنشر، طرطوس، 2019، وهو كتاب ذو طابع فلسفي كما هو واضح من عنوانه، وله علاقة باختصاصه الأكاديمي، وقصر كتابه الرابع على آلية «الاندماج الاجتماعي والتشكل المدني الحديث في الساحل السوري حتى منتصف القرن العشرين»، متخذاً من محافظة طرطوس نموذجاً للدراسة والتحليل، وتوصل فيه إلى اجتراحات فكرية واستنتاجات تحليلية جديرة بالاحتفاء والتناول في مقال مقبل.

 كاتب سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية