«في متاهات الأستاذ ف. ن»: التجريب الروائي في أقصى تجلياته

«الروائي الحقيقي هو الذي يضع احتمالات وحلولا روائية لحياته، لسلوك زوجته، يطرق باب الجيران على طريقة زوربا، يعشق على طريقة بتشورين، ويصعب عليه الفصل بين ما يكتب أو يقرأ وما يعيش» (الكتابة وقوفا – حسن مطلق) المقتطف السابق نشره الروائي عبد المجيد سباطة على إحدى صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة به، وقبلها نشر عن الكاتب المكسيكي خوان بابلو بيالوبوس «هكذا هو الأدب دائما: أن تكتب عن شيء، على الرغم من أنك في الواقع تتحدث عن شيء آخر»، فعن أي شيء تحدّث سباطة، الروائي الحقيقي الذي وضع الاحتمالات والحلول، في روايته «في متاهات الأستاذ ف. ن» (المركز الثقافي العربي 2025)؟!
تبدأ الرواية بفصل يوهمك بأنك تدخل متاهة متوقَّعة، أستاذ جامعي مغربي ينتحر بعد اتهامه بالتحرش بإحدى الباحثات الإسبانيات، والشرطة تأخذ إفادات من يعرفونه، ولكنك تتذكر أنك قرأت قبل الدخول في الفصل الأول ما يفكر فيه طلبة الأستاذ رشيد بناصر في حصته الافتتاحية حول الأدب المقارن، والتي تنتهي مع تساؤل الطالب «منير»: سؤال واحد يشغل بالي فعلا، ما الذي أتى بك إلى هنا؟ فكأنّ السؤال موجَّه للقارئ، يتنبّه إليه بعد الخوض في الفصول اللاحقة ودخول المتاهة.
كل فصل يبدأ بمقدمة من محاضرة للأستاذ رشيد بناصر، حول نص أدبي مختلف، ومعه ننتقل إلى بقعة جديدة من المتاهة، التي لا يمتّ كل فصل منها إلى سابقه بصلة، إيهام جميل وعميق وصعب، إلى أن تبدأ بعض الخيوط بالظهور، وخصوصا في الفصول الأخيرة، حيث نجد الدكتور فريد النوري، ف. ن، يبوح بمكنونات قلبه لبائعة الهوى التي أخطأت غرفته، ولم تنفّذ مهمتها الاستخباراتية.. الفصول فيها من الجديد في الأسلوب والتنقل بين الأزمنة والأمكنة الكثير، والكتابة بلغة الزمان والمكان ما يجعل النصّ يبدو منفصلا، وهو بالفعل منفصل عما قبله وعما بعده، ولكنك تبقى مستفزّا وحذرا، من أن يكون قد فاتك ما كان يجب أن يكون الرابط بين الفصول، ولكنك تعتاد الأمر في ما بعد، وتستمر بالملاحقة والانتظار، والأهم، بالاستمتاع.
التنقل بين الأزمنة والأمكنة متشعّب وكثير، ما بين 1204 مع محمد الناصر في مراكش، والأرجوزة الياسمينية في الجبر والمقابلة، وصولا إلى الحالة الحرجة لـ(ع. ج) عام 2016، مرورا بـ1612 و1690 إلى بداية القرن العشرين و1927 ووقفات كثيرة خلال سنوات هذا القرن. ولكن هل تقرأ حسب التدرج الذي سبق وذكرته، طبعا لا، وإلا لكان النص بعيدا كل البعد عن المتاهة، ولأكون صريحا استطعت تعداد توزّع السنوات من خلال دليل الخروج من المتاهة في نهاية النص.. كل ما سبق هو تعريف وتوضيح وشرح، لتقديم الروائي، النص بشكل مختلف.. ولكن ما الجديد الذي قدّمته الرواية؟
بدأت بمقولة إن الروائي يضع احتمالات وحلولا، ليس في نصه فقط، بل في حياته أيضا، ولأننا داخل النص نبحر، لا بدّ من الإشارة إلى أن الاحتمالات كانت طاغية على النص، والأسئلة الكبرى كانت هي الأعمق، وعلى الرغم من كمّ السرد وتنوّعه، وكم المعلومات التاريخية وكثرتها، من الأندلس والموحدين وما حلّ بالبلاد وبالمسلمين، وعلى الرغم من أننا قرأنا نصوصا كثيرة بين الأدبي والتاريخي في محاولات لمحاسبة، أو مساءلة تلك المرحلة، إلا أن الإطار الذي جاءت فيه هنا كان مختلفا، فالبحث هو بحثٌ فعليّ في الرواية، وهنا الفرادة، أن يقنعك الكاتب بأنه يسرد على الرغم من أنه يقدم تقريرا عن حالة تشكو من مرض نفسي، أو تقرير الشرطة، أو جولات مباريات محمد علي كلاي، أو المسلسلات على شاشة التلفزيون، أو تقارير حول ورشة الكتابة الإبداعية، والشخصيات الأجنبية في الفندق خلال الحرب العالمية الثانية، وسيناريوهات أفلام، ومشروع فيلم وثائقي.. ما أعدده قد يبدو مستحيلا أن يجتمع في نصّ، روائي على وجه الخصوص، ولكن حِرَفية سباطة جمعتها، وقد أغفلتُ الكثير، كمراسلات الجندي مارسيل وحبيبته مادلين عام 1927.
الروابط التي جمعت خيوط المتاهة تتكشّف في النهاية ويسير بنا الكاتب إليها بشكل واضح في الفصل الأخير، وتشير إليها الطالبة سلمى عفيف في متابعة حالة ع.ج، ولكنك عندما تجد نفسك مبتسما بأن عرفت طريقة الخروج من المتاهة وسألت مع الرواية الأسئلة الكبرى حول بلادنا، تاريخها وحاضرها والفساد المتحكّم بكل تفاصيله، لا تجد حلّا لقضية وفاة ن. ف، بل تفهم متاهته وماهيتها وأسبابها وحلقاتها وتعيد في ذهنك ما قرأت، ولكن هل تتركك الرواية مع الوضوح، الذي تنعّمت به، بالطبع لا، فإنك تقرأ أن البحث رُفِض وطُلب من الطالبة دراسة حالة أخرى، فهل قابلت ع.ج زوجة الضابط الذي كاد يحلّ قضية الدكتور وانتحاره وأسبابها، أم لا! عليك أن تستمرّ في التساؤل! هل تقف المتاهة عند هذا الحد؟ يعود الطالب «منير»، منير الحسناوي، وينهي الرواية بورقة امتحانه التي فيها تعريف السارد غير الموثوق، وفيها شخصية الأستاذ المقتول بوصفه شخصية في مشروعه الجامعي… فهل منير هو عبد المجيد سباطة! لا يهم!
أسئلة كثيرة تطرحها الرواية، كما سبق وذكرت، حول تاريخ بلادنا، وتمر على بلدان مختلفة بين أوروبا وأمريكا، وتحل سريعا في لبنان، وتعود إلى حيث بدأت في المغرب، فهل الوثائق تفضح العائلة التي تتحكم بالسلطة، وهل فعلا تحرش ن.ف بالطالبة، ولماذا قال كل ما قاله لبائعة الهوى تحديدا! هل علينا أن نبقى نلاحق الوثائق والتاريخ؟ أم علينا التركيز على الحاضر والمستقبل في هذه البلاد التي دائما تضيع ولا تخطط يوما لمستقبل واضح، فتعود إلى التاريخ! الشخصيات في الفندق ومارسيل الجندي، هؤلاء يعرفوننا ونعرفهم، ولكن الأخرس الذي هرب بسبب ما اتهم به، هو نحن جميعا، الذين لا يستطيعون المواجهة بسبب والد ليلى الصادقي وأمثاله.
لا يُمكن أن تُـختَصر الرواية وأحداثها كغيرها من النصوص، فهي بالفعل متاهة، ولكنها مُتخمة بالمتعة، لا تكاد تنتهي من فصل يأخذك إلى قصة جديدة، حتى ينتهي وتنتقل إلى آخر، قبل أن تقترب من مرحلة الشبع من المتعة، لأنك تخال نفسك لبرهة أنك انتقلت من قصة قصيرة إلى أخرى، جمّعها سباطة ورتّبها، وهي بالفعل كذلك، ولكن خيطا يعطيك إياه في كل فصل، يعينك على الانتقال، أو لا يعين أحيانا، بين الفصول. ولكن اللغة والسرد والتعلّق بالشخصيات وحيواتها المختلفة، التي تجد منها ما يشبهك أو يشبه أحدا تعرفه، وهنا النقاط الأبرز، شخصيات بالعشرات ظهرت، ليس المهم أن تتذكرها جميعها، ولكنك عشت معها في أثناء القراءة، وهذا لا يحدث في نصّ عاديّ أبدا.
سباطة المؤمن بقضايا بلاده، في المغرب وهمومها، لم ينسَ فلسطين، ولم ينسَ أن يقول، إن المقاومة فعلٌ حصل ويحصل وسيستمر، ولعلّ المرحلة التي كان يكتب فيها نصه هي مرحلة الموت والمجازر المستمرة، والمقاومة المستمرة، أخذ الكاتب على عاتقه أن ينصفها، بشكل أفاد نصه، وأفاد مبادئه، وأفاد القضية من دون أن يُشعر المتلقي بأيّ ابتذال أو حشو.
عبد المجيد سباطة كاتب مشاكس ومثقف ومجرِّبٌ من الطراز الأول، التجريب ملعبه الذي يبرع فيه، واللغة عنده مطواعة وصحيحة ودقيقة، سارد فذٌّ، فنّان روائيّ يحتاجه الأدب العربي، وتحتاجه التجربة الروائية العربية، وهو أهل لهذه الحاجة، يظهر كل بضع سنوات بنصّ قويّ يدرس كل خطوة قبل نشره.
وقبل أن أنهي أقول، هذه المتاهة ستكون من أبرز ما نُشر خلال هذا العام من نصوص أدبية روائية عربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية