رام الله – «القدس العربي»: لا يمكن اختزال كتاب «هاني الحسن.. صوت الحضور الأنيق والنوء العاصف» من تأليف الدبلوماسي الفلسطيني والإعلامي حسان البلعاوي، وبالتعاون مع ثائر المصري وبكر أبو بكر، في سطور معدودة، الكتاب بصفحاته الـ419، مثلما هو سرد متنقل ومكثف لحياة القيادي الحسن من الولادة وحتى الممات، هو في جانب كبيرة منه عن القضية الفلسطينية وما أحاطها من تحولات وأحداث، وهذه المرة من بوابة أحد أبرز القادة المركزيين في تجربة النضال الفلسطيني.
يعتبر الحسن «صانع النجم» (أي ياسر عرفات)، و»رجل المهمات الصعبة» وأحيانا «السرية»، ففي تجربة العمل إلى جانب عرفات الكثير من الأحداث بحجم القضية ذاتها، وما مرت به من عواصف وأنواء وتحولات.
الكتاب الذي جاء على شكل 36 فصلا رشيقا، إلى جانب خاتمة من إمضاء الكاتبين محمد البيروتي وبكر أبو بكر، إلى جانب ملحق خاص بالصور التي تعرض جانبا من حياة السياسي الراحل، إلى جانب مقدمة قصيرة بإمضاء ابنه طارق. نحن إزاء كتاب سيرة لكنها غير ذاتية، بمعنى لم يقم صاحب السيرة بكتابتها عن نفسه، وإنما اعتمدت على قصص ومقابلات ووثائق وتصريحات في صحف في بنائها الرئيس، إنها سيرة لرجل عاصر أبرز مفاصل القضية الفلسطينية وأهم مراحلها، كان الرجل الثاني لسنوات في تاريخ الثورة الفلسطينية.
أسئلة البداية والنهاية
من اللحظة الأولى لقراءة الكتاب يطل سؤال جوهري برأسه، ويتكرر مع صفحات الكتاب ومفاده: ما هو المفيد، على وجه الدقة، في قراءة هذه التجربة النضالية لهذا الشخص بالذات، الذي عاش أغلب فترات القضية الفلسطينية، وتحديدا في هذه اللحظة (الراهنة) من تاريخ القضية، وهي كما تبدو للعيان الأصعب والأكثر ظلمة ودموية ووحشية وخطرا؟ أما بعد قراءة الكتاب سيدخل القارئ في مشاعر سلبية إلى جانب ألم خفيف وهو ما يعزز طرح أسئلة من نوع: «هل حظ الفلسطينيين سيئ لهذا الحد، أم أنهم لم يناضلوا ويتصرفوا كما يجب؟ ولماذا وصلت قضيتهم إلى ما وصلت إليه، حيث الصعوبات والتحديات أصبحت أكثر كارثية واحتمالات التهجير وممارسات الإبادة تمارس بحقهم على الشاشات؟
في كل الأحوال لن يقدم الكتاب إجابة شافية حول هذه الأسئلة، فهو لم يتصدَ لها أساسا، لكن ما يضمنه الكتاب عن السياسي الفلسطيني من الرعيل الأول المؤسس لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح، أنه يضع القارئ على أحد أبرز تجارب هذا القائد، الذي جمع التناقضات، وكما جاء في الغلاف الأخير على لسان مؤلفه: «سيرة هاني الحسن هي العودة لتاريخ القضية الفلسطينية، وهي مراجعة المحطات الرئيسية لحركة فتح، التي ساهم الحسن في تأسيسها».
وهو ما يجعل الكتاب يوفر إمكانية للإجابة على الأسئلة السابقة، فهذا ما يمكن تلمسه بين السطور وخلف الصفحات وفي سياقات المواقف، وتحديدا أن القارئ يطل عليها بعد سنوات من حدوثها. كما أن جانبا من الإجابة على الأسئلة قدمها الكتاب وشرحها بدقه من خلال الحديث عن هاني الحسن في رحلته الحالمة بالعودة والتحرير والنصر القائم على اليقين، والعمل السياسي والعسكري المتناسب مع موازين القوى والتحالفات السياسية والفعل الثوري أيضا، أما نهاية حياته كسياسي وصانع أحداث، فكان عنوانها الإقصاء السياسي والمرض، وصولا إلى رحيله عام 2012، فالمرحلة ما بعد عام 2006 لم تعد مرحلته، ويبدو أنه فقد حتى أي إمكانية للتعايش معها، مع دخول الواقع الفلسطيني مرحلة جديدة برحيل عرفات مسموما كما يؤكد، وبفعل الانقسام السياسي الفلسطيني، وكلاهما أمور شخصها جيدا وتوقع نتائجها.
البدايات
ولد هاني الحسن في إجزم قضاء حيفا (1939)، منحدراً من عائلة فلسطينية متوسطة الحال ومتدينة، كان والده سعيد الحسن عضواً في المجموعات الفدائية التي شكلها الشيخ عز الدين القسام، كما عمل مسؤول أوقاف «مقام الخضر» في حيفا. يعتمد الكتاب منذ بدايته على مرتكزات شخصية الحسن السياسية وتحديدا تلك التي ورثها عن والده الذي كان رفيق القسام، وهو ما ظل ملاصقا له في مفاصل حياته كافة، رغم كم التقلبات والتحولات السياسية التي مرت بها القضية الفلسطينية، لقد امتلك الثوابت الوطنية، كما آمن بها، وسعى جاهدا للإخلاص لها على طويل الطريق الوعرة التي مرّ بها.
كانت المرحلة الأولى في حياة الحسن متمثلة بتجربة النكبة عام 1948 حين اقتلع من بيته و»حيفاه» وهو في عمر العشر أعوام، ومنها هاجرت العائلة إلى لبنان، فسوريا حيث درس حتى الثانوية، وهناك كانت بداياته مع «تنظيم شباب الأقصى». ومن سوريا إلى الكويت ومنها إلى ألمانيا حيث تجربة الدراسة التي كانت البدايات الحقيقة له. في ألمانيا بدأت علاقته مع القيادي الفتحاوي أبو الهول (1961) في تشكيل «طلائع العائدين»، وتحديدا في ألمانيا الغربية، ومن ثم تجربة تأسيس فرع الاتحاد العام لطلبة فلسطين وما ترتب عليه من مسألة الاندماج مع حركة فتح، ومن ثم بروز شعار الكفاح المسلح عام 1963.
لقد تمكن الحسن بفعل قدراته في الخطابة والإقناع من تأسيس مجموعات مقاومة فلسطينية وعربية وأرسلها للتدريب في مصر والجزائر (جانب من هؤلاء المقاتلين شاركوا في معركة الكرامة عام 1968). كان دافعه لكل ذلك رهانه على الثورة الشعبية طويلة الأمد وحرب العصابات، أما وعيه وإيمانه المطلق الذي استمر معه حتى اللحظات الأخيرة من حياته فكان مرتبطا بضرورة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، كان مؤمنا «بالتوحد وتجميع الطاقات» (تحديدا في البدايات) وصولا للحظات الفلسطينية الأصعب ما بعد أوسلو، حيث عمل جاهدا على «تحقيق الوحدة الوطنية».
في تجربة الحسن السياسية والعسكرية تقلد المناصب الأقرب من عرفات، وهي مناصب سياسية ودبلوماسية وأمنية، لا تعد ولا تحصى، فقد كان مستشارا شخصيا لعرفات، كما كان مفوضا سياسيا لقوات العاصفة، وأمين سر إقليم الأردن، ومسؤول التنظيم النسائي في حركة فتح، إلخ من قائمة المناصب التي تواصلت مع كل منطقة، ومع كل تطور في الأحداث السياسية الفلسطينية. والسبب في ذلك هو قدراته السياسية والأمنية الفائقة، حيث وصف بـ»رجل كل العصور»، وخلال صفحات السيرة غير الذاتية، تقرأ صفاته وخصائصه المميزة وسماته وقدراته السياسية، التي جعلته صاحب رأي وموقف في كل الأحداث. في الأردن حيث بدايات العمل الفدائي كان نشاط الحسن سياسيا، حيث عمل في مرحلة السبعينيات على مد جسور التواصل وإطفاء الحرائق بين الفدائيين والسلطات الأردنية في أصعب المواقف، وبعد أن وقع المحظور، وخرج المقاتلون إلى لبنان، لم يقطع صلاته مع الجهات الرسمية الأردنية.
ورغم أن تجربة العمل العسكري في الأردن مرّ عليها أكثر من خمسين عاما، لم يتوسع الكتاب في تناولها، ولم يقدم تفاصيل كافية تضيء جوانب من تلك التجربة المرة، وهو أمر تكرر مع بعض الأحداث المهمة، رغم أن كتابات ووثائق تناولتها، وهي مسألة تكررت في جانب من فصول الكتاب، حيث استند الكتاب كثيرا على قصاصات الجرائد وبعض المقابلات الصحافية وغاب الاعتماد على محاضر الاجتماعات، والوثائق التي عادة ما يفرج عنها أو حتى مؤلفات الحسن الـ14، ومذكراته أو وثائقه الشخصية.
لقد اشتهر الحسن بإنه «رجل المهمات السرية» لياسر عرفات، فهو يمتلك علاقات دولية وعربية واسعة. وقد اضطلع بأدوار رئيسية في محطات مهمة تركت أثرها على القضية الفلسطينية، كان ذلك في لبنان وسوريا وإيران والعراق والسعودية والأردن وفرنسا، وحتى مع الإسرائيليين من خلال مشاركته في مباحثات سرية رسمية بتكليف من عرفات.
الإخلاص للشعار
أحد أبرز الشعارات التي رفعها الحسن وآمن بها كان «الكفاح المسلح يزرع والعمل السياسي يحصد، ومجرم من يزرع ولا يحصد»، ويعكس جوهر الشعار الذي جاء عليه غير مرة في الكتاب امتلاكه مرونة سياسية تعكس جوهر رؤيته النضالية، فالعمل العسكري يكمله الفعل السياسي، وهو ما جاء في «الفصل الثامن والعشرون» من الكتاب الذي عنون «الحوار مع الطرف الآخر» حيث اعتبر الحسن رجل المهمات الصعبة، وتحديدا عندما فجّر قنبلة تتمثل في انقلاب الموقف السياسي الفلسطيني بالقبول بالحل السياسي وبدولة فلسطينية، إلى جانب دولة إسرائيل مع ضمانات أمنية. ويعكس هذا الموقف مسيرة طويلة من «التراجعات السياسية» فهي امتداد لبدايات الاستعداد للحل السياسي، الذي بدأ من عام 1968، وانطلق بعدها عام 1974، وصولا لما بعد انطلاق الانتفاضة الأولى، وتصريح الحسن في لندن عام 1989 بقبول قرار 242، وهو ما جاء بعد انطلاق أول مفاوضات سرية بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير في باريس عام 1986.
دعم ذلك الموقف وقادت إليه نتائج «عاصفة الصحراء» حيث اجتياح العراق للكويت والتحالف الدولي ضده، ورغم أن الحسن كان ضد الاحتلال العراقي للكويت، وعمل على انسحاب العراق منها، إلا أن تيار الموقف القيادي الفلسطيني كان يغرد بعيدا عن هذا الموقف، وهو ما لم يتوسع فيه الكتاب، رغم أن الحادثة تعتبر مهمة في مرحلة تحول النضال الفلسطيني، حيث تلتها مجموعة من المواقف والنتائج التي أثرت على القضية وقادتها مرغمة إلى اتفاق أوسلو، رغم علاته الكثيرة حسب الحسن، الذي عمل طويلا محذرا من تداعيات الاتفاق على القضية الفلسطينية واشتغل في التعبئة ضده.
ورغم الخلافات داخل القيادة الفلسطينية في الموقف من الحرب، ومحاولة تقديم أن عرفات كان يسعى لحل المسألة، وتبني هاني موقفا مواربا، من خلال الحديث عن استعداده «الدفاع عن السعودية إذا تعرضت للغزو»، إلا أن ذلك الموقف المتعاطف مع دولة الكويت بطريقة غير مباشرة، أزعج عرفات كثيرا وهو الذي كان يرتبط مع صدام حسين بعلاقات قوية، تعززت بعد ربط الأخير بين حل أزمة الكويت بحل القضية الفلسطينية بالتزامن، حيث تحمس الفلسطينيون لشعار «ميزانين ومعيارين» في تعاطي المجتمع الدولي مع أزمة الكويت والأزمة الفلسطينية.
لقد غاب عن الكتاب التقييم المهم في هذه المرحلة أيضا، التي ترتبت عليها نتائج كارثية على القضية الفلسطينية، فكيف قررت القيادة هذا الموقف السياسي الكارثي، ولماذا لم تأخذ بموقف الحسن المعارض له، حتى إن الكتاب استخدم صيغة مخففة باستخدام مفردة «اتهام» الفلسطينيين بدعم العراق. لقد كان من نتائج الحرب أن وصلنا إلى أوسلو، الذي بدا مسارا إجباريا كان على الفلسطينيين المضي فيه.
الطريق لأوهام أوسلو
يكمل المؤلف في فصل «العودة للينابيع» نتائج تأييد غزو العراق للكويت، حيث سيقت المنظمة ومن موقف ضعف إلى بدايات التفاوض وعملية السلام 1991 من دون أي مشاركة فعلية للمنظمة لكن «برضاها/ وبموافقتها على ذلك»، ورغم اعتراض هاني الحسن على مؤتمر مدريد بصورته التي قدم بها، تحول من مُنظر للتسوية إلى معارض لها. وقدم مذكرة داخلية شرح فيها رفضه لمؤتمر مدريد، وكل تقييمات ما بعد الحرب على العراق، لقد دون مجموعة من الملاحظات الدقيقة لعل أبرزها اعتراضه على «مرحلية التفاوض، وعدم وجود مرحلية للتنفيذ» في الاتفاق مع الإسرائيليين، متنبئا بإن «الحكم الذاتي هو الوضع الدائم».
لقد قدم رؤية عميقة لخطايا الموافقة على مؤتمر مدريد بالشروط والنصوص المرافقة له، حيث اعتبره كارثة كاملة للقضية، ومن هذا المنطلق عارض أيضا أوسلو، ورأي فيه استمرارا لمدريد، ولهذا الغرض كتب ما أطلق عليه «وثيقة للحوار بعنوان: الخروج من مأزق أوسلو.. حتى لا نضيع بالدبلوماسية ما أنجزناه بالبندقية». وحدث ما حذّر منه فعليا.
ورغم كل ذلك وافق عام 1995 على العودة للوطن نزولا عند قرار القيادة، لقد كان يمتلك وجهة نظر تقول إن معطيات الأرض يجب التعامل معها (واقع أوسلو)، فيما حدد الهدف من عودته بفرض معطيات جديدة في الداخل الفلسطيني، رغم أن التقارير الفلسطينية الداخلية جميعها كانت تشير إلى أن «طريق التسوية مسدود»، لقد أراد تقوية الجبهة الداخلية في حركة فتح الرافضة لـ»أوهام أوسلو»، وقال لعرفات ما نصه: «سنقبل أن تتعايش الآراء معا، وليس على أساس أن يلغي أحد منا الرأي الآخر».
وبعد عودته، التي أشعرته لأول مرة أنه على أرضه، عمل جاهدا على «محاولة تنظيم البيت الداخلي»، حيث استلم مهمة المفوض العام للتعبئة والتنظيم لحركة فتح من أجل تقوية حركة فتح والإبقاء عليها في ظل محاولات استهدافها، أما المهمة الثانية فتمثلت في تحقيق الوحدة الوطنية.
ومع نهاية الانتفاضة الثانية تولى المهمة الأصعب وهي «مهمة وزير الداخلية» بعد انتهاء الحصار الثاني للرئيس عرفات في المقاطعة، وذلك في عهد حكومة أحمد قريع أبو العلاء وزير الداخلية (أول وآخر منصب رسمي في الحكومة) وهي مرحلة حرجة حاول توحيد الأجهزة الأمنية ووقف العمليات في الداخل المحتل وعمل على تقوية الجبهة الداخلية.
لقد كانت هذه المرحلة الأصعب عليه في ظل تراجع الوضع الفلسطيني، وفي ظل ضغوطات كثيرة كانت تستوجب من الكتاب التطرق لها، حيث وضعت خطط تغييب عرفات عن المشهد السياسي، فهي مرحلة حاسمة في الواقع الفلسطيني اليوم، حيث امتد مسلسل الانهيارات الفلسطينية، رغم محاولات الحسن الدؤوبة خلال فترة عمله كوزير للداخلية ربط الانسحاب الإسرائيلي من المناطق الفلسطينية المعاد احتلالها، ومقدار الأمن الذي ستعطيه السلطة للاحتلال، لقد أصر على أن «التنسيق والأمن للاحتلال مقابل الانسحاب والافق السياسي».
الخروج من المشهد
ما يلفت في ما جاء في الكتاب وتحديدا في فصله السادس والثلاثين، الذي حمل عنوان «ما بعد استشهاد عرفات»، الذي أشار فيه إلى قناعة الحسن إلى أن عرفات استشهد مسموما من قبل الإسرائيليين، بعد فصل لم يتم التوسع فيه في مسألة التآمر على عرفات من جانب من القيادات السياسية الفلسطينية قبل عام 2006، وفي هذا الفصل نرى تراجع السلام المنشود وصعود الاتفاقات الأمنية مع السلطة، ومن منصبه الذي شغله وقتها في التعبئة والتنظيم، حذر من أن «طرفا فلسطينيا يعمل لصالح الأمريكيين» بـ»دراية وتخطيط وسوء نية».
يستمر الكاتب في سرد جانب من هذه الخلافات باقتضاب، لكن ما يستوقفنا هنا مسألة موقف الحسن من أحداث الاقتتال في قطاع غزة، حيث جاء موقفه من أن «تيارا داخل حركة فتح عمل تحت مظلة الأمريكيين تحديدا في غزة وكان متورطا في أحداث غزة» التي قادت «لانقلاب» حماس، لقد اعتبر الحسن أن «حركة فتح لم تشارك في أحداث الاقتتال الداخلي في القطاع، التي قادت إلى سيطرة حركة حماس على القطاع»، تلك الأحداث التي يسميها المؤلف «انقلابا». ورغم الاقتتال بقي الحسن يطالب الجميع بتوحيد الصفوف، ومقاومة الاقتتال في ظل معرفته بأن الاقتتال مطلب إسرائيلي، لكن ذلك الموقف المخالف للخطاب العام للحركة دفع الرئيس الفلسطيني في حينه محمود عباس إلى طرده من منصبة بصفته كبير مستشاري رئيس السلطة الفلسطينية (2006)، كان ذلك يعني غيابه عن المشهد السياسي الفلسطيني بشكل كامل، حيث اعتذر عام 2009 عن المشاركة بأي منصب لوضعه الصحي وصولا إلى وفاته في عمان بتاريخ 2012.
بعد عام 2006 ابتعد الحسن تماما عن الحياة، لقد رحل عن المشهد السياسي الذي لم يعد يشبهه ولا يعبر عنه، لقد وصل إلى طريق مسدود، ولا نعتقد أنه كان يمكنه أن يعمل في ظله، لقد ظل الحسن مخلصا لأفكاره ورؤيته، وإن تحلى بمرونة رجال السياسية المحنكين.
لقد رحل الحسن بعد أن كان يمثل اتجاها مهما في الحركة الوطنية وداخل حركة فتح، حيث مثل التيار الذي يرفض الأسرلة وتجلياتها في الحالة الفلسطينية وعمل على تثبيت الهوية الوطنية وتجذيرها، رحل في لحظة رأي فيها أوسلو التي حملت في «داخلها بذور تشتت الفلسطينيين.. في مواجهة التراجعات الإسرائيلية المتواصلة».
وفي نص للروائي محمد البيروني قال إن «غلطة هاني أنه جاء في زمن أوسلو»، وأكمل: «لقد عاش «في وكر الأفاعي السامة»، غير أن بكر أبو بكر رأي في مقال «هاني الحسن والمشي على الماء» بإنه القيادي المتفائل، الذي وقف ضد «فكر النعي» والخراب والتشاؤم، ليبدو لقارئ الكتاب أن الحسن كان الشخصية الأكثر أهمية في تاريخ الحركة الوطنية في ظل المراحل التي عاشها ومر بها.
بنهاية الكتاب تعتري القارئ مشاعر عدم الراحة، هناك ألم كبير لخسارة قائد سياسي من نوع الحسن، لم يتغير الحسن أبدا إلا وفق ما تطلبه الفعل الذي يقربه من فلسطين، لكن القضية ومشروعها والواقع الذي فرض عليها جعلها تتغير رأسا على عقب، لقد حشرت القضية في نفق وأوهام أوسلو وما تبعها من تداعيات تنبأ بها حرفيا.