تونس ـ «القدس العربي»: أثارت مسألة منح تونس رتبة شريك غير عضو في حلف شمال الأطلسي، التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي باراك أوباما في خضم الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى واشنطن، الكثير من الجدل في تونس وخارجها وخصوصا في المحيط المغاربي. وتعددت الآراء بين مرحب بهذه الخطوة معتبرا إياها بداية عهد جديد من التعاون مع الحلف، ستجني من خلالها تونس منافع عدة، وبين من يتوجس خيفة من فقدان البلاد لسيادتها خاصة وأن الأمر يتعلق بطرفين غير متكافئين من السهولة بمكان أن يستحوذ الطرف القوي فيه على الضعيف ويتحكم بقراره.
ورغم تأكيد محسن مرزوق، مستشار رئيس الجمهورية والأمين العام الجديد لحركة نداء تونس، أن ما تم الإتفاق عليه مع الولايات المتحدة لن يمس بأمن الجزائر وليبيا وأن تونس حريصة على علاقات استراتيجية مع الجارين وخصوصا الجزائر، إلا أن الأنباء المقبلة من وراء الحدود الغربية للخضراء تؤكد على أن هناك قلقا حقيقيا لدى أطراف جزائرية من هذا التقارب التونسي مع الحلف الأطلسي. وتنتمي هذه الأطراف إلى جهات غير حكومية بما أن الجزائر الرسمية لم تعبر إلى الآن وبصورة علنية عن موقفها من هذا التقارب.
تخوفات مشروعة
وفي هذا الإطار يؤكد الناشط السياسي والحقوقي التونسي ماجد البرهومي الأمين العام للمعهد العربي للديمقراطية على أن تخوفات الجزائريين من مثل هكذا اتفاق أمني هو تخوف مشروع ما في ذلك شك، لكن طبيعة التونسيين المتعلقة بالجزائر وشعبها، والعلاقات الممتازة والإستثنائية في المحيط العربي التي تجمع بين الشعبين الشقيقين تجعل من الصعب تصور أن التونسيين قد يستهدفون يوما جارتهم الغربية. فالتاريخ يؤكد على أن الحدود الشرقية للجزائر أو المغرب الأوسط لم تكن يوما مصدر تهديد للجزائريين على مر التاريخ.
ويضيف: «العكس هو الصحيح، لقد تم تدمير قرطاج (تونس الحالية) بتواطؤ من حاكم قسنطينة ماسينيسا الأمازيغي الذي مد يده لغزاة الرومان، كما أن الإستعمار التركي أو العثماني ولج إلى الأراضي التونسية من الجزائر وكذا الإستعمار الفرنسي. لذلك إذا تمكن أشقاؤنا من تأمين حدودهم جنوبا وغربا ومع ليبيا فلن يصيبهم مكروه من الحدود التونسية التي كانت مستقرا لجيش تحريرهم من الإستعمار الفرنسي، فتونس حريصة باستمرار وبمختلف حكوماتها المتعاقبة وشعبها على علاقات متينة وجيدة مع الجار الجزائري ولن تعمل ما قد يضر بهذه العلاقات».
ذر رماد
أما عن الإتفاق في حد ذاته، والذي سيمنح تونس رتبة «شريك غير عضو» في حلف شمال الأطلسي، فيرى البرهومي أنه غير ذي جدوى ولن يضيف الكثير لتونس، فالحلف الأطلسي، برأيه، بإمكانه أن يساعد تونس عسكريا لمحاربة الظاهرة الإرهابية، إذا أراد ذلك دون الحاجة إلى أن تنال هذه الصفة. ويضيف محدثنا «ثم كيف يمكن لحلف يضم دولا فيها ديمقراطيات عريقة أن يمنح بصفة منفردة هذه الرتبة التي نالتها تونس دون العودة إلى مختلف شركائه والأخذ برأيهم؟ من يضمن أن دولا أخرى داخل الحلف لن تعارض الأمريكية؟».
إن منح تونس صفة الشريك غير العضو في الحلف الأطلسي لا يعدو أن يكون سوى ذر رماد في العيون من الجانب الأمريكي الهدف منه التغطية على الوعود التي نالها قائد السبسي نفسه حين كان رئيسا للحكومة في قمة الثماني من كبار العالم ولم تنفذ. وما يزيد الطين بلة أن الجانب الأمريكي قرر منح هذه «الرتبة» للتونسيين من طرف واحد. فما أدرى الأمريكان، أن الشعب التونسي الذي كان من المفروض استفتاؤه حول هذه المسألة سيقبل بأن يكون مقربا من الحلف الأطلسي خاصة وأن الأمر يتعلق بحيتان ضخمة قادرة على ابتلاع والتهام هذه السمكة التونسية الصغيرة متى شاءت.
تغيير القوانين
ويرى البرهومي أن مطالب الأمريكان للإستثمار في تونس تم التعبير عنها في أكثر من مناسبة ومن قبل أكثر من مسؤول رفيع المستوى على غرار الرئيس باراك أوباما نفسه، وهي أن تقوم تونس بتغيير قوانينها الحمائية الموروثة عن حقبة الستينيات الإشتراكية لتذهب أكثر باتجاه إقتصاد السوق. ويشترك الألمان، بحسب البرهومي، مع الأمريكان في هذه المطالب التي عبر عنها أيضا أكثر من مسؤول ألماني زار تونس التي تعاني أيضا من تقاليد بيروقراطية في إدارتها موروثة عن حقبة الإستعمار الفرنسي، وهي تعيق التقدم باتفاق جل الطيف السياسي في البلاد. ويضيف قائلا: «لكن المشكلة أن مطالب الجانبين الأمريكي والألماني، هي ذاتها مطالب صندوق النقد الدولي والذي ستؤدي الإستجابة إليها إلى أن تخسر الدولة التونسية دورها الإجتماعي مع الوقت. فالتونسيون اعتادوا على العيش مع المواد الإستهلاكية المدعومة كما اعتادوا على مجانية التعليم والصحة التي ورثوها عن دولة الإستقلال ويصعب تغيير جميع هذه الأمور بين عشية وضحاها».
أحزاب اجتماعية
كما أن السواد الأعظم للطبقة السياسية بيمينها ويسارها، لا يمكن أن يقبل بهذا التوجه الليبرالي المطلق الذي تنشده القوى الغربية وصندوق النقد الدولي. فجل الطيف السياسي التونسي، وتأثرا بدولة الإستقلال التي أرسى دعائمها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة يساند حفاظ الدولة على دورها الإجتماعي وكذا دورها التوجيهي للإقتصاد الوطني ويدفع باتجاه ذلك.
فحركة النهضة، على سبيل المثال، جل مسانديها هم من أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة التي لا يمكن أن تقبل بأي «إصلاحات» في هذا الإتجاه وحركة نداء تونس أعلنت صراحة أنها حزب اجتماعي، كما أن الحزبين الليبراليين، حركة آفاق تونس والإتحاد الوطني الحر، أعلنا أيضا صراحة وفي أكثر من مناسبة أنهما حزبان ليبراليان إجتماعيان، أما عن الجبهة الشعبية (تحالف أحزاب يسارية وقومية) فإن تمسكها بالدور الإجتماعي للدولة أمر مفروغ منه نظرا لتوجهات أحزابها الإيديولوجية.
الشريك المتميز
لذلك لا يبدو بالنسبة للبرهومي أن تونس ستستجيب لمطالب القوى الغربية وصندوق النقد الدولي على المدى القريب، لأنها دولة إجتماعية فيها نقابات عمالية قوية يفوق حجمها حجم الأحزاب السياسية. ولذلك أيضا، لا يمكن للقوى الغربية أن تلقي بثقلها للإستثمار في تونس. ولن تنال الخضراء، من هذه الجهات سوى الفتات، على غرار رتبة الشريك غير العضو في الحلف الأطلسي، أو الشريك المتميز للأوروبيين التي أراد إتحاد القارة العجوز أن يجود بها في وقت ما. وهي صفات لا تسمن ولا تغني من جوع وما على التونسيين، إلا أن يعتمدوا على أنفسهم لأن كوريا الجنوبية وسنغافورة لا تفوق تونس مساحة واليابان لا يفوقها ثروات طبيعية ورغم ذلك حققت هذه الأمم ما يعجز اللسان عن وصفه.