لندن ـ «القدس العربي»: وعيا منها بأنها مستهدفة من روسيا العدو التقليدي، ومدفوعة بالدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا والزيادة الملحوظة في التهديدات العالمية التي قد تتسبب في حرب كبيرة مفاجئة، انخرطت بريطانيا في عملية تسليح وتطوير صناعتها العسكرية بشكل ملحوظ ومثير. وتركز أساسا على القدرات النووية أو الردع النووي بما فيها غواصات ومقاتلات قادرة على حمل رؤوس نووية ليس فقط حماية لبلدها بل نفوذها الدولي.
مراجعة الدفاع الاستراتيجي
ومثل كل دول العالم ولاسيما الكبيرة والمتوسطة منها التي تراجع استراتيجيتها الحربية نتيجة حالة اللاستقرار التي يمر بها العالم، وضعت وزارة الدفاع البريطانية ما يسمى باستراتيجية «مراجعة الدفاع الاستراتيجي»، وهي عملية رئيسية تسعى إلى إعادة مراجعة وتقييم الدفاع الاستراتيجي الذي تحتاج إليه البلاد في حدودها الوطنية وللدفاع عن نفوذها الدولي لاسيما وأن الأمر يتعلق بدولة تحتضن عددا من الدول في إطار الكومنولث.
ويمكن اختزال هذه الاستراتيجية المكونة من 62 توصية في العناوين التالية في «إنتاج الذخيرة والسلاح الإستراتيجي» و«التكهن الدقيق باقتراب الخطر». وعلاقة بالنقطة الأولى، يعاني الغرب في الحرب الأوكرانية-الروسية من تراجع خطير في مخزون الذخيرة، إذ أن روسيا لوحدها تنتج تقريبا أربع مرات الذخيرة التي تنتجها أوروبا بالكامل. ولهذا تشن روسيا هجمات بدون انقطاع بينما تراجع المخزون الاستراتيجي الأوروبي، مما لا يسمح بمزيد من تزويد أوكرانيا بالذخيرة، علاقة بهذا، تتوفر أوكرانيا على أسلحة متطورة مثل ليوبارد، الدبابة الألمانية، ولكنها لا تتوفر على الذخيرة الكافية. بينما النقطة الثانية وهي ضرورة التكهن بوقوع الهجوم، إذ أن غالبية الدول الأوروبية بما فيها أجهزة الاستخبارات الفرنسية والألمانية استبعدت وقوع الهجوم الروسي على أوكرانيا، وهو خلل خطير للغاية. ويضاف إلى هذه الاستراتيجية عملية تعزيز وتطوير «القيادة السيبرانية الوطنية» لتعزيز الأمن الرقمي، لاسيما في ظل المعطى الجديد في الحروب وهو توظيف الذكاء الاصطناعي.
وتدرك بريطانيا أن الخطر المحدق بها هو روسيا في الوقت الراهن وليس الصين التي تبقى في أجندة الولايات المتحدة كخطر ومنافس على ريادة العالم. وتعتمد بريطانيا في توصيف الخطر الروسي على عوامل كثيرة ومنها بالأساس، العداء التاريخي بين لندن وموسكو الممتد من القرن الثامن عشر ومرورا بالتاسع عشر لاسيما في حرب القرم في منتصف القرن المذكور، حيث كانت أول حرب باردة في التاريخ الحديث هي التي تعود إلى القرن التاسع عشر بين البلدين عندما عرقلت لندن وصول الإمبراطورية الروسية إلى مياه البحر الأبيض المتوسط. ومنذ قيام الاتحاد السوفييتي ولاحقا عودة روسيا، تميزت العلاقات بين البلدين بالتوتر ومنها اعتقال الجواسيس وعمليات الاغتيال على أراضي البلدين، ثم قيام السفن الروسية والطائرات المقاتلة الاستراتيجية مثل تو 160 بشكل شبه دوري بالاقتراب من المياه الإقليمية البريطانية.
وتبقى تصريحات رئيس وزراء بريطانيا، كير ستارمر، المعبرة في هذا الشأن بتوجيه تحذيرات قوية بشأن التهديد الذي تشكله روسيا وضرورة استعداد البلاد للصراع المحتمل. وبعد تقديم استراتيجية «مراجعة الدفاع الاستراتيجي» أكد ستارمر أن المملكة المتحدة يجب أن تتحرك نحو «الاستعداد للقتال في الحرب» وأن تصبح «أمة جاهزة للمعركة ومجهزة بالدروع ولا يمكن أن تتجاهل التهديد الذي تشكله روسيا…ولا يمكن التنبؤ به أكثر من أي وقت مضى منذ الحرب الباردة».
تعزيز الردع النووي
ضمن هذه الاستراتيجية، تأمل المملكة المتحدة في شراء طائرات مقاتلة أمريكية الصنع من نوع إف 35 ذات مميزات قادرة على حمل أسلحة نووية، وذلك وفقًا لتقرير نشرته صحيفة «صنداي تايمز»، ونقلت الصحيفة البريطانية عن مسؤولين كبار مطلعين لم تكشف عن أسمائهم أن المملكة المتحدة تنوي شراء مقاتلات الشبح F-35A Lightning بالإضافة إلى البديل F-35B الذي تمتلكه بالفعل، ولكن يجري أيضاً تقييم خيارات أخرى. وذكرت الصحيفة أن الصفقة المحتملة كانت جزءًا من استراتيجية البلاد الأوسع نطاقًا للتعامل مع التهديدات التي تشكلها روسيا، وأن المحادثات «الحساسة للغاية» بين البنتاغون ووزارة الدفاع قادها الأدميرال أنتوني ديفيد راداكين، قائد القوات المسلحة البريطانية، ووزير الدولة لشؤون الدفاع، جون هيلي. ولا تمتلك بريطانيا المقاتلات الاستراتيجية القادرة على حمل السلاح النووي، وتكتفي حتى الآن فقط بالغواصات النووية.
وتطبيقا للردع النووي، ستقوم وزارة الدفاع البريطانية بتصنيع 12 غواصة نووية هجومية جديدة حاملة للرؤوس الحربية النووية، وسيكلف المشروع ما يناهز 15 مليار جنيه إسترليني. وعمليا، هذا البرنامج هو جزء من الاستثمار في البرنامج العسكري الثلاثي رفقة أستراليا والولايات المتحدة والمعروف باسم AUKUS وتهدف بريطانيا ليس فقط لضمان أمنها الوطني بل بمشاركة الولايات المتحدة في ضمان أمن عدد من مناطق العالم ومنها في المحيط الهادي-الهندي. وحول الموضوع، صرح وزير الدفاع البريطاني جون هيلي: «تقوم غواصاتنا المتميزة بدوريات على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع للحفاظ على سلامتنا وسلامة حلفائنا، لكننا نعلم أن التهديدات تتزايد ويجب أن نتصرف بحزم لمواجهة العدوان الروسي». وأضاف: «من خلال الغواصات الجديدة المتطورة التي تقوم بدوريات في المياه الدولية وبرنامجنا الخاص بالرؤوس النووية قبالة الشواطئ البريطانية، فإننا نجعل بريطانيا آمنة في الداخل وقوية في الخارج، مع تنفيذ خطتنا للتغيير مع توفير 30 ألف وظيفة ذات مهارات عالية في جميع أنحاء البلاد».
وتصف المنابر الإعلامية المتخصصة في القضايا العسكرية ومنها الفرنسي «ميتا ديفانس» أن المخطط البريطاني «مراجعة الدفاع الاستراتيجي» بالثوري، لأن توفر دولة مثل بريطانيا على 12 غواصة نووية يعتبر منعطفا حقيقيا في الدفاع البريطاني والأوروبي والعالمي. وتركز على القوات البحرية والجوية بسبب طبيعتها الجغرافية لأن غزو أي قوة أخرى للجزر البريطانية عملية صعبة ولكن تدمير البنيات التحتية عمل سهل نسبيا، ولهذا تراهن لندن على القدرات البحرية والجوية بما فيها الشق النووي مثل المقاتلات الحاملة لرؤوس نووية.