لندن ـ «القدس العربي»: خلص علماء مختصون في مجال الجيولوجيا إلى أن الأرض اهتزت لمدة تسعة أيام متواصلة، في ظاهرة غريبة وغير مسبوقة، وذلك في أعقاب تسونامي كبير ضرب منطقة «غرينلاند» في شمال الكرة الأرضية.
وحسب التقرير الذي نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي»، ففي أيلول/سبتمبر 2023 احتار العلماء حول العالم من إشارة زلزالية غريبة تكررت كل 90 ثانية لمدة تسعة أيام.
والآن، وبعد مرور ما يقرب من عامين، أكد العلماء السبب الجذري لهذه الظاهرة الغريبة، حيث تأكدوا من ارتباطها بتسونامي هائل بلغ ارتفاعه 650 قدماً (200 متر).
وتوصل العلماء إلى هذه النتيجة باستخدام تقنية أقمار اصطناعية حديثة، حيث أثبت الخبراء من جامعة أكسفورد بأن الظاهرة الغريبة التي تم رصدها كانت ناجمة عن التسونامي الهائل المشار اليه.
ونتجت هذه الموجة الهائلة عن انهيار جبل يبلغ ارتفاعه 3937 قدماً (1200 متر) في مضيق ديكسون النائي في غرينلاند، ما أدى إلى انطلاق 25 مليون متر مكعب من الصخور والجليد.
وانحصرت الموجة الضخمة في المضيق، وترتد ذهاباً وإياباً على شكل موجة ثابتة أو «سيشي».
وصرح الباحث الرئيسي توماس موناهان، الحاصل على زمالة الذكاء الاصطناعي في العلوم بجامعة أكسفورد: «كانت الموجة المستقرة هائلة. نقدر ارتفاعها في البداية بـ7.9 أمتار، أي جدار مائي هائل يرتد ذهاباً وإياباً».
وأضاف: «تُقدر القوة المؤثرة على طول المضيق البحري بـ500 غيغا نيوتن، وهو ما يعادل مقدار القوة التي تنتجها 14 مركبة فضائية من طراز ساتورن 5 تُطلق دفعة واحدة، وكانت كافية لهز الأرض لأيام».
ومن أسباب غموض حدث الزلزال عام 2023 عدم رصد أحدٍ لتسونامي مباشرةً لإثبات أنه مصدر الاهتزازات. حتى إن سفينة عسكرية دنماركية زارت المضيق البحري في الأيام التي تلت التسونامي ولم تتمكن من رؤية أي دليل على وجود موجة تسونامي.
ويقول العلماء إن هذا يرجع ذلك إلى انخفاض ارتفاع الموجة بسرعة مع استمرارها في إصدار إشارات زلزالية.
وبدأ ارتفاع الموجة الراكدة عند عبورها مضيق ديكسون الممتد لمسافة 10 كيلومترات (23 قدماً)، ثم أصبح ارتفاعها سنتيمترات قليلة بعد بضعة أيام.
وإلى جانب جهل الجيش بما يبحث عنه، لم تُرصد الموجة إطلاقاً.
وفي بحث جديد استخدم موناهان وزملاؤه تقنية أقمار صناعية حديثة لإجراء أول رصد للتسونامي الضخم. واستخدم العلماء بيانات قياس الارتفاع عبر الأقمار الصناعية، والتي تحسب ارتفاع سطح الأرض بقياس المدة التي تستغرقها إشارات الرادار للارتداد عن السطح.
ونظراً للفجوات الطويلة بين عمليات الرصد، فإن قياس الارتفاع عبر الأقمار الصناعية العادي لا يستطيع القياس بدقة كافية لالتقاط شيء مثل الموجة.
ومع ذلك، استخدم الباحثون البيانات التي التقطها القمر الصناعي الجديد لتضاريس سطح المياه والمحيطات «SWOT» الذي أُطلق عام 2022.
ويُستخدم (SWOT» هوائيين مثبتين على جانبي ذراع بطول 10 أمتار (33 قدماً)، ويعملان معاً لإجراء قياسات دقيقة للغاية.
وتغطي هذه المجموعة من البيانات أكثر من 90% من سطح الأرض، مما يتيح للعلماء رؤية غير مسبوقة للممرات المائية في العالم.
ويقول موناهان: «على عكس الأقمار الصناعية السابقة، يوفر (SWOT) قياسات ثنائية الأبعاد مفصلة لارتفاع سطح البحر، تصل إلى السنتيمتر، في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك المناطق التي يصعب الوصول إليها مثل المضايق والأنهار ومصبات الأنهار».
ويضيف: «لأن تحليل (SWOT) قادر على رؤية المناطق النائية من الفضاء، فقد منحنا رؤية غير مسبوقة لمضيق ديكسون خلال أحداث السيش في أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر. ومن خلال التقاط صور عالية الدقة لارتفاع سطح البحر في أوقات مختلفة، تمكنا من تقدير كيفية ميلان سطح الماء أثناء الموجة، أي انحدار السيش».
ثم دمج الباحثون هذه الملاحظات مع البيانات الزلزالية المأخوذة من آلاف الأميال لإعادة بناء حجم وخصائص الأمواج.
وبالإضافة إلى ذلك، أعاد الباحثون بناء أحوال الطقس والمد والجزر المحلية للتأكد من أن الموجة لا يمكن أن تكون ناجمة عن أي شيء آخر غير انهيار أرضي هائل.
ويقول البروفيسور توماس أدكوك، المؤلف المشارك من جامعة أكسفورد: «هذه الدراسة مثال على كيفية تمكن الجيل القادم من بيانات الأقمار الصناعية من حل ظواهر ظلت لغزاً في الماضي».
وأضاف: «سنتمكن من الحصول على رؤى جديدة حول الظواهر المحيطية المتطرفة مثل تسونامي، والعواصف العاتية، والأمواج العاتية. وستزداد أهمية هذه القدرات في المستقبل مع تسبب تغير المناخ في المزيد من الكوارث غير المتوقعة، مثل تسونامي عام 2023».
ومع ارتفاع درجة حرارة المناخ، ستصبح انهيارات الأنهار الجليدية أكثر شيوعاً، مما يعرض المزيد من الأرواح للخطر.
وخلص بحث أجرته كلية لندن الجامعية عام 2024 إلى أن الانهيار حدث بسبب ارتفاع درجة حرارة المناخ الذي أضعف النهر الجليدي المحيط به.
ويُعد مضيق ديكسون طريقاً شائعاً لسفن الرحلات السياحية، ولو كانت سفينة في المضيق في ذلك الوقت، لكان التأثير مدمراً.
وفي الأسبوع الماضي، دمرت مياه الفيضانات الناجمة عن الانهيار الجزئي لنهر بيرش الجليدي في سويسرا 90 في المئة من قرية «بلاتن» المجاورة، وسط مخاوف من أن المزيد من القرى لا تزال معرضة للخطر.
ويقول موناهان: «يؤدي تغير المناخ إلى ظهور ظواهر متطرفة جديدة وغير مرئية. تتغير هذه الظواهر المتطرفة بأسرع ما يمكن في المناطق النائية، مثل القطب الشمالي، حيث تكون قدرتنا على قياسها باستخدام أجهزة استشعار فيزيائية محدودة».