اربيل ـ «القدس العربي»:مع ان فكرة إقامة الأقاليم في العراق تعود إلى بداية الغزو الأمريكي سنة 2003 وتجددت أكثر من مرة خلال هذه الفترة، إلا ان الأيام الحالية تكاد تشهد أكبر أتفاق سني على ضرورتها وأهميتها لهم في ظل التهميش والإقصاء الذي يتعرضون له من حكومة المركز والذي وصل إلى منعهم من دخول العاصمة بغداد وطردهم وتصفيتهم جسدياً في مناطق أخرى قبل هروب أكثرهم إلى الإقليم الكردي في الشمال.
يدخل اللاجئون الأنباريون في مخيم «بحركة» للنازحين في أربيل يومياً في النقاش ذاته الذي يؤكد أكبرهم سناً ويدعى خلف كريم العسافي بأنه ينصب على لوم السياسيين السنة الذين يتهمونهم بالإنخراط في مشروع التحالف الشيعي الحاكم والذي يرفض أعطاء أي حقوق للمكون السني ويستمر في مطاردتهم تحت عناوين مكافحة الإرهاب.
ويؤكد العسافي الذي كان حاضراً في ساحة الاعتصام السنية قبل عامين في الأنبار انه عمد شخصياً إلى رفع علم كردستان في تلك المظاهرات تعبيراً عن أعجابه وتأييده للساسة الأكراد الذين استطاعوا تأمين حياة شعبهم وحافظوا على أمنه حتى أصبحوا قوة يهابها التحالف الشيعي ويحسب لها ألف حساب، على العكس من السنة الذين بات يعيش سوادهم الأكبر في مخيمات النزوح.
ويبين العسافي لـ«القدس العربي» أن مشكلة بغداد مع عموم السنة ومنهم سكان الأنبار هي طائفية بحتة، وليست سياسية أو أمنية، لافتاً إلى ان أبناء عمومته الذين قاتلوا في صفوف قوات الصحوة وحاربوا بشراسة ضد تنظيم القاعدة عام 2007 انتهى بهم المطاف سجناء في معتقل الناصرية «جنوب العراق» فيما ينتظر أحدهم تنفيذ حكم الإعدام به بعد إدانته بتهمة «الإرهاب».
ويلتقط طرف الحديث زميل العسافي في المخيم وهو أستاذ في جامعة الأنبار يدعى مرضي الحديثي ويسكن حالياً مع زوجته وطفليه في خيمة لا تتعدى مساحتها العشرة أمتار. ويشخص غياب العدالة الاجتماعية بأنها المحرك الأساسي لكل المصائب العراقية وهي التي جعلت الحكومة تسترضي الشيعة وتمنحهم امتيازات مالية حين طالبوا بأقليم في البصرة ولكنها في الوقت ذاته أحرقت خيم المعتصمين في الأنبار وكركوك وصلاح الدين وقتلت منهم عدداً غير قليل حين طالبوا بحق دستوري وهو إدارة محافظاتهم بأنفسهم.
ويرى الحديثي ان محافظة ديالى يمكن أعتبارها المثال الأوضح على التطهير الطائفي الحكومي ضد السنة الذين تحولوا إلى أقلية مشتتة بعد أن كانوا الأغلبية، مبيناً ان هذا الأمر سيتم تكراره في صلاح الدين والأنبار ونينوى إذا لم يتم تداركه باستخدام الحق الدستوري الذي يخول السكان تشكيل أقليم يدار من قبلهم ولا يتعارض أبداً مع مفهوم الوطن الواحد.
ويشير الحديثي: ان السياسيين السنة المنخرطين في المشروع الشيعي ساهموا بشكل كبير في إحباط تشكيل الإقليم السني في الماضي ورددوا شعارات (المحافظة على الوطن وعدم تقسيمه) التي تملى عليهم. متهماً اياهم بالعجز عن تقديم رغيف خبز أو زجاجة دواء أو حتى كلمة مواساة لنازح سني يجاهد مع أطفاله لتثبيت خيمته ومنع العواصف الترابية من إقتلاعها.
من جهته يوضح البرلماني الكردي فرست صوفي ان تطبيق النظام الفيدرالي في الحالة العراقية سيكون كفيلاً بحلحلة المشاكل الكبيرة التي يعاني منها البلد، وفي مقدمتها عدم التوزيع العادل للسلطات والصلاحيات فضلاً عن الخلل الحاصل في تقسيم الثروات.
ويجدد النائب عن «الحزب الديمقراطي الكردستاني» لــ «القدس العربي» تأييدهم لتطبيق الفيدراليات الثلاث في العراق كحل لأزمة عدم الإندماج الوطني وتفاقم المشكلات الاقتصادية والتدخلات الخارجية في الشأن العراقي، مشيراً إلى أنهم «الأكراد» سيباركون التوجه نحو إقامة الإقليم السني أقليم المنطقة الغربية والذي سيشكل مخرجاً للكثير من المشاكل التي تعاني منها تلك المناطق.
وفي السياق يرى المحلل السياسي الكردي نوزاد صباح ان استضافة اقليم كردستان لأكثر من مليون ونصف المليون نازح وأغلبهم من السنة جعلهم مؤيدين وطامحين للحصول على حالة مماثلة في مناطقهم بعد ان شاهدوا بأنفسهم حالة الاستقرار والأمان الكبيرة التي تسود الإقليم الكردي.
ويضيف: ان المناطق السنية تحتوي على ثروات اقتصادية كبيرة وتفوق المتوفر في كردستان وخصوصاً في محافظة الأنبار التي تشير التقارير الأمريكية إلى أحتوائها على مخزونات كبيرة من النفط والغاز، مبيناً ان هذه الامكانيات ستجعل محاكاة النموذج الكردي أمراً ممكناً وسهلاً في المناطق السنية.
ويلفت المحلل الكردي إلى ان موضوع تشكيل الإقليم في النهاية ليس هبة من الحكومة لتلك المناطق، بل هو حق نص عليه الدستور العراقي في المادة 115 التي اشترطت الحصول على موافقة عشر الناخبين في المحافظة الراغبة في التحول إلى أقليم، بينما كفلت المادتين 116 و 117 وضع دستور للأقليم ومنحته صلاحية ممارسة سلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ويخلص صباح إلى ان حل الجزء الأكبر من المشكلة السنية في العراق يستوجب رفض وإدانة مجموعة السياسيين المزايدين الذين ثقفوا ونادوا برفض فكرة الإقليم السني ولم يقدموا في الوقت ذاته أي حل للملايين من السنة الذين تحولوا إلى لاجئين في دول الجوار أو نازحين داخل اقليم كردستان بينما يقبع جزء غير قليل منهم في السجون ويحاكمون بتهم وقوانين فصلت لهم خصيصاً.
امير العبيدي