الدوحة ـ «القدس العربي»: في ظل النهضة العمرانية الشاملة والواسعة التي تشهدها الدوحة وبالرغم من البنايات الفخمة والأبراج العالية التي تنمو في كل مكان، لا تزال المعالم الأثرية القطرية محافظة على وجودها تقاوم ببسالة رياح التغيير وتسترجع وهجها ومكانتها من إرثها التليد. وفي المدينة القديمة تنتصب بشموخ قلعة الكوت وهي مبتهجة برياح البحر التي تعانق رذاذ أمواجها مع إشراقة الشمس لتزيدها تألقا. يعد هذا المعلم أحد القلاع العسكرية القليلة المتبقية في مدينة الدوحة، وهي تحاول جاهدة الاحتفاظ بملامح الحياة في تلك الفترة لتكون ذاكرة الأمة ورسالتها الخالدة إلى الأجيال المقبلة تروي لها قصصا وحكايا عدة. يرجع استخدام القلعة إلى عام 1906م، في عهد الحاكم آنذاك الشيخ عبد الله بن جاسم آل ثاني. وحسب الروايات التي يتم تناقلها شفاهة فقد بنيت في عام 1880م. على امتداد شارع جاسم بن محمد وعلى غرب سوق واقف المعلم الأثري الأشهر في قطر، تتواجد القلعة غير بعيد عن الديوان الأميري وكانت في وقت مضى حامية لخاصرته الجنوبية. وعلى جنب مشروع مشيرب الذي يعتبر قناة انتقال العاصمة الدوحة إلى المستقبل بطابعه العمراني الفريد يفرض المعلم نفسه بهمة تذكارا للماضي غير البعيد ومؤكدا على وجوده نصبا لحقبة ولت.
وسط معالم الدوحة الحديثة
الموقع الفريد والمميز لـ»الكوت» بين هذه التوليفة الفريدة، مشاريع هي حاضر قطر، وأخرى تؤرخ لمستقبلها المقبل بطابعها الهندسي الفريد، كانت استراتيجية للمشرفين على تخطيط المنطقة ورسم معالمها بالاحتفاظ بالتاريخ لتكون محطة فاصلة بينهما. سيرا على الأقدام يمكن الوصول إلى القلعة التي تسمى أيضا الدوحة من عدة نواحي من وسط البلدة العريقة وعبر شوارع تؤدي إليها، ويعتبر موقعها استراتيجيا لكونه يطل على عدة مواقع حيوية وتستقطب سواحا من جنسيات العالم.
رافقنا علي الملا ابن منطقة الجسرة والذي قضى سنوات من عمره بين جنبات شوارع سوق واقف حيث كان بيته إلى هذه القلعة للحديث عن تاريخها وعن أهميتها وحضورها في وجدان الناس. ويؤكد الكهل الذي يعشق مختلف الآثار المحيطة بالمكان والتي قضى في جنباتها طفولته إلى أنه لا يزال يتذكر حتى الآن وقائع مرت عليه في هذه القلعة وأخرى رواها له والده نقلا عن معمرين يتناقلونها باستمرار. وأكد لنا خلال الجولة إلى أن القلاع القديمة وبقاياها تنتشر في جميع أنحاء ومناطق الدولة قطر، ويعتقد أن الزبارة أخذت نصيب الأسد من الشهرة لهذا يسعى جاهدا إلى الحديث عن الكوت التي يعتبرها مزارا لابد لأي سائح لقطر أن يمر منه ولا يغادر البلد قبل أن يجول فيه ويتعرف على تفاصيله وعلى تاريخه. حيث يتمختر المكان بتراثه المعماري الذي يعكس جانبًا من تاريخه الحضاري. وتعتبر القلعة حصنا بني لأغراض دفاعية، لهذا روعي في توزيع القلاع القطرية أن تغطي كافة مناطق القُطر وتذود عنه في وجه الأعداء على طول ساحل شبه الجزيرة القَطرية. من جانبه كشف فيصل النعيمي رئيس قسم الآثار في الهيئة العامة للمتاحف الذي تحدثت معه «القدس العربي» حول المعلم أن القلعة يشرف على ترميمها وإعادة إحياء معالمها الرئيسة المكتب الهندسي الخاص لتضاف إلى قائمة المشاريع المحورية التي يضطلع بمهمة تجديدها وما يرافقها من خطوات لبعثها من جديدة وتنسيق برامج خاصة لها. ويؤكد الرجل المهتم بالمعالم الأثرية في بلاده وجمع تاريخها أن هذا المعلم حافظ على وجوده بالرغم من كل المؤثرات الخارجية.
بين الشرق والغرب
أول ما يلاحظه الزائر للقلعة هو شكلها المربع بدعامته الواسعة ويصل طول كل ضلع من أضلاعها إلى 35م، ويبلغ ارتفاع أسوارها إلى 5م، وزودت أركان القلعة بأربعة أبراج كبيرة، ويتخلل أسوارها فتحات مزاغل (صغيرة)؛ لكي يتمكن حراسها من توجيه نيرانهم إلى المهاجمين، من دون تعرضهم لأي إصابة وهو ما يزيد من منعتها في وجه المعتدين. وتتميز القلعة بالمواد الطبيعية التي استخدمت في بنائها التي تتوائم والطبيعة الصعبة والطقس الحار صيفا والبارد شتاء. وأول ما استوقفني وأنا أجول فيها ظهرا وفي حر الظهيرة في الخارج تلك النسمة المنعشة التي داعبتني وأنا في ساحتها وكانت ملاحظة فارقة لكل من يتجول فيها. ويرجع الأخصائيون السبب إلى اعتماد هندسة صديقة للبيئة تستلهم منها عناصر التوافق من دون حاجة لأي مبردات والتي لم يكن لها وجود قديما. وهو ما يفسر بحسب دليلي قدرة الإنسان يومها على التعايش مع محيطه على عكس أيامنا الحالية التي يصعب على أي شخص أن يظل في محل من دون تكييف في فصول الصيف الممتدة على مدار معظم أشهر السنة. ويؤكد الملا أن هذه العلامة تجسد غنى تقنيات البناء القديمة لدى القطريين وتعكس براعة أجداده في استلهام عناصر طبيعية لمواجهة الظروف الجوية القاسية.
معسكر للجيش التركي
يقول خليفة السيد محمد صالح المالكي وهو كاتب وباحث في الموروث الشعبي القطري في حديث له يستعرض فيه معلومات عن المعلم، أن قلعة الدوحة التي تقع غربي سوق واقف كان اسمها قديما قلعة الكوت. وكانت في الماضي البعيد مقر معسكر الأتراك الذين اتخذوها حامية لهم ولجنودهم وذلك لموقعها الاستراتيجي. وهي تقع على مرتفع يطل على كل شواطئ الدوحة و(فرجانها)، أي أحيائها. ويروي الباحث الذي جمع مادة ثرية عن المعلم أن بعض الجنود الأتراك عاثوا فسادا في المكان وكان الأمر محل استهجان القطريين وتذمرهم من هذا الوضع. ونتيجة لهذا السلوك وفي فترة من الفترات حمل سيل مشيرب والمقبل من الغرب بقوة على المنطقة وأغرقها بعد أن التقى مع ماء البحر الآتي من الشمال الذي يمر في الخريس. انقسمت الدوحة إلى قسمين قسم شمالي، ويضم السوق الداخلي والجسرة والقلعة وفريج محمد بن جاسم حتى الغرب، وقسم في الجنوب، ويضم سوق واقف القديم والبراحة والنجادا حتى عين امحيرجة في الغرب. تدفق المياه من كل جانب مع الوحل المتراكم كما يروي الباحث، منع الجنود من التحرك ومن مغادرة القلعة. الوضعية الصعبة اضطرت بأحدهم أراد العبور إلى فريج النجادا فلم يستطع، فشاهد رجلاً من أهل المنطقة أراد أن يستعبده وائتمر عليه بمطالبته بحمله على ظهره ليعبر به الوادي وإلا اتهمه بالعصيان وسجنه في القلعة. قام القطري الذي يتمتع بحكمة وحنكة بتنفيذ الأمر حتى نزل الماء وحينما وصل به إلى منتصف الوادي ألقى بالجندي وأسقطه وسط الوحل، ليتعرض لإصابة كانت له درسا في عدم استثارة الأهالي وتجاوزهم أو التعدي عليهم.
من قلعة إلى سجن
بعد أن غادرت الحامية التركية قطر تحولت هذه القلعة إلى سجن عام 1970، واشتهر بـ»الدنكله» وهي عبارة عن خشبة طويلة تتوسط ساحة القلعة يكبل فيها المساجين بالسلاسل من أرجلهم. وتتميز القلعة بساحتها الواسعة المظللة والمسقوفة والتي كانت مناسبة لاستقبال السجناء وتوفير أجواء رحيمة لقضاء محكوميتهم حيث كانت الساحة متنفسا لهم لقضاء أوقات الراحة خارج الزنازين. وتم اختيار المكان لاستقبال الموقوفين لقربه من مختلف الإدارات في الدولة في تلك الحقبة التاريخية في قطر. تمر سنوات ومع التوسع العمراني نقل السجن إلى طريق سلوى وعهد بالقلعة إلى وزارة الإعلام التي أشرفت على عملية ترميم سريعة لها وألحقتها بإدارة التراث وتم خلال الفترة تحويل باب القلعة من الشرق إلى الغرب. مع مرور الوقت ومع تحول الكوت من حصن عسكري ثم سجن إلى مركز فني، أصبحت مع الزمن ملتقى لكبار السن وأهل قطر يجتمعون فيها وحولها في لقاءات ذات طابع اجتماعي وفي أجواء من الود وأصبحت متسعا للجميع. استغل أهل البحر والغواصون والصيادون قرب القلعة بعد تحول طبيعتها من الشاطئ فبدأوا يتوافدون عليها بكثرة ويلتقون بذوي الخبرة يسترجعون ذكرياتهم ويتبادلون العلوم والأخبار حول مناحي الحياة المختلفة.
من مركز توقيف
إلى مجلس اجتماعي
مع تنامي الدور الثقافي للقلعة وازدهارها في تلك الفترة بدأت بعض الفرق المسرحية تقدم عروض في بهو ساحتها خصوصا المسرحيات التراثية التي كانت مرغوبة ومحببة لنفوس الناس. وساهم الموقع الجميل للقلعة ومنظر المكان الخلاب المطل على الخليج وخلوه من العمران إلا ما ندر وحول سوق واقف التراثي في تحولها إلى منارة إشعاع ثقافي ثرية. وقام التلفزيون المحلي بتصوير عديد الأغاني التراثية في مناسبات وطنية لإبراز الطابع التراثي الفريد للمنطقة.
متحف لتاريخ قطر
مع الحيوية التي شهدتها القلعة وبروز دورها الثقافي الرائد ولقربها من وسط المدينة القديم ومن الجمهور، تحولت إلى معرض ضخم للوحات الفنية واستقطبت فنانين تشكيليين مرموقين وضمت في ثناياها متحفا لأبرز اللوحات الفنية التي رسمها كبار الرسامين القطريين لتصبح قلعة الدوحة متحفاً لعرض تاريخ قطر. كما ضم المتحف إلى جانب اللوحات الفنية، أدوات قديمة تشمل معروضات خاصة بالبدو وحرفهم التاريخية والجبس والزخارف الخشبية ومعدات الصيد والقوارب والصور القديمة وأعمالا فنية أخرى بما فيها لوحات زيتية.
الحيوية التي شهدتها القلعة والتألق الذي نالته خفت اشعاعه مع مرور الوقت في ظل إعادة تنظيم المنطقة المحيطة بها وتجديد المدينة واعتماد مشاريع جديدة أثرت سرعة إنجازها على وضع «الكوت» التي تراجع تأثيرها وتعرضت لتهميش ظرفي وعزوف من قبل الفنانين في ظل افتتاح مشاريع جديدة خصوصا بعد تجديد سوق واقف وظهوره بحلة مكنته من استقطاب كل الاهتمام مما يجاوره من معالم.
إعادة ترميم المعلم
يقود المكتب الهندسي الخاص جهودا مكثفة لإعادة ترميم قلعة الكوت ليعيد لها وهجها وألقها. ويحرص فريق العمل على ترميم تلك الحصن وحمايتها من تأثير العوامل الطبيعية محافظين بذلك على ماضيها لتستفيد منها أجيال المستقبل.
ويسعى المشرفون على إبراز قلعة الكوت في أحسن صورة بل وأفضل من سابق عهدها لتكون المزار المفضل لأهل البحر وفناني قطر يسترجعون ذكرياتهم وحكاياتهم المتعددة والمتشعبة.
qwmd
سليمان حاج إبراهيم