هنالك غزل من الممكن أن يُطلق عليه تسمية «الغزل الوجودي»، وهو أكثرُ عُمقا والتصاقا بأسرار الوجود، وأكثر غورا في الآبار الإنسانية. ليست لذّته مؤقتة، وقراءاته لا تنتهي أبدا؛ لذته مثل وشمٍ مضيء في لحم الوجود… بينه وبين الغزل الجسدي والسطحي مسافةٌ شاسعة، وهذا يتجلّى في قصائد السياب مثلا.
وعموما، الغزل لدى الشعراء العراقيين الكبار، إبداعا، هو غزلٌ مسكونٌ بالفقد، ومحاولةُ العثور على الذات، ومحاولةُ إمساك شيءٍ ثمين خلال رحلة اللاجدوى، أو ربما الجدوى، ووهج قمر الأمل يرافق هذه الرحلة ـ وهو شاحب ـ وهو في هذه الطقوس كأنه مختفٍ. ديوانه «الذي يأتي ولا يأتي»، عنوانه ضبابي: ترى الشيءَ ولا تراه، العنوان يخلق حالة من الإبداع لدى القارئ، بحيث لا يكون مستهلكا فقط. هذه المجموعة هي سيرةٌ شعرية باطنية وجودية لعمر الخيام. المقطع الأول صورةٌ على الغلاف، ربما إشارةٌ إلى أن الخيام كان مستشارا للسلطان، ربما سلطانٌ وجودي كوني، أو هي توطئة لثورة العزَل الجياع. بعده يأتي مقطع الطفولة وجحيم نيسابور التي وُلد فيها الخيام، وخساراته: ضياع الخيط، ضياع العصفور. لا يملك خُبزا، لكنه في المقابل يملك زنبقا، وهذا نوعٌ من الغِنى. لا يملك دواء، لكنه يملك تاجا ـ وهو ليس كتاج الملوك الفاسدين. يخلق المدينة الفاضلة في طفولته الشقية، في قصيدته القصيرة، ويرى الفتاة في هذه المدينة الفاضلة ليست مُعذّبة، أو شبه ميتة، لا تُشرق بالموت كمن يُشرق بدمعة مالحة:
عائشة ماتت، ولكني أراها تذرع الظلام
تنتظر الفارس يأتي من بلاد الشام
ــ أيتها الذبابة العمياء
لا تحجبي الضياء
عنّي، وعن عائشة
تظل المدينة الفاضلة فجرا داخل خياله، أمّا في الخارج، فإن هذه المدينة ليست سوى هيكل تحوم حوله الغربان. كانت الصدمة قوية، فعائشة ليست مدلّلة. تضع أصابعها الجريحة في فمها وتقسم أنها لا تملك حلوى، لكنهم لا يصدّقون قولها، ويضيفون إلى الجرح ضحكة ساخرة. على الخيام أن يتعامل بإيجابية مع هذا الموت، وإن بدا كبيرا؛ لكن من الممكن الإبحار داخله، الوصول إلى قبوه السري، ربّما يعثر على السمكة الذهبية والنبض الشبيه بنبض الرسغ الهادئ، المعبّأ بوفرة الحياة. لقد وصل إلى مرحلة أخرى:
أبحث عن عائشة في ذلك السرداب
أتبع موتها وراء الليل والأبواب
ـ من هنا أنزلها الحفّار
للقبر وهي في ثياب العرس، فوق رأسها تاج من الأزهار
يكبر البحث في التأملات والرباعيات. ومثلما أقام الشاعر مدينة فاضلة في خياله، الآن يقيم مدينة الغزل. ليس ثمة أحمر شفاه، بل دم يتساقط قطرة قطرة. ليس ثمة حنّاء في الكفّ؛ الكفّ تحترق، وشجرة الحنّاء تحترق. عليه أن يدرك هذه الحقيقة: ثمّة حريق، لكن تَمَّ التأكد: لا وجود للموت العزرائيلي/المغلق.
عائشة عادت مع الشتاء إلى البستان
صفصافة عارية الأوراق
تبكي على الفرات
عائشة تشق بطن الحوت
ترفع في الموج يديها
تفتح التابوت
تنهض من الموت عائدة إلى البيت
عائشة عادت، ولكني وُضعتُ، وأنا أموت
في ذلك التابوت
حكاية الموت الكبير لا تنتهي، يظل الغزل يسبر أغوارها. هذه المرّة، من يكتب الغزل هو من يصاب بمرض الموت. وربما على عائشة، العائدة إلى البيت، أن تضمد شاعرها بقميصها الممزق الأحمر، على الرغم من أن قماشه أصلا لونه أبيض. لا تنتهي حالة المواساة: جسد يعانق جسدا، والعناق يرسم إيروتيكية وجودية. هنا، يكون نهر الفرات مسرحا، وتصير الأجساد جسدا واحدا، عنصرا وليس مركبا: جسد الخيّام مع جسد عائشة، مع جسد لوركا الذي أعدمه الفاشست، مع شهيد كربلاء؛ جسد واحد يحترق أمام الجمهور، لا يحترق مثل القش، وإن بدا كذلك، لكنه النار نفسها التي تطبخ الوجود النيئ، ومحاولة الإمساك بنضوج الذات. عائشة الزمكانية، يتعرّف عليها البياتي ويستجلي موتها في غربته الباريسية:
عائشة تُبعث تحت سعف النخيل
فراشة صغيرة
تطير في الظهيرة
أوفيليا اليتيمة
تُبعث تحت سعف النخيل
يحضر حفلة البعث ويشاهد خريطة الألم في وجه عائشة، والتي هي نفسها أوفيليا اليتيمة. لا فرق بين الاثنتين؛ امرأة واحدة يراها في غربته. ثمّة شاشة شعرية تحت الغيم تمنحه مشاهد من نخل أهله: السعف يهتز، يرقص، وهذا الرقص مقطّع إلى أجزاء صغيرة. يتواصل في كتابة قصيدته الغزلية. الرثاء وحده موجّه للموت الثابت، بينما الغزل الممزوج بالرثاء موجّه للموت الراقص. يكتب رسائله إلى الإمام الشافعي، ويتقمّص صوته المرتعش:
ناديتها:
عائشة
عائشة… لكن لم تسمع النداء
ولم ترَ العاشق في جحيمه
يزحف نحو النار
منتظرا في آخر الأبواب
ما سرّ عائشة؟ هي ليست خائنة، ومهما بَحَثْتَ لن تمسك شيئا. لكن لا وجود لدليل واقعي على السراب. يحاول البياتي أن يُمسك سرّها من سرّتها، ويواصل التفتيش، مستعينا بالذين سبقوه. وربما، مثلهم، يُصاب بالجنون، وهو نفسه الموت.
الجنون ليس أعمى، والموت ليس مغلقا.
وعندما ناديتها، هوت على الأرض رمادا، وأنا هويت
فنثرتنا الريح
وكتبتنا جنبا إلى جنب على لافتة الضريح
نبحث في المعنى عن المعنى
وفي سفر الخروج، لم نجد بوابة البستان
يبتلع كل أطياف عشّاق هذه المختفية، تلوّح بأصابعها وراء الدخان. تلوّح، ويلوح لها الشاعر، وتلوّيحاتهم ـ المتوقفة أحيانا/ المتواصلة ـ ترسم أجنحة. هكذا، أيّها العالم، تكون الأجنحة التي ترفرف في أفق نهر الفرات، بحر قزوين، حلب، وعشتار. ليس للشاعر مكان واحد. في كل مكان يكون غريبا، مطاردا. ولكل مكان نكهته، وروح عائشة ترافق المسافر كطائر.
كنتُ وحيدا ـ كان البوليس ورائي ـ والليل الملكي
ولارا تسبح في البحر الأسود في سوجي
لارا تنشر في الريح ضفائرها
تمضي عائدة إلى الفندق بعد عناق البحر
وأنا حطّمت حياتي
في كل منافي العالم
بحثا عن لارا وخزامى
وعبدت النار
مع يوميات البحر، يوميات الموت، يتعب الشاعر من البحث اليومي. يستريح قليلا، وتلوّح له الأطياف: هذه عائشة؟ (لا/نعم)، هذه لارا؟ (لا/نعم)، هذه خزامى؟ ولخزامى دور صغير، لكنه عميق في هذه المسرحية. نساء الغزل الوجودي أرواح تمتزج مع بعضها، وتولد روحا جديدة، يرافقها البحث في مجاهيل الذات، وفي القصائد، وفي عمق اللوحات التي تتسع عبر الزمن.
تستيقظ لارا في ذاكرتي: قطا تتريا
في لوحات اللوفر والأيقونات
تدعوني، فأقرب وجهي منها، محموما أبكي
لكن يدا تمتد، فتمسح كل اللوحات
وتخفي كل الأيقونات
تاركة فوق قناع الموت الذهبي بصيصا من نور لنهار مات
في قصر الحمراء
تدعوني، فأقرب وجهي منها، محموما أبكي
لكن يدا تمتد، فتقذفني في بئر الظلمات
تاركة فوق السجاد قيثاري، وبصيصا من نور لنهار مات
أصرخ: «لارا!»، فتجيب الريح المذعورة: «لارا…»
الحب وجود أعمى ووحيد
البصيص يبقى كما هو: بذرة نجمة. والجنون ليس أعمى، والموت ليس مغلقا وثمة نافذة في جسده لدخول ذبذبات الحياة المحلقة في الأفق.
كاتب عراقي