بغداد – «القدس العربي»: يتابع العراقيون هذه الأيام بقلق تواتر المؤشرات والتصريحات المحلية والدولية التي تحذر من التقسيم في العراق، في الوقت الذي يواجه البلد تحديات مصيرية متمثلة بتنظيم الدولة الذي يفرض سيطرته على مناطق واسعة.
ومع أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، أكد في تصريحاته إن العراق الآن أبعد ما يكون عن التقسيم، وأن تمدد تنظيم «الدولة» الإرهابي وبسط سيطرته على أكثر من منطقة عراقية قد زاد من تلاحم العراقيين وتوحدهم لمواجهة الخطر الداهم الذي يتهددهم، إلا أن تصريحات أخرى من قادة التحالف الوطني الشيعي تشير إلى مخاوف جدية من توجه الأوضاع في العراق نحو التقسيم.
فقد هدد نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي أمام تجمع للحشد الشعبي، قائلا ان «التقسيم لن يكون سلسا» مبشرا دعاة التقسيم أن أمامهم بحر من الدماء، و»أن التقسيم سيؤدي إلى تطهير طائفي وعرقي في المناطق المشتركة».
بدوره أعرب المتحدث باسم كتلة المواطن التابعة للمجلس الأعلى الإسلامي بليغ ابو كلل معارضته لـ«الدولة الكردية لأن الدستور يقول بوحدة العراق» مشيراً في الوقت ذاته إلى «أننا سنعمل على عدم الذهاب لدولتين أو ثلاث مع احترامنا لخيارات الشعب الكردي» وهو ما يعني ضمنا القبول بالمبدأ.
ولعل ما يثير المخاوف في هذه المرحلة من تاريخ العراق، هو بروز المزيد من المؤشرات على تنامي حالات الشد والتأزم الطائفي وسياسة الاقصاء مؤخرا، منها تعرض منطقة الاعظمية في بغداد إلى هجمات مقصودة من عناصر مندسة ضمن حشود الزائرين المتوجهين إلى الكاظم، هاجمت جامع ابو حنيفة ودوائر تابعة للوقف السني ودور المواطنين دون تدخل القوات الأمنية المنتشرة في المنطقة، ثم تبعهتا مأساة جسر بزيبز ومنع نازحي الأنبار الفارين من المعارك في مدنهم من دخول العاصمة والسعي إلى ارسالهم إلى اقليم كردستان وكأنهم من بلد آخر. كما أصرت الميليشيات على عدم عودة النازحين من المناطق التي تم تحريرها من تنظيم «الدولة» رغم مرور أشهر على تطهيرها.
وعكست معارك تحرير المناطق من تنظيم الدولة سلوكيات لكثير من قوى الحشد الشعبي في التعامل مع سكان تلك المناطق أو منع عودتهم إليها، اعتبرها الكثير مواقف طائفية لعل أبرزها اطلاق تسمية «لبيك يا حسين» على معركة الرمادي التي رفضتها القوى السياسية وحتى بعض الشيعية مثل موقف السيد الصدر الذي طلب تغيير الاسم بما يبعد أي إشارات طائفية.
كما شهدت الساحة السياسية العراقية عدة حالات تعكس استمرار سياسة الاقصاء التي اتبعتها القوى الفاعلة في الحكومة، ومن ذلك خطة التخلص من محافظي ديالى ونينوى واغتيال الكثير من الشخصيات البارزة والفاعلة من المكون.
وقد دخل العامل الاقليمي بقوة على خط تعميق تجزئة المجتمع العراقي من خلال المعلومات عن الضغوط الإيرانية على حكومة حيدر العبادي بشكل مباشر أو عبر الميليشيات والحشد الشعبي التي أصبحت قوة فاعلة لها نفوذ وقدرات تنافس امكانيات القوات المسلحة ( الجيش والشرطة). وفي الوقت نفسه أظهرت مناقشات قانون الحرس الوطني في مجلس النواب، اصرار التحالف الوطني على عدم السماح بوجود قوة من أهالي المحافظات المحتلة وأن المطلوب من قانون الحرس هو أن يكون إطارا لاستيعاب الحشد الشعبي أساسا. وهو ما عبر عنه رئيس مجلس النواب سليم الجبوري والنائب أحمد المساري عندما أشارا إلى عدم جدية الحكومة في محاربة تنظيم الدولة لأنها أهملت إشراك أبناء المناطق السنية، كاشفين أن أغلب عناصر الحشد من المحافظات الجنوبية والوسط، مع مشاركة بسيطة لأبناء الأنبار والموصل وكركوك وصلاح الدين.
أما الطرف الكردي في المعادلة العراقية، فلم يعد يخفي اصراره على المضي في مسيرة انفصال الاقليم عن العراق، وتأتي تصريحات رئيس الاقليم مسعود البارزاني وجولاته الدولية وتصريحات القادة الكرد، بمثابة تمهيد للإعلان الرسمي عن انفصال الاقليم الذي أشار إلى «وجود تفهم دولي لحقه المشروع في تقرير المصير».
وجاءت تصريحات قاسم سليماني، قائد الحرس الثوري الإيراني والمشرف غير المباشر على عمليات الحشد الشعبي، إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما لم يفعل أي شيء لمواجهة تنظيم الدولة، وهذا يعني أنه لا إرادة أمريكية لمقاتلة التنظيم، ويبدو أن أمريكا تتعامل مع واقع هيمنة ايران على الشؤون العراقية وصعوبة ايقاف تفتت الشعب العراقي.
كما أن القادة الإيرانيين يتسابقون في الإعلان واتخاذ الإجراءات التي تؤكد ربط أمن العراق بأمن إيران من خلال تقوية ودعم الحشد الشعبي وارسال المزيد من الأسلحة والمستشارين لساحات المعارك ومقرات قيادة القوات المسلحة، وهو ما يعني أن العراق أصبح مفتوحا لكل أشكال التدخل الإيراني عبر غطاء «محاربة تنظيم الدولة».
ولم تخف القوى الدولية قلقها من تنامي مخاطر التقسيم في العراق، في ضوء اصرار الحكومة العراقية على اتباع نهجها نفسه في اقصاء الطائفة السنية عن المشاركة الحقيقية في تقرير مصير البلد وحتى في حماية مناطقهم من تنظيم الدولة وجعلها مجرد تابع وضحية للتطورات التي تعصف بالبلد كما رأينا في حركة نزوح أكثر من ثلاثة ملايين سني من مناطقهم. وقد عبرت أمريكا صراحة عن عدم ارتياحها لمواقف الحكومة العراقية إزاء تعاملها مع الكرد والسنة، مع إبداء الاستعداد لمساعدتهما في محاربة تنظيم «الدولة».
وفي هذا السياق، حذر وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس من أن سوريا والعراق مهددان بالتقسيم ما لم يتعزز التحالف الدولي سريعاً. وقال في تصريح «يجب تعزيز التحالف الدولي بسرعة كبيرة وإلا فإننا نتجه نحو الوصول إلى بلد تمزقه الانقسامات، مع وقوع المزيد من المذابح، فضلاً عن العواقب الكارثية». لافتاً إلى أن «فرنسا قررت شن ضربات جوية ضد تنظيم الدولة على أساس قيام بغداد بتشكيل حكومة أكثر تمثيلا».
وانتقد فابيوس الحكومة العراقية، بسبب عدم التزامها بتشكيل حكومة تعددية تضم مختلف القوى السياسية والطوائف الدينية، وأضاف أن «هذا الاتفاق هو ما استندنا إليه في تبرير التزامنا بالمشاركة في العملية العسكرية.. هذا الاتفاق يجب أن يحظى الآن باحترام أكبر».
وحتى المسؤولين الأتراك أشاروا إلى أن العراق أصبح كواقع حال، مقسما إلى ثلاث مناطق.
وبالرغم من اصرار الحكومة العراقية والتحالف الوطني على الإعلان عن التمسك بوحدة العراق، إلا ان المراقبين يعتبرون سلوك وإجراءات الحكومة والتحالف الوطني وبتشجيع من إيران وغض الطرف من أمريكا، ستؤدي في النتيجة إلى التقسيم كواقع حال، يسانده موقف الكرد المعلن والساعي نحو الانفصال التدريجي عن البلد في الوقت المناسب.
مصطفى العبيدي